نجمة.. رائعة كاتب ياسين الذي اعتبر الفرنسية غنيمة حرب

نجمة.. رائعة كاتب ياسين الذي اعتبر الفرنسية غنيمة حرب

حكيم مرزوقي

رواية ملحمية تستشرف حرب الهويات القاتلة في الجزائر

كاتب ياسين لم يكتب رواية، بل نسج أسطورة. فرواية “نجمة” طوعت كل أساليب الكتابة، ليتساءل القارئ في كل صفحة وسطر يقفز إليه هل ما أقرأه مسرح، أم شعر، أم هو أساطير الأولين؟ ورغم أن الرواية كتبت بالفرنسية إلا أنها لم تفقد عمقها الجزائري، لتؤكد ما قاله ياسين يوما: أكتب بالفرنسية لأقول للفرنسية إني لست فرنسيا.

الروائي الجزائري كاتب ياسين (1929 – 1989) واحد من ضمن الشخصيات التاريخية التي اختارتها فرنسا هذا العام بالتنسيق مع رؤساء البلديات لإطلاق أسمائها على شوارع كبيرة أو مبانٍ عامة.

وجاء اسم كاتب ياسين، إلى جانب مواطنيه الأمير عبدالقادر ومصالي الحاج، والمناضل في الحركة الوطنية والمفكر محمد أركون، وآسيا جبار، بحسب موقع “هافينغتون بوست” بالفرنسية، مما يعكس مكانة هذا الكاتب ومدى تأثيره في الثقافة الفرنسية. فمن هو هذا الرجل الذي ارتبط اسمه برواية “نجمة” التي عدت بحق أيقونة الروايات المتعلقة بالثورة الجزائرية، وما زالت تسيل الحبر منذ صدورها بالفرنسية عام 1956.

المرأة المشتهاة

ولد كاتب ياسين بدائرة زيغود يوسف ولاية قسنطينة في 6 أغسطس 1929. تردد على المدرسة القرآنية بسوق أهراس ثم التحق بالمدرسة الفرنسية عام 1945.

سجن وعمره لا يتجاوز 16 سنة، وكان لذلك أبعد الأثر في نفسه وفي كتاباته. بعد تجربة السجن بعام واحد فقط نشر مجموعته الشعرية الأولى “مناجاة”. دخل عالم الصحافة عام 1948 فنشر بجريدة “الجزائر الجمهورية” (ألجي ريبيبليكان) التي أسسها رفقة ألبير كامو. وبعد أن انضم إلى الحزب الشيوعي الجزائري قام برحلة إلى الاتحاد السوفييتي ثم إلى فرنسا عام 1951. قبل وفاته تقلد عدة مناصب، منها منصب مدير المسرح بسيدي بلعباس. ونجا من محاولة اغتيال في تيزي وزو عام 1987.

هيثم حسين: نجمة المرأة التي تأسر عشاقها ولا تسلّم نفسها لأحد

قام بكتابة العديد من الأعمال المسرحية كمسرحية “الرجل ذو الحذاء المطاطي”، بالإضافة إلى الشعر مثل مجموعة “مناجاة” سنة 1946 و”أشعار الجزائر المضطهدة” و”فلسطين المخدوعة”.

تعد رواية “نجمة” من أهم أعماله بلا منازع، بل ويعتبرها النقاد والدارسون “نجمة الأدب الجزائري” نظرا لمكانتها الأدبية والتاريخية كواحد من الأعمال المؤسسة للرواية الجزائرية التي تميزت بنفسها الملحمي وانفردت بخصوصيتها الفنية وتقنيتها السردية مما جعلها لا تشبه نظيرتها المصرية أو حتى الفرنسية وإن اشتركت في نفس اللغة.

تدور أحداث “نجمة” أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر وترصد في رمزية أدبية ومقاربة واقعية معاناة الجزائر خلال تلك الحقبة العصيبة ومصير أبنائها الذين تعلقوا بمصيرها، كل حسب موقعه وهواجسه كما تدل الإسقاطات التي أرادها الكاتب من خلال قصة حب يكاد يكون مستحيلا بين الفتاة نجمة وعشاقها الذين تتشابك مصائرهم.

