شمس خريفية حمراء.. الموتى لا يموتون

شمس خريفية حمراء.. الموتى لا يموتون

سامر أبو هوّاش

“هذا هو الموت يا صاحبي، وهؤلاء هم البشر. نهاية طبيعية.. لمخلوقات غير طبيعية”

(يوسف السباعي، السقا مات).

ضوضاء دائمة في الهواء. آلات غير مرئية وأشياء أخرى، كائنات تواصل عملها رغم توقف كل شيء آخر؛ تذكار بأن الصمت المطلق مجرد خرافة. الصمت الحقيقيّ ذلك الذي يليق به أن نسمّيه سكينة، ربما هو الانشغال عن ضوضاء العالم؛ طبقة أخرى تغطي الطبقة القائمة التي لا نعرف كم طبقة أخرى تعاقبت عليها. ربما ما تسمعه الآن، تلك الأصوات الصغيرة، الدقيقة، التي تحتشد معاً لتصنع هذا الضجيج السرّي، ليس إلا احتكاك كل تلك الطبقات ببعضها بعضا. طائر يعبر الهواء بصمت، يحتلّ ثوان حيّزه في الفضاء، ثم يختفي، يصبح جزءاً من مربّع النافذة، من ذاكرة مشغولة بالمحو المستمر لذاتها. ساعة على جدار، تظلّ تمشي، كشيخ يجرّ عربة يدوية في صحراء شاسعة، أو ربما كانت العربة التي تجرّه؛ شيء آخر يسجّل مرور الزمن، لكنه يظلّ ثابتاً في مكانه.

لم تعد طائرات تعبر السماء. كنت كلما رأيت طائرة مسافرة أتخيلها دون هيكلها الخارجي. أرى كل أولئك الركاب جالسين على مقاعدهم معلقين في الهواء وبعضهم يقف أو يمشي في الممر. صورة تسبّب لي الدوار دوماً، إذ لا أقوى على الاحتفاظ بهم طويلاً على هيئتهم هذه، سرعان ما يسقطون، وبدلاً من الأشياء والمقاعد والأجسام والحقائب المبعثرة ثمة الصراخ فحسب؛ صرخة واحدة، هائلة، تسقط من علوّ شاهق إلى فراغ لا قعر له. لم يخطر ببالي يوما أنه يمكن السقوط من اليابسة أيضاً. الناس الآن في منازلهم، في حجراتهم، أكثر ثباتاً من أيّ وقت مضى في تاريخهم المشترك، لكنهم يسقطون طوال الوقت، يرتطمون بأجسادهم، يختفون دون أن يختفوا حقاً، يتلاشون عكسياً؛ من مجرد فكرة وجودهم.

هذا، ربما، مظهر آخر من مظاهر الموت الجماعي. على شاشة الموبايل أو التلفزيون، تتلاحق الأرقام، 461 وفاة جديدة في إيطاليا، 1200 في الولايات المتحدة، 320 في إسبانيا “في أقل حصيلة يومية” منذ ستة أسابيع.. الناس، في حقيقة الأمر، لا يموتون بل يختفون. الطريقة التي تمتدّ بها يد الموت العملاقة وتغرف كل هذه الأرواح دفعة واحدة، لا تختلف جوهرياً عن فناء آلاف البشر في الانفجارين النوويين في اليابان، ولا في تسونامي، ولا في الـ11 من سبتمبر، ولا في حرب سوريا، “تعدّدت الأسباب…”، إلا أن الأمر في هذه الحالة أقرب ما يكون للاختفاء القسري، وهو اختفاء يوميّ يكاد يكون روتينياً، جاعلاً الصلة بين “عالم الأحياء” و”عالم الموتى”، تلك الصلة التي نحاول جاهدين نسيانها، أشدّ حضوراً من أيّ وقت مضى.

في رواية كيفن بروكماير “تاريخ وجيز للموتى” (2006) تفنى البشرية نحو منتصف القرن الحادي والعشرين، بفايروس غامض (تتكشّف لاحقاً أسبابه)، لكنّ عدداً من الموتى يظلون موجودين، يمارسون ما كانوا يمارسونه في حياتهم، يعملون ويمارسون الحب ويتشاجرون ويتنزهون في الشوارع والحدائق، لكنهم يعرفون أنهم موتى، وينتظرون الانتقال من هذا “المطهّر” الذي يسميه الكاتب ببساطة “المدينة” إلى العالم الآخر. هؤلاء الموتى ما زالوا موجودين لأن الشخصية الوحيدة الباقية على قيد الحياة، لورا بيرد، ما زالت تذكرهم، إنهم كل من عرفتهم أو صادفتهم يوماً، وما زالت تتذكرهم، وما إن يختفي أحد من ذاكرتها حتى يختفي من “المدينة”، وما إن يبرز آخر، حتى يظهر في المدينة آتياً من الصحراء.

