المترجمة مارسيا لينكس كيلي: مع الأدب العربي شعرت أنني تماما في بيتي

حاورها: محمّد سعيد احجيوج*

كيلي: يزعجني في الناشرين الغربيين رؤيتهم الاستعمارية وتركيزهم على الكتابات التي تكسر التابوهات

من خلال مدونتها ArabLit قدمت، وتقدم، المترجمة مارسيا لينكس كيلي للأدب العربي، من جهة التعريف به عند القارئ الغربي، أكثر بكثير مما تقدمه دور النشر العربية والمؤسسات المسؤولة عن دعم الكتاب العربي. بدأت مارسيا مدونتها سنة 2009 حين وجدت نفسها غير راضية عن النقد المجحف المكتوب بالإنجليزية عن الآداب العربية. سرعان ما سيتوسع المشروع ليضم مدونة مخصصة لأدب الطفل والشباب المكتوب بالعربية، مسابقة سنوية حول ترجمة القصة القصيرة، ومجلة فصلية معنية بتقديم الأدب العربي للقارئ الإنجليزي.

أصدرت مؤخرا ترجمتها لرواية سونيا نمر الموجهة لليافعين، “رحلات عجيبة في البلاد الغريبة”، وشاركت من قبل في ترجمة رواية “غدي وروان” للكاتبتين فاطمة شرف الدين وسمر محفوظ براج. سيصدر لها العام القادم ترجمتها للكتاب الأول من ثلاثية “طائر الرعد” لسونيا نمر، وهي تعمل حاليا على ترجمة رواية حجي جابر، “رغوة سوداء”.

شاركت مارسيا في تنظيم مهرجان الأدب الرقمي “بلا حدود” رفقة المترجمة سواد حسين، كما تقدم بودكاست “بولاق” المتخصص في عرض الكتب والأدب العربي، بالشراكة مع أورسولا ليندسي.

كيف جاءت مارسيا إلى ميدان الترجمة الأدبية؟ لماذا الترجمة من العربية وما الذي جذبك تحديدا إلى الأدب العربي؟

درست لأكون مترجمة للأدب الروسي، الذي كان شغفي الأساسي خلال فترة مراهقتي. لكن حين عشت في روسيا، طالبةً جامعية، ورغم أني أحببت حقا أصدقائي هناك، إلا أنني لم أشعر أبدا أنني في بيتي. ثم زرت القاهرة. الضجيج، السماء الممتدة، اهتمام الناس بربط العلاقات… لقد شعرت على الفور أنني في بيتي.

بالنسبة للأدب العربي فإن جزءًا من جاذبيته هو فضاءه الهائل الذي يشمل ثقافات متنوعة وعصورا شديدة الاختلاف. يمكنك مثلا أن تقرأ نصا من القرن الثالث عشر وتجد نفسك فيه! بالنسبة إليّ، الأدب العربي ضخم، صاخب ومزدحم، سيؤثر عليك لا محالة وسيشيد داخلك صرحا، سواء رضيت أم لا، كما تفعل القاهرة تماما.

ما رأيك في الأدب العربي، الحديث خاصة، والمغربي بشكل خاص؟

حسنا، تجربتي مع الأدب العربي المعاصر هي بلا شك كما تجربتي مع القاهرة. بيئة “القوانين الصارمة” و”لا قوانين” في الوقت نفسه. في هذا الفضاء يمكنك العثور على كتب تُشبع متطلبات (وتستجيب لقيود) المجتمع، السوق، الحكومة، وما إلى ذلك. يمكنك العثور على الكثير من الكتب الرديئة، والمنتجة سريعا، الفاقدة للحِرفية والمكدسة بالأخطاء. لكن يمكنك أيضا العثور على بعض الأعمال الأدبية الأصيلة التي تحبس الأنفاس ولا تستسلم لمتطلبات السوق ولا القواعد الأدبية، بل تحلق في مسارها الخاص.

يتمتع الأدب المغربي بفرص غنية للاستفادة من لغات وتاريخ أدبي متنوعين، بما في ذلك اللغة الأمازيغية وتقاليد السرد الأمازيغي. معظم الأعمال التي تثير إعجابي من المغرب هي النصوص القصيرة. التوتر المنسوج في النوفيلا والقصص القصيرة والشعر. لكن ربما المشكلة في نقص مدى تركيزي.