وهكذا تصبح الجزائر حقيقة مجسدة جاءت من صلب جزائري -أب جزائري- و رحم فرنسية -أم فرنسية يهودية- عشقها أربعة أصدقاء تنافس منهم اثنان منافسة انتهت بصراع أحدهما في ليلة ميلاد نجمة.

نجمة يتم اغتصابها من قبل أحدهم، ويظل الشك يحوم حول شخصيته التي تظل مجهولة، ويحار أبطال الرواية من منهم يكون أخاها، وتراهم يغرمون بها كنموذج للمرأة المشتهاة، لكنها تظل عصية على التقييد، ويأتي اختطافها من قبل زنجي يدخلها في نساء قبيلة “كبلوت” كتحصين من جهة وإبعاد من جهة ثانية، مع ما يوحي به من فشل في إقامة علاقة سليمة بعيدا عن سفاح القربى وما قد يخلفه من تشوهات نفسية وجسدية.

حسن تليلاني: إنه أقوى أديب فضح الاستعمار بلغة رمزية شفافة

يستهل ياسين أحداث روايته بهروب بطله لَخضر من السجن، وعدم اكتراثه بما قد يتعرض له من ملاحقة ومحاسبة ومحاكمة، لأنه يكون مسكوناً بهاجس أكبر وأهم يتلبسه ويتحكم به ويقوده إلى غده، نابشا طيات ماضيه، باحثا عن تلك التي سلبت الألباب والقلوب، عن “نجمة” التي تكون المراد والمشتهى، المرأة التي تأسر عشاقها، ولا تسلّم نفسها لأحد كما يقول الناقد هيثم حسين، في قراءته للنسخة العربية التي نقلها من الفرنسية الجزائري السعيد بوطاجين.

الذين عشقوا نجمة تجمعهم قرابة دم إلى درجة أن الروابط تختلط إلى حد الإيحاء بأن الأمر يتعلق بسفاح المحارم، وذلك تأكيد من الكاتب على أن الجزائر قريبة من الجميع وعلى نفس المسافة، وهذا ما يبعدها عنهم في نفس الوقت وهو أمر يزيد الأمور تعقيدا والتباسا.

سؤال الهوية في الجزائر يمضي نحو المزيد من التعقيد ويجعل العلاقة أشبه بالمتاهة، فهي متعددة الأعراق والثقافات بما في ذلك بعدها الأفريقي من خلال إقامتها لدى شاب زنجي لم تحسم علاقتها به بشكل نهائي فكأنما كاتب ياسين يجمع عشاق نجمته في خانة واحدة مع علم الجميع أن هذا الجمع حاصل بحكم الواقع لكنه مستحيل.

كأن قدر عشاق الجزائر أن يتفرقوا ويحتاروا في تشخيص وتوصيف هذا الحب الأقرب إلى صورة الثمرة المحرمة؛ إنها جملة تناقضات تحيل إلى مبدأ الوحدة والتناقض، وذلك ضمن متاهة قصصية يتناوب عليها أكثر من جنس فني حتى في البنية الروائية ذاتها، إذ يدخل كاتب ياسين في عمله الشعر مع النثر ويزاوج بين التخيلي والواقعي ضمن بنية سردية واحدة تحاكي الجزائر في تنوعها وحرارة إيقاعها.

الجزائر بجميع مكوناتها

عبد الحميد حباطي: أخشى أن أخطئ في حق كاتب ياسين عند الحديث عنه

في الإطار الفني يقسّم ياسين روايته إلى عدّة أقسام، وكلّ قسم إلى عدّة فصول متفاوتة الطول. يبدو بعضها مكتوباً بطريقة ممسرحة، حيث الجمل القصيرة المعبرة، والتتابع والتعاقب، وسرعة الانتقال والتبدل، في حين يحضر في بعضها الآخر اشتغال على السرد وتهجينه بالشعر، وبث المناجيَات ذات الدلالات الواقعية والإشارات المنطلقة في أكثر من اتجاه.