الذكرى هي كل ما يبقى من الشخص بعد رحيله، هكذا يجيب الأب طفله في إحدى أقسى حلقات “ديكالوج” وأشدها سوداوية؛ الأب في تلك اللحظة لا يعرف أن الذكرى هي كلّ ما سيبقى من طفله: هل السبب أنه آمن بالتكنولوجيا أكثر مما ينبغي، فجعل منها إلهاً آخر، أم أن موت الطفل كان سيحدث بصرف النظر عن رأي أبيه بالحياة وما بعدها؟ الموت، في كلّ الأحوال، حادث طارئ، لكننا اعتدنا أن نعامل موت الأكبر سناً على أنه حادث بديهي؛ كانت ميتة “طبيعية” نقول، في تمييز واضح عن الميتات الأخرى، المفاجئة، في عمر الطفولة أو الشباب، الميتات غير الطبيعية حتى وإن كانت نتيجة مرض عضال. يبلغني موت ابن خالي في الثانية والأربعين من عمره. كان يصغرني بستّ سنوات تقريباً، وأذكر أنني أمضيت الشطر الأكبر من طفولتي في اللعب معه ومع شقيقه. أكثر من 35 عاماً مضت مذ سافرت عائلته إلى الخليج، لم ألتقه خلالها سوى مرة واحدة، خلال جنازة قريب آخر. ذكرى هذا اللقاء هي ما بقي منه في رأسي، أما ألعاب الطفولة فتقلصت إلى مجرد فكرة؛ مجرد حقيقة موضوعية تخلو من الذكريات والصور القادرة على استحضار الشخص في حالته الأولى، قبل أن يتدخل الزمن بمعوله الضخم.

لم يفارق “سمير” الحياة بسبب كورونا. توقف قلبه فجأة؛ ميتة طبيعية، لكن المؤكد أنه لم يفارق الحياة، بل الحياة هي التي فارقته، أي “وافته المنية”، مثلما تقول العربية. يقول كريستوف كيزلوسكي في نعيه لأندريه تاركوفسكي “لقد مات للأسف.. على الأرجح لأنه لم يعد قادراً على الاستمرار في الحياة. قد نقول إن امرئا ما مات بسبب السرطان أو في نوبة قلبية أو تحت عجلات سيارة، لكن السبب الحقيقي لموت الناس أنهم لا يعودون قادرين على مواصلة العيش”، قد تكون هذه ترجمة كيزلوسكي الخاصة لتعبير “فارق الحياة”، تعبير ينطوي على شيء من الكرامة، إذ يمنح الناس دوراً ما في موتهم، حتى حين لا يكون موتهم انتحاراً، مباشراً أو غير مباشر، بل مجرد حادث طبيعي. مات تاركوفسكي بسرطان الرئة عن أربعة وخمسين عاماً، السن نفسه الذي توفي فيه كيزلوسكي بمرض القلب. في الإنجليزية، التعبير الذي ينطوي على المعنى نفسه لتعبير “فارق الحياة” هو “departed”، أي رحل أو راحل؛ ربما لا فرق جوهرياً بين اللغات في ما يتعلق بهذه المسألة، فنحن أيضاً نصف ميتاً بـ”الراحل” من باب التوقير له أو للموت نفسه، نتفادى قول “مات” أو “ميت” فجّة صريحة وكأن ثمة قلة أدب أو قلة ذوق في هذين التعبيرين، إلا أن هذه الكرامة اللغوية اللاحقة على حدوث الموت هي على الأغلب شكل من أشكال التعويض أو مقاومة الهشاشة الأصلية التي تنطوي عليها الحياة والرعب الأصلي الذي ينطوي عليه الموت، نمنح أنفسنا دوراً ما في ما لا دور لنا به على الإطلاق، إشارة أخيرة إلى أننا لم نهزم هزيمة مطلقة وكانت لنا الكلمة الأخيرة؛ أتساءل إن كان محمود درويش في “لاعب النرد” كان يفعل شيئاً من هذا القبيل، يؤرخ رحيله ويحاول أن “يهزم الموت” حقاً باللغة.. أتساءل إن كان هو لاعب النرد، أم أنه كان يردّد صدى المعلقة الشهيرة “رأيت الموت خبط عشواء.. ؟”.

لا ريب أن الميتات الكثيرة بفايروس كورونا، وبصرف النظر عن أعمار الراحلين وأماكن عيشهم وظروفها، هي “خبط عشواء”، وما القبور الجماعية التي فتحت في نيويورك لاستقبال من لا أهل لهم من الضحايا، أي من لم يتم التعرف على هوياتهم، حتى تكون لهم قبور فردية وشواهد، إلا تعبيراً آخر عن فاجعة هذا الموت الجماعي. فحتى من تقام لهم جنازات لا يحظون بالوداع اللائق، فهم يدفنون سريعاً دون مراسم ولا مودّعين، أي دون ممارسة الحداد أو الحزن الذي من دونه يبقى كل وداع ناقصاً. تسأل الأم المفجوعة على زوجها وابنتها، مربيتها المنزلية، عن سبب بكائها، فتجيبها الأخيرة “أبكي لأنك لا تبكين”. هكذا ربما كان كيزلوسكي يقدم مراسم وداع الطفل الغارق في “ديكالوج” (1988)، عبر بكاء المربية على طفل آخر في “الأزرق” (1993).