كيف كانت رحلة ترجمتك لرواية سونيا نمر، رحلات عجيبة في البلاد الغريبة، بدء ما الذي جذبك إلى الرواية وإلى أي حد كانت صعوبة/سهولة إيجاد ناشر للترجمة الإنجليزية؟

لا بد أنني اقتنيت رواية سونيا من معرض الشارقة للكتاب خلال السنة التي توجت فيها الرواية بجائزة اتصالات لكتاب الطفل، سنة 2014. بدأت في حضور معرض الشارقة للكتاب في نوفمبر 2010، وربما صادفت تلك السنة رواية فاطمة شرف الدين، “فاتن”، الموجهة لليافعين. في البداية كان اهتمامي بأدب الأطفال بصفتي أما -كنت حاملا آنذاك- لكن سرعان ما وقعت في حب هذه القصص الممتعة الموجهة للقراء اليافعين. ذكرتني تلك القصص بالفرح العظيم الذي كنت أحسه خلال القراءة وأنا مراهقة صغيرة، وكيف كانت تمثل لي كل ما أردته في حياتي.

عندما قرأت كتاب سونيا، شعرت ببهجة الهروب والمغامرة، فرحة الاكتشاف والسفر إلى أزمنة وأماكن جديدة. بكل ما شعرت به حين وقعت في حب الكتب أول مرة. قابلت سونيا العامَ الذي أصدرت فيه كتابها “طائر الرعد”، سنة 2016، ومنحتني الإذن لترجمة كتابها. لقد انغمست في ترجمة الكتاب بكل حب، دون عقد ترجمة وحتى قبل إيجاد ناشر يوافق عليه.

كان من الصعب جدا إيجاد ناشر للترجمة الإنجليزية. مررت بالعديد من اللحظات المحبطة، حين كنت أعتقد أن ناشرا اقتنع بالرواية لكن يظهر عكس ذلك. ثمة قواعد صارمة لأدب اليافعين (المراهقين) بالإنجليزية. على سبيل المثال، الشخصية الرئيسية لا يمكنها أن تنمو في العمر. في “رحلات عجيبة في البلاد الغريبة” الشخصية الرئيسية قمر تكبر، لذلك أخبرني الناشرون أن الرواية فانتازيا موجهة للكبار.

أنا ممتنة لأن ميشيل موشابك، من Interlink Books، قبل نشر الكتاب. لست متأكدة أنني تعلمت أي شيء من عملية البحث عن ناشر، باستثناء أنه عليك أن تستمر في المحاولة لسنوات وسنوات.

كيف ترين مستوى أدب اليافعين (YA) العربي، من حيث عدد الإصدارات، ومن حيث جودتها؟ وكيف ترين تقبل النقاد العرب لإصدارات هذا التصنيف العمري؟

لطف منك أن تسأل عن أدب اليافعين! كثيرون لا يعتبرونه مسارا جادا للخوض فيه. مع ذلك، ظهر مؤخرا عدد من مواقع الإنترنت النقدية، منها حادي بادي، تتعامل مع الكتابات الموجهة لليافعين باعتبارها أدبا.

أنا محظوظة بلقائي بالعديد من المؤلفين البارزين لكتب اليافعين، مثل سونيا نمر، تغريد النجار، فاطمة شرف الدين، وسمر محفوظ براج. أيضا محظوظة بتعرفي على أكاديميين متخصصين مثل ياسمين مطاوع وسوزان أبو غيدا. لكن الحقيقة أن عدد روايات اليافعين المكتوبة بالعربية لا يزال قليلا جدا مقارنة بالمكتوب بالإنجليزية أو الفرنسية. أمر مخجل بالنظر إلى القاعدة الشابة للمجتمعات العربية. ثمة كتاب متفانين وناشرين متحمسين، لكن تبقى كتب اليافعين تصنيفا هامشيا دون اهتمام نقدي. أيضا، يا للأسف، العديد من الآباء المقتدرين ماديا لشراء روايات لأبنائهم سيفضلون روايات بالإنجليزية أو الفرنسية.

أود حقا أن أرى جائزة أدبية لكتب اليافعين يُحكمها شباب حاذقين.

هل تلاحظين وجود تركيز معين من الناشرين الغربيين على ترجمة نوع محدد من الروايات العربية، أو أسماء الروائيين؟

إلى حد ما هذا يعتمد على البلد. لكن بشكل عام أجد اهتماما مزعجا وأبوية استعمارية بالكتابات التي “تكسر المحرمات” و”تتجاوز الخطوط الحمراء”. كذلك، هناك اهتمام كبير بالكتابات التي تعتبر “الأولى” من أي شيء. أول عُمانية تكتب رواية وهي واقفة على رأسها! أول رواية موريتانية كتبها رجل ذو أحد عشر أصبعا! أول رواية كتبها جنين وهو لا يزال في رحم أمه!