وفي هذا الصدد يقول حسين “الجزائر بجميع مكوناتها، بعطائها وجمالها وتنوعها، تكون النجمة التي يهيم بها عشاقها ولا يقدرونها حق قدرها، فتبتعد النجمة، وقد تنتقل من حضن إلى حضن، سواء من محتلّ إلى مستعمر، أو من مستعمر إلى مستبد”.

أمر آخر كان لا بد من الإشارة إليه وهو أن الكتاب العرب الذين قرأوا الرواية في نسختها المنقولة من الفرنسية قد اكتفوا بوضعها في خانة الأدب الجزائري المقاوم أسوة بغيرها من الكتابات ذات البعد التوثيقي أو التاريخي، في حين أن قيمتها الفنية شامخة  بل

وساحرة بالنسبة إلى من قرأها بلغتها الأولى رغم أن ياسين كان عند أول نشرها يعتليه تخوف من أن تفقد الرواية روحها الجزائرية عند كتابتها بالفرنسية التي لا يتقن غيرها.

وعلى الرغم من ذلك فإن الترجمة التي أنجزها الناقد والكاتب الجزائري السعيد بوطاجين بحرفية هائلة لم تفقد الرواية سحرها وشاعريتها. وحدث للمترجم أن لاحظ قضايا تستحق انتباها خاصا من الأكاديميين والمتخصصين، كما ترجم له أربع مسرحيات: فلسطين المخدوعة، ملك الغرب، شبح حديقة مونصو، ومحمد خذ حقيبتك. 

أطلقت بلدية الدائرة 13 في باريس اسم كاتب ياسين على حديقة تقع قرب مقرها في خطوة تهدف إلى “تكريم أحد عمالقة الأدب الفرنكفوني”

تظهر هذه الدقة في مثل هذا المقطع الذي يصف فيه المؤلف بطلته “لما كانت نجمة صغيرة كانت سمراء جدا، سوداء تقريبا، طبع قاس، أعصاب متوترة، هيكل صلب، قامة دقيقة، رجلان طويلتان تمنحانها أثناء الجري مظهر عربات الخيل.. أية رحابة لوجه هذه الطفلة الصغيرة.. في الثانية عشرة أخفت نهديها الموجوعين كمسمارين، المنتفختين بمرارة الليمون البدري.. نجمة نزقة غنجاء ونادرة”.

ويمضي كاتب ياسين متغزلا بنجمته في لغة تجمع بين الشهوانية والحب الجارف الذي ينزع نحو التوحد الروحي “نشر المناخ البحري على جلدها سمرة متحدة بسحنة داكنة تشيع ببريق فولاذي ظاهر مثل لباس حيواني أسمر ذهبي. للجيد بياض مسبكة حيث تتطرق الشمس إلى حد القلب والدم تحت الخدين الأزغبين، يتكلم بسرعة وبصوت عال فاضحا ألغاز النظر”.

لست فرنسيا

Thumbnail

“اللغة الفرنسية غنيمة حرب” مقولة كاتب ياسين الشهيرة التي قرئت على أكثر من وجه فهي تحمل رأيا تفاضليا بالنسبة إلى من يعتبرها حقا مشروعا جاء بعد نضالات مريرة ضد الاستعمار، وهي خيار ثقافي يوليها حق قدرها بالنسبة إلى من يكتب بها فتمكنه من إيصال صوته إلى عدد كبير من القراء، وإن كان بعضهم ينتقد تلك الفرْنسة التي مارستها فرنسا وجعلت الكتاب الجزائريين يغيبون عن العالم الأنجلوفوني الذي يعتبر أكثر اتساعا من نظيره الفرنكوفوني.

في هذا الصدد يقول الباحث الجزائري حسن تليلاني “إنه بالفعل أقوى أديب فضح الاستعمار في رمزية شفافة، فهو مثل ذلك المحارب الأسطوري الذي يسلب سلاح عدوه ليحاربه به قبل أن يقضي عليه، ففي حربه ضد الاستعمار الفرنسي جعل من اللغة الفرنسية غنيمة حرب يقارع بها هذه الأمومة الفرنسية الرعناء”.