“الموتى لا يموتون” مثلما اختار جيم جرموش أن يعنون فيلمه الغريب عن الزومبيز ونهاية العالم، في العام السابق، وإن كان من مشهد يمكن اختياره من هذا الفيلم لوصف مدننا في زمن كورونا، فهو مشهد بيل موراي وآدم درايفر يجوبان شوارع البلدة المهجورة بسيارة الشرطة حين ينقطع الإرسال ويموت الاتصال بالعالم. كانت كوكا كولا في “تاريخ وجيز للموتى” التي نشرت الوباء الذي أفنى البشرية، أما سبب الفناء في “الموتى لا يموتون” فانزياح الكوكب الناجم عن العبث البشري بالطبيعة “تتعدّد الأسباب…” مرة أخرى، ودائماً. لكنّ الذكرى، سواء تجسدت في شجرة “التمرحنة” كما في “السقّا مات”، أم في لحظات تستعاد من وقت إلى آخر، هي ما يجعل الموتى لا يموتون حقاً، وهو ما يجعل دون كويلو، ذلك الأب الأميركي في الثانية والثلاثين من عمره، يستجمع طاقته الباقية ليكتب رسالة لزوجته وولديه، قبيل وفاته بكورونا، إذ أراد الرجل أن يترك أثراً ملموساً، كلمات مفعمة بالتفاؤل والسعادة يسجّل بها خاتمته الخاصة ويهزم بها الموت على طريقته. أما الممرضة النيويوركية لونا برين فقد اختارت أن تنهي حياتها بنفسها عن عمر 49 عاماً، بعد أيام مضنية للروح قبل الجسد، أمضتها في غرفة الطوارئ تعالج مرضى كورونا، وتعجز عن مساعدة العديدين ممن فارقوا الحياة أمام ناظريها.

هل هزم الموت لورنا أم هزمته؟ لا أحد يملك الإجابة عن هذا السؤال. ربما علينا أن نسمع أكثر صوت الناجين، أولئك الذين اقتربوا كثيراً من مفارقة الحياة ثم عادوا إليها، كتب لهم عمر جديد مثلما يقال، وربما أحدهم ذات يوم، في أزمة أخرى أو في وباء آخر، سيحتفل بعيد ميلاده المئة مثل الكابتن توم مور وهو يمشي مئة جولة في حديقة منزله ليجمع التبرعات للجهاز الطبي البريطاني محاولاً بخطواته البطيئة هذه أن ينقذ بعضاً ممن يصارعون الموت على أسرة المشافي، متذكراً مع كل خطوة وجوه رفاقه الذين قصفت أعمارهم ذات حرب كونيّة لا تقل وبالاً عن كورونا، محاولاً أن يوصل رسالة أخيرة مفادها أن الموتى لا يموتون.. إلا إن ماتت ذكراهم.

إني أختنق

“أول ما تكتشفه عن الموتى، هو أنهم، إن ضربوا بقوة كافية، إنما يموتون كالحيوانات”. (إرنست همينغواي، تاريخ طبيعي للموتى)

لقطة فيديو تعيد نفسها؛ رجل يصرخ محتجاً على الأوضاع الصعبة التي يعيشها، والمراسل الصحافي يحاول فهم قصته وفي لحظة ما يبدو متشككاً بأوجاع الرجل (إذ كم شخصاً يصرخون على هذا النحو ما إن يروا كاميرا في المكان)، إلا أن القصة تتخذ منعطفاً دراماتيكياً، فالرجل يسقط أرضاً أمام الكاميرا، في حين لا يملك المراسل والجمهرة المحيطة به سوى محاولة إنعاشه ظناً منهم أنه أغمي عليه من شدّة الانفعال أو القيظ. لم يكن المحيطون بالرجل، بمن فيهم المراسل، يعرفون أنه مات، لكننا نحن، من شاهدنا الفيديو بعد بعض الوقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحت عنوان “شاهد رجلاً يموت مباشرة على الهواء” (التي باتت تتكرّر كثيراً في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي كأنها اعتيادية حقاً) نعرف أننا نشاهد رجلاً يوشك أن يموت على الهواء مباشرة، ثم نراه وهو يسقط بالفعل ميتاً. لا أذكر أين بالضبط وقع هذا الحادث، ربما في مصر أو العراق أو اليمن أو أيّ بلد آخر، ولا من هو الرجل أو الصحافي أو لصالح من يعمل، لكنني أذكر أنني أعدت، عبر شاشة هاتفي، لحظة سقوطه عدة مرات، محاولاً فهم شيء ما عن هذه اللحظة، وما إذا كان في ملامح الرجل ما يشير إلى أنه سيموت. بالطبع، الصورة تظلّ معلقة، ومشاهدة “لحظة موت رجل” مستحيلة في حقيقة الأمر، أولاً لأنها مجرد لحظة، لا تتجاوز لحظة إغماض العينين بسبب أشعة الشمس، وثانياً – وهذه مفارقة اللحظويّ – لأن هذه اللحظة أبدية ولا تستطيع أيّ كاميرا أو وصف أو تعليق جعلها تنطق بغير ذلك.

كيف يكون الإنسان قبل ثوان من فنائه؟ كيف يكون وجهه لحظة موته وخلال اللحظات التالية لها؟ فكرةٌ لطالما أسرت المخيلة على مرّ العصور؟ هل يستطيع الوجه أن يكون سجلاً للاّمرئي، وهل اللحظات الأخيرة والملامح الأخيرة والنظرات الأخيرة قادرة على إعطائنا نظرة مختلسة إلى العالم الآخر؟ أذكر أنه كان في مكتبتنا، فترة طفولتي، كتاب قديم يتحدث عن تحضير الأرواح (لا أعرف كيف احتلّ هذا الكتاب مكانه بين صفوف الكتب الماركسية “العقلانية” التي كانت تكتظ بها المكتبة) ويورد الكتاب حوادث شهيرة سجّلت فيها بالفعل (بحسب زعمه) لحظة خروج الروح. وبين الصور العديدة التي ضمّها الكتاب، ثمة صورة محدّدة بالأبيض والأسود ظللت أرجع إليها، تظهر فيها ملاح وجه شبح (رجل ميت) وقد علت فمه رغوة بيضاء، لا أعرف السبب لاستخدام الرغوة، وما إذا كانت أفواه الأشباح يفترض أن تكون مزبدة كهذا الشبح المفترض، لكن ربما كانت تلك محاولة من “مؤلف” هذا الكتاب لإضفاء مزيد من المصداقية والرهبة على الصورة. إذ ما الفائدة في أن يكون وجهاً عادياً، مجرد وجه نعرفه أو نصادفه في الحياة؛ ينبغي أن تكون هناك علامة مميزة، تبثّ الروع في القلوب، وتضفي على المشهد مزيداً من اللغز والوقار.

