جوخة الحارثي تستعيد مرويات الريف العماني بطرافتها

جوخة الحارثي تستعيد مرويات الريف العماني بطرافتها

عبده وازن

تستهل الروائية العمانية جوخة الحارثي روايتها الجديدة “حرير الغزالة” (دار الآداب، 2021) في ما يشبه لقطة سينمائية جميلة تتمثل في رمي فتحية، طفلتها الرضيعة ليلى الملفوفة بالقماش والتي كانت تحملها بين يديها، عندما اعلمتها النسوة النادبات اللاتي التففن حول سيارتها الجيب الخضراء، برحيل والدها. طارت الطفلة التي كانت ترضع ثدي أمها في الهواء مع لفتها وسقطت على ذراعي امرأة تدعى سعدة، فحملتها وذهبت بها إلى منزلها ريثما تنتهي التعازي، فتعيدها إلى أمها. وخلال أيام التعازي أرضعت سعدة الطفلة ليلى من ثديها وسمتها غزالة، ما جعلها تضحى شقيقة ابنتها آسيا في الرضاعة. هذه الحادثة الصغيرة ستكون لاحقاً نقطة تحول في حياة الطفلة التي ستكبر وتختار اسم غزالة الذي أطلقته عليها سعدة، مؤثرة إياه على اسم ليلى الذي اختارته أمها، وكأنها انحازت إلى الأم في الرضاعة عوض التزام الاسم الذي اختارته الأم الحقيقية. بل ستبدو خلال الرواية منحازة فعلاً إلى هذه الأم في الرضاعة وإلى ابنتها آسيا أو أختها في الرضاعة. لكن تعلق البطلة غزالة (ليلى) بأمها غير الحقيقية وحبّها إياها ربما أكثر من أمها، يظل بلا تبرير في الرواية: هل كانت الطفلة الرضيعة واعية أن أمها رمتها من يديها عندما راحت تندب والدها الذي فوجئت بخبر موته، فنشأ في لاوعيها هذا النفور المضمر من الأم؟ طبعاً لا. هل أصيبت غزالة (ليلى) بحال من الانفصام النفسي؟ طبعاً لا، فهي طوال السرد لم تشك من أي انفصام.

ولعل الكاتبة ارتأت ألا تبرر هذه النزعة الغريبة مكتفية برسم العلاقة المتينة التي ربطتها بأختها في الرضاعة التي كانت فعلاً بمثابة أخت حقيقية، مع أنهما ستفترقان بعد أن تقاربا سن المراهقة، وكل إلى قدرها. وسيبدو لاحقاً أن قدر آسيا سيكون مجهولاً بعد اختفائها، ولن يظهر منها بعد سنوات سوى صوتها في الإذاعة، فتسمعه غزالة بالصدفة، وتفرح بها وبأنها ما زالت حية.

ولئن بدأت الرواية في لقطة سينمائية موحية جداً، فالسرد سيتهافت من ثم مأخوذاً بمتعة السرد الإنشائي الذي يدور حول محاور عدة، مكانية وزمانية، وحول شخصيات كثيرة تحضر أو تعبر كالأطياف. وقد توزع السرد بين الكاتبة المنتمية إلى زمن الحكاية والراوية التي تدعى حرير، والتي كانت غزالة تعرفت إليها لاحقاً، في الجامعة والوحدة السكنية الجامعية، وقد فاجأتها حرير طالبة منها أن تكون صديقتها، فوافقت. لكن فعل الروي الذي تقوم به حرير، قسمته جوخة الحارثي إلى ما يشبه اليوميات، مع تاريخ اليوم والشهر والسنة، وقد بدأت حرير التدوين في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 مفتتحة إياه في الجامعة واختتمته في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، ما يعني أن اليوميات القليلة نسبياً والمتقطعة زمنياً تغطي نحو عشرة أعوام. لكن هذا الزمن الذي يسمى زمن الراوية لا بد من أن يضاف إليه زمن غزالة، السابق، الذي يبدأ منذ الطفولة ويمتد حتى دخولها الجامعة. وبدا “مفهوم” الزمن السردي مهتزاً وغير واضح، لا سيما أن اليوميات تبتعد أو تتقارب عشوائياً ومن دون أن تتبع خيطاً داخلياً متيناً.