الترجمة التي أنجزها الناقد والكاتب الجزائري السعيد بوطاجين بحرفية هائلة لم تفقد الرواية سحرها وشاعريتها

ومهما يكن من أمر فإن كاتب ياسين كان يدافع عن الفرنسية، يفتخر بها ويقدرها حق قدرها، وقال يوما “أكتب بالفرنسية لأقول للفرنسية إني لست فرنسيا”، وذلك على عكس  -ربما- مواطنه مالك حداد الذي سكت عن الكتابة لأنه لا يتقن العربية.

وبالعودة إلى الرواية فإن النقاد والدارسين يجمعون على أن كاتب ياسين  “يؤسطر” محبوبته، لا يحاول إسباغ صفات القداسة عليها ولا تنزيهها من الأخطاء والشوائب، بل تراه يذكر بعض صفاتها الأخرى، تلك التي تجعل منها أسطورة شخصيّة تختزل التقديس دون أن تكون مطهّرة من التدنيس أيضاً.

الجزائر بجميع مكوناتها، بعطائها وجمالها وتنوعها، تكون النجمة التي يهيم بها عشاقها، ولا يقدرونها حق قدرها، لذلك يتخبطون في قواقع مقيدة، فتبتعد النجمة، وقد تنتقل من حضن إلى حضن، سواء من محتلّ إلى مستعمر، أو من مستعمر إلى مستبد. هكذا يكون تحذير ياسين بمثابة صرخة روائية مدوية في فضاء الواقع والتاريخ والمستقبل.

لكاتب ياسين في رواية “نجمة” فضل كبير على من جاء بعده من الروائيين والمسرحيين، وفي هذا الصدد يقول عبدالحميد حباطي “كاتب ياسين لقننا دروسا في المسرح. أخشى أن أخطئ في حق ياسين عند الحديث عنه، بكل تواضع أرى أنه شخصية عميقة للغاية، تثير في نفسك أسئلة كثيرة، وليس أي شخص يمكن الخوض في أعماله وأسلوبه في تعاطي مواضيع الحياة”.

ويضيف حباطي “لهذا السبب يتفرق الناس عند التطرق إلى حياة ياسين، فيبدو لفريق شخصية أدبية ومسرحية غامضة، فيما يتوصل آخرون إلى فك رموز أعماله وفهم أبعادها الاجتماعية والثقافية والفنية”.

كاتب ياسين يجاهد لهوية جامعة

الروائي الجزائري واسيني الأعرج كتب عن الرواية قائلا “من يقرأ نجمة كاتب ياسين يقرأ تاريخا مرتبكا، مجروحا في عمقه ممزقا في أجزائه الحميمية. يتحول النص لديه فجأة إلى وسيلة حميمية لجمع التفاصيل والمزق والأشلاء.. إنه يجاهد لهوية جامعة قبل أن تتحول نجمة إلى هوية قاتلة”.

يفترض من أول جملة في النص أن “نجمة” هي بطلة الرواية كما هو الحال في الأدب الكلاسيكي على غرار “آنا كارنينا” أو “مدام بوفاري”، لكنها في الواقع فضاء تتحرك فيه شخصيات منكسرة على نفسها ومنغمسة في عالم الكحول والحشيش والضياع بسبب تعلقها بنجمة، الفتاة الجموح، الغزال الذي لا يصاد.. وإن صيد مات.

هي رواية للجزائر وعن الجزائر التي أحبها وكتبها ياسين بغضب عارم وألم شديد يمارس ذاك التمزق الذي هو أقرب إلى الحب المحرم. وهو ما أعاد المراقبون اكتشافه على خلفية ما يعرف بالخلفية السوداء في الجزائر حين اقتتل الإخوة الأعداء وسالت دماء كثيرة حتى اتشحت البلاد بالحداد وأعاد الكثير من أبناء البلد التشكيك في صحة وحقيقة هويتهم بعد حمامات الدم.

كاتب ياسين صاحب مسرحية “الجثة المطوقة” وملحمة “المأساة الخرساء” استشرف في “نجمة” مستقبل البلاد وحذر من ذاك الحب القاتل الذي يدعيه العشاق المخدوعون والأزواج المغتصبون.

عن صحيفة العرب