هل للموت وجه؟ وهل تمكن رؤية وجه الموت؟

نعيش في حقبة يكثر فيها الموت. صار الموت يومياً، بل يكاد يكون اعتيادياً رغم كلّ مشاعر الصدمة المصاحبة له. ومتابعة أخبار هذا الموت وتطوراته أمر لا يقلّ اعتيادية. فبفضل شيوع التطبيقات التي تنشر على مدار الساعة تطورات انتشار وضحايا فيروس كوفيد – 19، صار في مقدور أيّ شخص متابعة الزيادات المطردة في أعداد الموتى حول العالم. لكنّ كل هذه الأخبار والتقارير والأرقام لا تقدّم ولو لمحة عن وجه الموت، هذا الموت تحديداً.

ظلّ تصوير الموتى أو صور ما بعد الموت، تقليداً شائعاً نحو قرن من الزمن، منذ منتصف القرن التاسع عشر وبداية التصوير الضوئي وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ كان حفظ وجه قريب أو شخصية عامة أو أحد رجال الدين واحداً من استخدامات التصوير الفوتوغرافي واستمرارية لتقليد أوروبي شاع قبل ذلك، وهو تكليف رسام محترف بعمل بورتريه للمتوفّى يكون بمثابة ذكراه الباقية. ويستطيع المتابع لأرشيف “المؤسسة العربية للصورة” إلقاء نظرة على العديد من صور الموتى، من كهنة وقساوسة، التي تعود لبعض المجموعات الأولى المحفوظة من ذاكرة التصوير في المنطقة العربية، كما أن عدداً من تلك الصور، يحتفظ بها عدد من المكتبات الكبرى حول العالم، ومنها مكتبة الكونغرس التي لديها، مثالاً لا حصراً، صورتان فوتوغرافيتان، لأسقف سوري معروض جثمانه في كنيسة سورية بين عامي 1940 و1946، وهي الفترة التي توقفت فيها هذه الممارسة حول العالم، بعد أن بات من الاعتيادي حفظ ذكرى الشخص العزيز المتوفى (وشكله)، في حياته، مع شيوع التصوير الفوتوغرافي وتحوله أكثر فأكثر إلى ممارسة منزلية وفردية اعتيادية. أما تصوير الموتى فبات أمراً غير مستحبّ، وفي كثير من الأحيان لا أخلاقيا ويعدّ انتهاكاً لحرمة الميت وخصوصيته، ولم تكن صدمة العالم بعمليات الذبح والإعدام العلنية التي مارسها تنظيم داعش الإرهابي، لفترة قريبة خلت، إلا نتاج عرف أخلاقي عالمي متبع، ومدعوم بالمبادئ والقوانين، يجرّم انتهاك كرامة الميت عبر عرض لحظة وفاته أو مقتله.

لعل هذه الفكرة، إضافة إلى ذاكرة تسجيلية مشحونة بالأسى، هي التي دفعت بإرنست همينغواي إلى كتابة قصته القصيرة “تاريخ طبيعي للموتى”، والتي نشرها بداية في العام 1932، في ختام الفصل الثاني عشر من روايته “موت بعد الظهيرة”، ثم عاود نشرها العام التالي كقصة مستقلة في المجموعة القصصية “المنتصر لا يحظى بشيء”. ورغم أن الراوي في هذه القصة هو “عالم طبيعي”، وليس جندياً ولا مراسلاً صحافياً، مثلما كان همينغواي في الواقع، غير أنه يصعب على قارئ القصة ألا يشعر بأنها جزء مستلّ من مذكرات لم يكتبها همينغواي في حقيقة الأمر، وربما كان ذلك مقصوداً من طرفه، إذ أراد أن يسبغ على القصة بعداً “واقعياً” يتجاوز السرد المتخيّل إلى الإحساس التصويريّ؛ لقد أراد همينغواي أن يرينا وجهاً من وجوه الموت مثلما رآه بنفسه. فيصف في البداية، وبصفته مراقباً (عالماً طبيعياً) ينظر بحياد إلى تلك الوجوه مثلما ينظر عالم الطبيعة إلى نبتة أو حيوان نافق، ويستخلص وصفاً موضوعياً (صورة وليس انطباعاً ذاتياً)، لعدد من الجنود الموتى الذين صادفهم الراوي في شمال إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى “حتى يدفن الموتى، فإن مظهرهم يتغيّر بصورة يومية. اللون في العرق القوقازي يتبدل من الأبيض إلى الأصفر إلى الأصفر المشوب بالخضرة إلى الأسود.. الموتى يتضخّمون كلّ يوم حتى يغدون أكبر من بزاتهم العسكرية، يملؤونها حتى تغدو ضيقة إلى حدّ تشعر أنها ستنفجرّ”. لكنّ الراوي سرعان ما ينتبه إلى أن ما يصفه ليس “موتاً طبيعياً” بل هو أثر من آثار الموت قتلاً، بفعل الحرب تحديداً، فيعقب قائلاً “الموت الطبيعي الوحيد الذي رأيته، خارج إطار الموت بسبب فقدان الدم، وهذا ليس بالأمر السيء، هو الموت بسبب الإنفلونزا الإسبانية”، ثم يصف بمزيد من الإسهاب “في هذا الموت تغرق في المخاط، مختنقاً، وكيف تعرف أن المريض قد فارق الحياة، فمن خلال أنه يعود في النهاية طفلاً، وإن ظلّ محتفظاً بقوته الرجولية، ويخضّل الملاءات كأي حفّاظ بشلال أخير هائل أصفر اللون، يظلّ يسيل بعد موته”.