أعني، الناشرين الغربيين غالبا ما يكونون مدفوعين بالمحصلة النهائية: ما الذي سيبيع؟ ما القصة خلف الرواية؟ (هل كُتبت في السجن بحبر سري؟ هل فاز الروائي مؤخرا بميدالية ذهبية أولمبية؟) هل يمكنك التعريف بالرواية في جملتين؟

هذا يعني أن الناشرين في الغالب لا يعرفون ما نوع الرواية التي يريدون. بالتالي هم يسعون هنا وهناك عساهم يصادفون نصا جديدا كليا، نصا يمكنه خطف كل الجوائز والإشادات النقدية بينما يكون قابلا ليحقق لهم أيضا الكثير والكثير من المبيعات.

الملاحظ أن الناشرين الغربيين ينفرون، إلى حد ما، من الروايات العربية التجريبية. ما السر برأيك؟

أعتقد أنك ستجد اهتماما بالأعمال التجريبية في بعض الأماكن، مثلا Comma Press في بريطانيا وSeagull Books في الهند (طبعا الهند ليست غربية). معظم الناشرين الغربيين يشعرون أنهم يجرون بالفعل “تجربة” بمجرد الخوض في الأدب العربي. بذهابهم إلى هذا الحد، متسلقين طول الطريق نحو سفح “جبل العربية”، غالبا ما يجلسون، يلتقطون نفسهم بصعوبة، ويبحثون في الجوار عن شيء مألوف.

لو سألك قارئ أو ناشر غربي، لماذا يجب عليه أن يقرأ الأدب العربي. ماذا سيكون ردك؟

بصراحة، عادة ما أعتمد التشبيه بالطعام. أقول: يمكنك أن تكتفي طيلة حياتك بطعام المطبخ الأوروبي، أكيد. لكن إذا كان لديك خيار تجربة مطابخ أخرى، لتعلم طرق أخرى للتذوق والاستمتاع بالطعام واكتشاف نكهات جديدة، لم لا تنتهز الفرصة؟ بالنسبة للعربية، هي لغة مستخدمة في أكثر من عشرين دولة مختلفة، وقائمة على تاريخ أدبي يزيد عمره عن 1500 عاما. إذا لم يكن الشخص مهتما رغم هذا، هو على الأرجح ليس مهتما بالكتب في المقام الأول.

الملاحظ أيضا أن أغلب ترجمات الأدب العربي، وخاصة إلى الإنجليزية، تصدر من أقسام النشر في الجامعات، مما يعني بقاء تلك الترجمات محدودة في سوق ضيق، كأنها لم تترجم. إلى أي درجة يمكن القول إن الأدب العربي يتصف بسمات العالمية؟

صحيح تماما! تأثير الجامعة هو أيضا تأثير رئيسي، فأقسام النشر في الجامعات كثيرا ما تسوق إصداراتها للأساتذة في المؤتمرات الأكاديمية مثل MESA (جمعية دراسات الشرق الأوسط). بالتالي، مدى قابلية الكتاب لـ “التدريس” يؤثر على قبول الناشر به أم لا. هل يمكن إدراج الكتاب ضمن مساق دراسي حول تاريخ الشرق الأوسط، حول الهجرة، إلخ؟

أعتقد أن جميع الآداب مغلقة على نفسها، وأعتقد أن جميع الآداب عالمية. لو بدا أن الإنجليزية والفرنسية تتمتعان بميزات أكثر عالمية فذلك فقط بسبب وضعهما كقوى استعمارية سابقة.

ما رأيك في المستوى الحِرفي والفني (تقنيات السرد) عند الكتاب العربي. أقصد، بعيدا عن موضوع الحكاية في الرواية، كيف ترين جودة الكتابة الروائية عند الروائيين العرب؟

بالنسبة للإنجليزية، يتسم السوق باحترافية عالية. ثمة العديد من الدورات الجامعية المخصصة للكتاب. الكاتب غالبا ما يبدأ بالنشر في مجلات صغيرة متنوعة، ثم ينظم إلى مجموعة كتابة، ولاحقا يجد وكيلا يمثله، وحتى بعد قبول الكتاب للنشر يمر النص بمراحل تحرير مختلفة. ربما يؤثر هذا النظام على أصالة الكاتب، لكن يمكنه أيضا أن يحسن ويطور من مهاراته التقنية.