زمن الكاتبة

الزمن الأول، زمن الكاتبة، يمكن حصره مكانياً بين قرية “شعرات الباط” التي تم تبديل اسمها إلى الواحة، والخوير التي انتقلت العائلة إليها بعد 15 عاماً على ولادة غزالة (ليلى)، والمدينة التي ستتبدل فيها حياتها، لا سيما بعد زواج غزالة من عازف الكمان الذي كانت تعرفت إليه في الخوير، وهربت معه في السادسة عشرة من عمرها، وإنجابها توأمين ودخولها من ثم، كلية التجارة في الجامعة.

أما الزمن الثاني، أي زمن الراوية حرير أو مدونة اليوميات، فيتوزع بين الكلية والوحدة السكنية ومدينة بانكوك حيث سافرت مع أمها التي تتلقى العلاج الكيماوي ضد السرطان الذي أصابها، والبيت العائلي الكبير المطل على البحر في صحار، والذي يحوي تاريخ العائلة وذكريات أفرادها (ثلاثة أجيال)، لا سيما الجد الذي كان يمارس مهنة صيد اللؤلؤ وانكفاؤه عنه بعد رواج اللؤلؤ الاصطناعي.

57151788._UY745_SS745_.jpg

الرواية الجديدة (دار الآداب)

أما زمن القرية أو زمن الطفولة فهو زمن غزالة (ليلى)، وما أحاط به من وقائع وأحداث وشخصيات طريفة كل الطرافة في أحيان. وبصفته زمن غزالة، فهو أيضاً زمن الجدة والأم فتحية، والأم في الرضاعة سعدة وابنتها آسيا الأخت في الرضاعة، والعمة مليحة التي حولت بيتها دكاناً صغيراً نكاية في صهيب الذي يملك دكاناً شبه شرعي، وراية العجوز المتسولة بالسليقة، وسريرة التي طلقها شقيقها ود معيوف من زوجها سليم الذي كان يعذبها وقتل بقرته، مما جعل بقرة سعدة هي الوحيدة في القرية التي تمد أهلها بالحليب والزبد… أما والد غزالة فيعمل في وزارة الإسكان في مسقط، ووالد آسيا موظف في جيش الإمارات في أبو ظبي.

في هذا الجو القروي الذي بات مألوفاً، نشأت “البطلة” غزالة وإلى جانبها أختها في الرضاعة، وقد شكلتا توأمين طريفين جداً، وجعلتا من سهول القرية وسواقيها وأفلاجها ملاعب لهما، تحلبان البقرة محبوبة وتركضان تحت الشمس وتأكلان خبز الرقاق والحمص النيء، وتلاعبان القط شيبوب الذي يسقط في نار الموقد ويحترق، والحمار نازع وتصطادان العصافير وتسرقان ثمار المانغو. وتلتحقان بمدرسة القرية وتواجهان المعلمة الضخمة أبلة عفت وسوطها المفتول. وعلى طريق العودة من المدرسة يخلع أمامهما العامل الهندي سرواله… إنها القرية العمانية بطقوسها وتقاليدها وخرافاتها وثقافتها الشعبية، كما تبدت في رواية وفي روايات عمانية أخرى لهدى حمد وبشرى خلفان وسواهما.