لوحة مصطفى حسن
لوحة مصطفى حسن

تلك واحدة من أفظع الشهادات المنقولة عن الموت بالوباء، بعد الكتابات والرسومات والحفريات الرهيبة التي تصوّر الموت بالطاعون خلال قرون سابقة. لكنّ اللافت أن الموت بكوفيد – 19، وقد شارف عدد الوفيات حول العالم، عند كتابة هذه السطور، على النصف مليون، يبقى تقريباً بلا صورة. وإذا وضعنا جانباً الموت على أسرّة المشافي فإن ما يثير قدراً لا يقلّ من الأسى، هو الموت الاعتيادي في البيوت التي قرر أصحابها عدم الذهاب أو عدم اصطحاب آبائهم وأجدادهم إلى المشافي، إدراكاً منهم أن تلك اللحظة ستكون اللحظة الأخيرة التي يرونهم فيها، كما هناك الأعداد الكبيرة ممن يموتون في دور الرعاية، أو ممن يموتون وحدهم من مشردين وأشخاص لا أهل لهم ولا أصدقاء في هذا العالم. هذا الموت عديم الصورة ليس إلا انعكاساً لحياة سبقته هي في الغالب عديمة الصورة أيضاً. فليس من قبيل الصدفة أن يكون أكثر ضحايا الجائحة هم من الطبقات الفقيرة أو الأقليات (مثل السود في أميركا أو حتى بريطانيا) الذين أدت سياسات التهميش الاقتصادي والسياسي والتعليمي والصحي والثقافي، على مرّ عقود، إلى أن يكونوا في طليعة ضحايا جائحة كورونا. أولئك الأفراد لا يختلفون جوهرياً عن مئات آلاف الجنود الذين تحدث عنهم همينغواي، والذين يزج بهم في مطحنة الحروب ويتركون لمصيرهم فقط لأن ثمة ثقافة تاريخية جعلت دور الفقراء والمهمشين أن يموتوا بصمت، وأن يكون موتهم هامشياً أيضاً، وإن غطته مزاعم البطولة وغلفته شعارات التضحية والوفاء.

خلال أزمة كورونا بدا كلّ شيء آخر أقل أهمية، وكأنه لا يحدث. لكن ظهرت مقاطع فيديو ذكرتنا بأن المآسي الأخرى ما زالت تحدث وربما بسوء أكبر. هكذا جلست عاجزاً تماماً، ككل المرات السابقة، وأنا أشاهد مقطع فيديو لضابط سوري يجبر امرأة وزوجها، تحت الضرب والتعذيب والإهانات اللفظية المتواصلة، على النهيق. الرجل وامرأته من الواضح كم هما بسيطان، وعلى الأرجح أن يكونا مجرد مزارعين لا شأن لهما بالسياسة، ولكن شاء قدرهما، كقدر ملايين السوريين، الوقوع في قبضة هذه الآلة الوحشية المروّعة. وعلى بعد ساعات من هذا الفيديو (الذي سبقته آلاف الفيديوهات المشابهة خلال سنوات الحرب السورية) ظهر فيديو جورج فلويد وهو يلفظ أنفاسه تحت قدمي شرطي أميركي. “لا أستطيع التنفس”، قال الرجل، لتتحول صرخته هذه إلى شعار الملايين حول العالم ممن يشعرون مثله بالاختناق جراء عقود مديدة من الظلم والاضطهاد واللامساواة واللاإنسانية وانسداد الأفق. وإذ تأتي هذه الصرخة في خضم المعاناة الكونية جراء أزمة كورونا، فربما كتذكار لا بدّ منه، بالمظالم الأخرى الكثيرة التي تقع على امتداد البلاد والقارات. لا أعرف إن كان ثمة أيّ كرامة في الموت، لكن الشواهد جميعها تؤكد أن كرامة الحياة لا تنفصل عن كرامة الموت، وهو ما تنبه إليه همينغواي باكراً جداً حين وضع مقتل الجنود في الحروب بموازاة من يموتون بالإنفلونزا الإسبانية. هذه الأخيرة هي الوحيدة التي يمكن وصفها بـ”الموت الطبيعي” على حدّ وصفه، أما الموت بالرصاص، بالقتل، بالظلم، بالقهر، فلا يختلف عن موت الحيوانات، وإذ أصر الضابط السوري على جعل الزوجين المسكينين ينهقان، وربما يخرجان من الأسر بعد ذلك، وتستمر حياتهما طويلاً، وربما يكونان قد قتلا، لا فرق بالنسبة إلى ذلك الضابط الذي يأمل أن تكون كرامتهما وكرامة الملايين مثلهما هي التي دفنت إلى الأبد، ذلك اليوم، في تلك الحجرة المظلمة.