أما بالنسبة للعربية، كما تعلم، فإن الكاتب يحارب وحده، دون محرر متفرغ يقوده عبر المسودات المتعددة للنص ويقترح التعديلات حيث يجب. ستجد التميز التقني لا شك، لكن الأمر سيتطلب مجهودا أكبر من الكاتب في كل مرحلة، لأن هناك دعما أقل من حوله.

لو طلبنا ترشيحك، ما هي حسب رأيك الشخصي، أفضل خمس روايات عربية غير مترجمة، وخمس روايات ترجمت إلى الإنجليزية، صدرت خلال آخر خمس سنوات؟

حسنا، “الأفضل” توصيف صعب. ثمة العديد من الروايات التي قرأتها وفكرت، “آه، إنها ممتازة”، مع ذلك لم أجدني متحمسة لها.

العديد من كتبي المفضلة خلال العامين الماضيين ليست روايات، بل كتب أدبية غير-روائية، مثلا: في أثر عنايات الزيات، لإيمان مرسال؛ كتاب النوم، لهيثم الورداني؛ غرفة المسافرين، لعزت قمحاوي؛ غرفة 304، لعمرو عزت. أنا متحمسة جدا للتقنيات والتوجهات الجديدة في الأدب غير-الروائي، وأحب كثيرا سلسلة “كيف تـ”.

أحب أيضا المجموعات القصصية المجددة إبداعيا، مثل مجموعة جيجي وأرنب علي، لأمير حمد ومجموعة أيام الخرطوم الأخيرة، لحسام الهلالي.

في الرواية ثمة أرواح إدَّو، لـ إستيلا قايتانو، واحدة من الروايات المفضلة لدي في السنوات الأخيرة. كذلك ورثة الشيخ، لأحمد القرملاوي. أحب الروايات المتطورة للبالغين، لكني أحب أيضا، على قدم المساواة، روايات مثل ثلاثية طائر الرعد لسونيا نمر. رغم أنها مكتوبة أصلا للفئة العمرية من 10 إلى 15 عاما، إلا أنها منحتني ساعات وساعات من المتعة الصافية. وبالحديث عن الثلاثيات ثمة طبعا ثلاثية شبيك لبيك، وهي روايات مصورة لدينا محمد.

أما عن الترجمات الحديثة… صعب إرضاء جميع القراء، لكن رواية الحالة الحرجة للمدعو ك، لعزيز محمد وترجمة همفري ديفيز، يجب أن ترضي معظم القراء. رواية إفلات الأصابع، لمحمد خير، ترجمها روبن موغر بعنوان Slipping. اعتقدت أن رواية الخائفون، لديما ونوس، كانت جذابة ومتماسكة بإحكام، وأحبطني أن ترجمة إليزابيث جاكيت لها لم تحظ باهتمام كاف من نقاد الإنجليزية. كما أحببت رواية السبيليات، لإسماعيل فهد إسماعيل، التي صدرت بعنوان The Old Woman and the River بترجمة موهوبة لصوفيا فاسلو. ولدينا اعترافات، لربيع جابر بترجمة كريم جيمس أو زيد.

تذكرت، سأضيف أيضا رواية دروز بلغراد إلى قائمة الروايات العربية. أحب كل كتابات ربيع جابر. أيضا أضيف رواية طعم الذئب، لعبد الله البصيص.

آسفة، يبدو أني تجاوزت العدد المطلوب في السؤال.

من خلال إقامتك في المغرب سنوات، وفي القاهرة من قبل. كيف تقارنين الساحة الثقافية بين المغرب ومصر؟

حسنا، في مصر توجد حاضرة عملاقة واحدة تقام فيها معظم الأحداث الثقافية. بالتأكيد، نعم، هناك مدن أخرى، لكن معظم الأنشطة تتركز في القاهرة. بالنسبة إليّ، القاهرة مثل نيويورك أو لاغوس: اكتظاظ خانق، لكن هناك دائما شيء مذهل يحدث. أما المغرب فقد تطور بطريقة أكثر عقلانية بتوزيع الأنشطة الحيوية على أكثر من مدينة. أنا لا أعيش في الدار البيضاء أو طنجة أو مراكش، ولكن في الرباط/سلا الأقل حركية. هنا، يبدو أن الأنشطة الفنية والموسيقية والمسرحية تهيمن أكثر من الأحداث الأدبية. لأكون صادقة، في الرباط يحدث أنني أقضي الكثير من وقتي في ركوب الأمواج.

* (روائي مغربي. صدر له روايتي “كافكا في طنجة” و”أحجية إدمون عمران المالح”)

Related posts