حادثة أليمة

إلا أن سيرورة هذه الحياة الريفية الطفولية ستعكرها حادثة أليمة هي سقوط الطفلة زهوة ذات الثلاث سنوات، ابنة سعدة وأخت آسيا في الفلج فحملها الماء من ساقية إلى أخرى. راحت سعدة تؤنب نفسها كيف غلبها النعاس وتركت ابنتها تلهو حتى غرقت وماتت. انعزلت عن الناس وسمت نفسها “عايبة” ثم جنت وبات زوجها يهرس لها الطعام كالأطفال ويحممها وينظف البيت.

تموت سعدة كمداً وينحرف زوجها إلى السكر فيعيّر بـ”الأب الفاجر”. أمام هذه المأساة تقرّر آسيا هجر القرية مع أبيها، ولم يعلم أحد إلى أين ذهبا وكيف اختفيا نهائياً على الرغم من الشائعات. إلى أن سُمع صوت آسيا “بعد سنوات تردده الإذاعات والتلفزيونات”، كما تقول الكاتبة. لكنها تقول في مكان آخر من الرواية إن غزالة سمعت صوت آسية عبر الإذاعة تسأل شيخاً عن ذنب ارتكبته في طفولتها، وهذا يخالف ما ورد عن تردد صوت آسيا في الإذاعات والتلفزيونات. ثمة فرق كبير بين سؤال عبر الأثير وصوت يتردد في الإذاعات والتلفزيونات.

وفي جريرة السرد القروي أضاعت جوخة الحارثي فرصة التوسع في فكرة الصالة السينمائية التي تحدثت عنها في قرية “شعرات باط”، والتي كانت تشرف عليها العمة مليحة بعد ما هدم العم حجرات البيت ليحوله إلى صالة سينما، وجلب كراسي و”بروجكتور قديم” لعرض الأفلام على الجدار الأبيض. وكانت مليحة تبيع بطاقات الدخول وهي أوراق مقصوصة من دفتر مدرسي، وتتباهى وقد دهنت بثور وجهها بكريم النيفيا وطلت شفتيها بالأحمر…

جو السينما بديع حقاً ولو أن المشروع لم يدم طويلا، فالأهالي ما لبثت أن تلاشت حماستهم وانصرفوا إلى القنوات الفضائية التي بدأت تغزو القرية. ومن الأفلام التي تم ذكرها الفيلم المصري “خرج ولم يعد”. وكان في إمكان الحارثي أن تركز أكثر على السينما وتنقل جو الناس القرويين وأثر الأفلام عليهم، لا سيما أن شخصية العمة مليحة هي سينمائية جداً، كما تبدت لاحقاً عندما تزور مسقط وتلتقي غزالة وصديقتها وتصعد السيارة وتبصر الإعلانات وتجلس في المقهى وتقصد الطبيب. أما أجمل فصل في هذا القبيل (ثلاث صفحات 165-167) فهو الذي تتخيل العمة مليحة فيه موتها أو تخطط له، ساعية إلى الانتقام أولاً من الحياة والقدر اللذين كانا قاسيين عليها، ومن أفراد عائلتها واحداً واحداً، هؤلاء الذين أهملوها وهمشوها…” ستموت وسيجبرون على التفكير بها، سيجتمعون كلهم من أجلها…

لن يتمكن أحد من الإفلات من قبضة موتها المحكمة، سيضطرون للبكاء والحديث عنه مع المعزين، ليس بوسعهم تجاهلها، إنها مركز الحدث”. وتعدد أفراد العائلة الذين سيأتون رغماً عنهم إلى جنازتها، وتفضح مساوئهم وسوء معاملتهم إياها، وتؤنبهم، بدءاً بشقيقها المجنون ذي الشعر الطويل واللحية المهملة، وشقيقها الأكبر المتقاعد الذي سيترك مجبراً، المقهى الذي يلعب فيه الورق مع أصحابه ليشارك في عزائها، وفتحية زوجة شقيقها التي ستتمتع في مشاهدتها جالسة في جنازتها، في بيت العائلة الذي سيطرت عليه، وانتهاء بليلى أو غزالة نفسها التي لم تدعها تقيم معها في منزلها الزوجي بعد ما طلقت.