كأنه الهايكو.. كورونا أو العالم كما هو

هناك أشياء كثيرة مشتركة بين فيرونيكا، مثلما يلفظ اسمها بالبولندية، وفيرونيك، مثلما يلفظ الاسم نفسه بالفرنسية. أوضح هذه الأشياء، أنهما الشخص نفسه، بالصفات والملامح الجسديّة نفسها، والسن نفسه. أوضحها أيضاً، أنهما كلاهما لديهما علاقة بالموسيقى، إحداهما تغني والأخرى تدرّس الموسيقى. هذا التوأم غير البيولوجيّ يلتقي في لحظة عابرة؛ فيرونيك الفرنسية على متن حافلة تلتقط صورة لشارع في كراكوف ببولندا، فتكتشف بعد ذلك، خلال مطالعة الصور بالصدفة في غرفة فندق مع “حبيبها” الفرنسي، أنها هي نفسها في الصورة، إلا أنها لا تمتلك معطفاً كالذي ترتديه الفتاة في الشارع. كريستوف كيزلوسكي كان مفتوناً بالصدفة وبالطريقة التي تتجلّى فيها الحياة سلسلة لا تنتهي من المرايا التي يعكس بعضها بعضا دون قصد ودون بيان سياسي أو فكري ما. كلا الفتاتين أيضاً، يحمل كرة مطاطية شفافة، تؤدي دور المرآة التي يمكن رؤية العالم الخارجي من خلالها معكوساً ومكثفاً في آن معاً. العالم الخارجي حيث تحدث الحياة الحقيقية دون تعليق من أحد عليها، هو العالم الذي شغل تفكير كيزلوسكي السينمائي، وربما هو الذي يقف وراء نظريته حول “تحويل الواقع إلى قصة درامية” خلال مرحلة انغماسه بالأفلام الوثائقية، ذلك أن القصة تحدث بمجرد أن الحياة تحدث ودور الكاميرا توثيق ذلك ودور المخرج خلال ذلك وبعده، إيجاد الخيط السرديّ الناظم دون فرض عنصر من خارج القصة “الحقيقية” عليها. نحن، إذن، شهود على الواقع مراقبون وموثّقون له على أفضل تقدير ولسنا صناعاً له.

فرضت فترة العزل عليّ، كما على العالم، الكثير من التغييرات. ورغم أنها لم تغيّر عادة مشاهدتي فيلماً سينمائياً كل ليلة، لكنها حرمتني من الإيواء إلى النوم فور انتهائي من المشاهدة، إذ بتّ أعود إلى التلفزيون لأعرف آخر أخبار الجائحة تلك التي أمضي السواد الأكبر من اليوم في تتبعها على أيّ حال. ليس السعي إلى المعرفة وحده ما يجعلني أقلّب بين القنوات، فالأرقام تكاد تكون نفسها، والوقائع لا تتبدّل كثيراً بين قناة وأخرى. بل هي محض عادة مكتسبة. أتذكر حرب الخليج الثانية. كانت الحدث الذي أدخل “سي إن إن” إلى المنطقة والعالم والذي جعلنا نجلس ونشاهد الأخبار لا بوصفها نشرة تقدم مرة واحدة كل مساء، مثلما كان يحدث قبل سنوات قليلة من ذلك، بل بوصفها حدثاً مستمراً. أذكر أنني كنت أجلس لساعات مفتوناً بحقيقة أنني أرى ما يحدث، خلال الوقت الحقيقي، في بغداد، بل دفعتني كل تلك الأخبار المتلاحقة، والتي لا تعدّ شيئاً يذكر أمام حمّى الأخبار في أيامنا هذه إلى تسجيل يومياتي أو يوميات تلك الحرب، مثلما أراه على شاشة التلفزيون، ولا فرق بين هذه اليوميات وتلك على أيّ حال، أو هكذا كنت أظنّ على الأقلّ.

كانت تلك لحظة تكررت كثيراً لاحقاً وفي حروب ومحطات مفصلية عدة (الانتفاضة الثانية، الـ11 من سبتمبر.. إلخ) أصبحت خلالها يومياتنا هي يوميات الشاشة نفسها. استثمار مالي وسياسي هائل وحتمية تكنولوجية أوصلا على الأرجح إلى الطفرة الهائلة في الفضائيات الإخبارية التي صارت تسرد قصة العالم من حولنا، وجعلت الأخبار شيئاً لا يتوقف، صورة موازية، لها قوة الواقع ووقعه وتبعاته، وفي أحيان كثيرة هي الواقع نفسه، إذ لا شيء يحدث إلا ما يحدث على الشاشة، وما لم تكن في قلب الحدث (الحرب، العمل الإرهابي، المظاهرات.. إلخ)، فإنك متساو مع الجميع ممّن ليسوا في خضم الحدث، لكنهم جزء منه، بما أنهم المشاهدون له والشهود عليه وعلى قوة تأثيره.

في “حياة فيرونيك المزدوجة” (1991) لا شيء يحدث حقاً سوى المصادفة والحدس، وكلاهما معاً يجعلان الخيط الفاصل مع الواقع، يُمحى تقريباً. فيرونيكا البولندية تقول إنها تشعر (تحدس) بأنها ليست وحيدة في العالم، وهذا الشعور الغامض يملؤها غالباً بسعادة ونشوة وامتلاء هي نفسها لا تدرك كنهها، لكنها ربما من الأسباب التي تجعل قلبها يتوقف خلال الغناء على المسرح. فيرونيك الفرنسية تشعر على العكس منها أنها وحيدة في العالم، وهو ما يحدث حين تفقد شخصاً ما في حياتك؛ تصبح ناقصاً من الداخل. وهذا الشعور هو ما يفسّر الحالة المختلطة من الفرح والحزن الذي تعيشه فيرونيكا البولندية وفيرونيك الفرنسية، تماماً كراقصة البالية، في عرض مسرح الدمى (الذي تشاهده فيرونيك)، التي تكسر ساقها ولا تعود قادرة على الرقص، فتموت ثم تتحول فراشة. وعلى عكس معظم عروض الدمى التي لا تظهر فيها يد أو أيدي من يحركونها، فإننا في هذا العرض نرى كمشاهدين، مثل الجمهور في الصالة، يد محرك الدمى، لأن يد محرك الدمى هي جزء من الواقع الذي يحدث ولا حاجة إلى إخفاء هذه الحقيقة أو تمويهها.

 أجلسُ وأقلّب إذن، ومثلما ينهض الجنود إلى تمارينهم الصباحية كل يوم، ننهض، في أوقات تخصّ كل شخص أو كل عدة أشخاص معاً، إلى عادة تقليب القنوات. في زمن كورونا، يحدث الكثير كل ثانية. أعداد المصابين والموتى تتراكم. القصص الإنسانية تتعدّد. الدراسات والاستطلاعات والإحصاءات تتدفق. وتبقى الحقيقة الثابتة هذه المرة، أننا، البشرية برمتها، في خضم القصة، ولسنا جزءاً منها، كمشاهدين لها فحسب. إننا نشاهد أنفسنا، قصتنا، تاريخنا الشخصي، وهو يتوالى فصولاً أمام عيوننا. ربما نتساءل عمّا يحسّ به الأشخاص في الأوقات القصوى، الأشد حرجاً، العاملون الصحيّون في غرف الطوارئ، أو المرضى على الأسرة، الذين يخذلهم الهواء، فيختنقون. لكننا نتساوى في كل شيء آخر، في كل فكرة وكل شعور تزدحم به رؤوسنا طوال اليوم.

فيرونيكا ترى من نافذة غرفة عمتها عجوزاً تنوء بحمل بضع حقائب ورقية فتفتح النافذة وتناديها وتسألها إن كانت بحاجة إلى المساعدة. العجوز لا تردّ وتواصل سيرها. فيرونيك الفرنسية ترى من نافذة الصف المدرسي، عجوزاً تنوء بحمل نفسها فقط وتمشي بهدوء بين الأشجار. فيرونيك لا تتدخل لكنها تتذكر ولا تعرف حتى ما الذي تتذكره. في لعبة المرايا المضاعفة هذه ما يشبه الرجل في لوحة رينيه ماغريت “يمنع إعادة إنتاجها”، فبدلاً من أن نرى وجه الرجل منعكساً في المرآة، نرى رأسه من الخلف منعكساً مرة أخرى. هل كان ماغريت يلعب ويستفز الناظر فحسب، أم أن ثمة ما يريد أن يقوله من خلال هذه اللوحة، ولماذا يظهر الكتاب في الجزء السفلي، وهو ترجمة فرنسية لإحدى قصص إدغار ألن بو، منعكساً في المرآة، في حين يعاود الرجل نفسه الظهور ولكن دون انعكاسه، أي دون وجهه؟ هل المرآة، كالتلفزيون، كالفضائيات الإخبارية، عاجزة عن سرد الواقع الموضوعيّ، أم أن هذا السرد أكثر عبثاً من أن يتّسع له إطار واحد، سواء أكان إطار مرآة أو لوحة أو شاشة تلفزيونية؟ فيرونيكا، من نافذة القطار، ترى العالم عبر كرتها الشفافة، منعكساً بالمقلوب. فهل يمكن القول إنها ترى العالم، هذا العالم، أم أنها ترى عالماً آخر تماماً؟

أعمل، خلال الحظر ببطء شديد أنا نفسي لا أفهمه، على تنقيح ترجمة كنت أنجزتها قبل أزمة كورونا، لديوان الشاعر والروائي الأميركي ريتشارد رايت “هذا العالم الآخر”. عنوان الديوان، وهو نتاج تجربة رايت، خلال إقامته في باريس في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، مع شعر الهايكو الياباني، يحمل في حدّ ذاته دلالات مثيرة ربما لا تقلّ إلغازاً عن لوحة ماغريت أو عن فيلم كيزلوسكي. اختار رايت، أن يشير بسبابته إلى “هذا” “العالم الآخر” وليس “ذاك” القريب أو “ذلك” البعيد، فالعالم الآخر هو العالم القائم الآن وهنا، ونحن في قلبه، لكننا ببساطة لا نراه، أو لم نكن نراه. إنه العالم الذي يتجسّد أمامنا لحظة أن نفتح عيوننا ونقرّر أن نرى. إنه، بمعنى ما، واقع كيزلوسكي الذي يروي قصته بمجرد حدوثه. وقد أراد كيزلوسكي أن يختبر ذات مرة حدود نظريته هذه فطلب من ثلاثة أشخاص من خلفيات مختلفة أن يسجلوا على الورق يوماً من حياة كل واحد منهم، بتفاصيله الحقيقية ودون أيّ تعليقات أو إضافات ذهنية، والنتيجة بالنسبة إليه كانت ثلاثة سيناريوهات “مذهلة” وقابلة للتنفيذ على حدّ وصفه. لقد تضمنت تلك اليوميات وصفاً للعالم كما هو، لا تأويل له ولا سرد لعالم الأفكار والأحلام، وهو ما كان على رايت أن يكتشفه في منفاه الفرنسي، مستعيناً بفلسفة “الزن” وتجليها في شعر الهايكو، أي كيف يرى العالم كما هو دون الحدود والقيود الأيديولوجية والسياسية والثقافية، كيف يقف عارياً تماماً أمام الطبيعة ليكتشف فحسب حجم ضآلته أمامها، لأن هذه الضآلة شرط من شروط رؤية (وعيش) العالم كما هو وهذا الاكتشاف أو التجلي هو ما يجعله يفتتح ديوانه بالمقطع التالي:

“لستُ أحداً:

شمسٌ خريفيةٌ حمراءُ آفلة

حملتْ اسمي بعيداً”.