الحياة الجديدة

لا تتوقف الرواية عند الماضي وذكرياته، بل يطاول السرد حياة غزالة التي تزوجت من العازف الموسيقي الذي أحبته وأنجبت منه توأمين. تجد غزالة نفسها وحيدة ومطلقة تحمل شهادة بكالوريوس في التجارة. ولا تلبث أن تقع في حب افتراضي بطله رسام كوميكس عراقي يعيش في دولة السويد التي لجأ إليها، بعد ما واجه سلطة أبيه العسكري القاسي وحزامه (رمز الديكتاتورية الصدامية) وهرب من البصرة. تسميه غزالة “مغني الملكة” من غير دلالة مؤكدة، وتغرق في هواجسه وفانتساماته وصراعه مع زوجته السويدية التي تهجره. ثم تقع في مغامرة حب ثانية وطرفها الآخر رجل متزوج تسميه “الفيل” يعرب لها عن حبه وعن عجزه عن هجر زوجته في آن واحد. تمسي غزالة ليلى حقيقية ولكن بلا قيس، امرأة تحترق في نار الرغبة، ولا تجد من يخمدها في جسدها.

أما الصفحات التي ينتقل فيها السرد إلى حياة الطالبات في الوحدة السكنية، فلا تخلو من طرافة وتنوع، وتخرج بالرواية عن رتابتها ودوامة التكرار التي وقعت فيه. وهنا يحل دور الراوية حرير في نقل الأجواء الكتومة، فهي تعيش في الوحدة السكنية، بينما تعيش غزالة صديقتها في منزلها مع التوأمين. هنا في الداخل يتعرف القارئ إلى شروق شريكة الراوية في غرفتها والتي تصفها بـ”الدعوية”، وإلى سلايم الطالبة النمامة والثرثارة وناقلة الأخبار…

لكن أغرب الفتيات هي “البنت الغامضة” التي ترتدي عباءة سابغة وجوارب سوداء. هذه الطالبة صامتة ولا تتعاطى مع الأخريات، وحيدة، مكتفية بذاتها. ومرة تدخل حرير غرفتها خفية، فترى مرآة طولية فوق المغسلة مغطاة بورق تجليد بني، وقد علقت عليها صورة صغيرة لطفلة في الثالثة من عمرها، وحتى النافذة مغطاة بورق جرائد. لم تجد في غرفتها لوحات ولا صوراً ولا أوراقاً ولا كتباً. وما كان يزيدها حيرة أن شروق لم تكن تحضر الدروس الدينية في المسجد، ثم اختفت وكأنها لم تكن. هذا العالم كان يمكن تطويره وتوسيعه فهو عالم مشبع بالأسرار الأنثوية والمرويات التي يمكن أن تكون واقعية أو متخيلة.

هل تسرعت الروائية جوخة الحارثي في كتابة روايتها الجديدة “حرير الغزالة” بعد فوز روايتها السابقة “سيدات القمر” بجائزة مان بوكر الدولية في ترجمتها الإنجليزية وكانت أول عربية (وعربي) يفوز بهذه الجائزة المهمة؟ بدا واضحاً أن الإنشاء السردي كاد يطغى على حركة الروي وينهك بنية الرواية وإيقاعها التصاعدي، ولا تحصى فعلاً الصفحات التي شهدت هذا “الإطناب” السردي. وبدا واضحاً أيضاً أن استخدام تقنية اليوميات المتقطعة والمبعثرة زمنياً من دون تبرير، أسهم في تقطيع أوصال السرد مع أن مرويات حرير (الراوية) غدا في أحيان شبيهاً بسرد الكاتبة نفسه. وليت الحارثي انتبهت إلى الأخطاء الكثيرة التي ارتكبت، صرفاً ونحواً وإملاء، والتي تحتاج إلى تصويب في الطبعة الجديدة.

عن إندبندنت عربية