أقلّب إذن بين القنوات، مقترفاً في حق نفسي، ما أعدها كل ليلة بأنني لن أقترفه غداً، وهو مشاهدة الإيجاز الصحافي للرئيس الأميركي حول أزمة كورونا. أراه وهو يحوّل هذا الأمر الجلل، هذه المأساة، إلى عرض تلفزيوني. لست مهتماً بالتعليق على الأيديولوجيا السياسية التي تقود ترامب أو يقودها، بقدر ما يذهلني هذا العرض الذي يقدّمه للعالم أجمع. فهذا العرض يختزل بالتحديد العالم التلفزيوني/الإخباري الذي يتكون منه ترامب والذي يصنع صورة العالم، مثلما ينبغي أن تكون، لا مثلما هي في الواقع. أصدّق حين يقول مساعدو الرئيس الأميركي إنّ كلامه عن معالجة كورونا بحقن المصابين بالمطهرات المنزلية لم يكن مخططاً له. فقد برز هذا الكلام في لحظته؛ لحظة انتشاء تلفزيونية خالصة، جعلت الكلام يخرج من فمه، مثلما يحدث مراراً، دون أن يتعمد ذلك أو يعدّ له. مدهش كيف تكشف لحظة كهذه هشاشة ولا حقيقية العالم الإخباري الذي اعتدنا العيش فيه، وكيف تصبح هي في حدّ ذاتها قصة، بدلاً من أن تكون معالجة أو إدارة أو حتى تعقيباً على القصة الأصلية، وهي كورونا. ترامب، في كل لحظاته التلفزيونية، كما في حضوره على التواصل الاجتماعي، هو النقيض التام لـ”لست أحداً”، فهو “كل شيء وكل أحد”. الأنا المتضخمة عند ترامب، وهي تعبير عن الأنا المتضخمة عند الجميع تقريباً وإن بمستويات مختلفة، ليست إلا ذروة من ذرى لحظتنا الإنسانية الراهنة؛ لقد نجح الإنسان في أن يصبح هو العالم، أما الكائنات الأخرى وحتى الطبيعة، فهي مجرد أداة ملحقة به وبإرادته العليا.

كورونا، اليوم، كما العديد من الكوارث التي جاءت قبله، والتي ستأتي بعده، يدحض ذلك لكننا نرفض ببساطة أن نصدّق.

فيرونيك، في الأثناء، هي الفراشة التي صارتها فيرونيكا. العجوز الفرنسية هي الصورة المضاعفة، غير المنعكسة، للعجوز البولندية. وفي الأثناء يصحبنا كيزلوسكي، مع فيرونيك عبر شوارع باريس، وصولاً إلى محطة المترو حيث يفترض أن تعثر على حبيبها الذي هو الصورة المضاعفة لحبيب فيرونيكا، وبعين كاميرته التي تريد أن يروي الواقع قصته، يجسد قصيدة إزرا باوند “في محطة المترو”، تلك القصيدة التي للصدفة كتبها باوند عن محطة مترو باريس والتي أرّخت بداية الحركة “التصوّرية” وإحدى بدايات التعرف الغربي على الزن والهايكو اليابانيين:

“الظهور المباغت لتلك الوجوه في الزحام،

بتلات على غصن مبلّل، أسود”.

لا أعرف إن كان ماغريت قرأ هذه القصيدة حين رسم “يمنع إعادة إنتاجها”، لكنه على الأرجح كان يفكر في مقدار السحر والغرابة والاستفزاز والصدق في أن تقدّم للمشاهد العالم، ليس كما يتوقعه ولا كما يريد أن يراه بل كما هو في الواقع.

عن الحيوانات والزومبيز وفان غوغ و”تايمز سكوير“

في المبنى المقابل كثير من الشرفات، كثير من النوافذ. أنظر طويلاً إليها، أو إليه، إلى المبنى نفسه، وليس إلى شرفة أو نافذة محددة. لا أجيد وصف لون أيّ شيء. أحياناً أتمنّى لو كنت روائياً روسياً كلاسيكياً أو شاعراً أسكندنافياً لكي أستطيع تقديم وصف مسهب للون السماء أو البحر أو الهواء مثلاً. لا أستطيع. استنباط لون من تمازج بضعة ألوان أو تدرجات لون محدّد ليس أكثر ما أبرع فيه. ربما لهذا السبب لم أتّخذ الرسم هواية يوماً، وربما للسبب نفسه توقفت عن الاستمرار في كتابة الرواية. لعلها قلة الحيلة أو الصبر أو الضجر أو النفور البسيط من الاسترسال المضني في أي شيء، أو كل هذا معاً.

بالنسبة إليّ الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن هذا المبنى يقع في دائرة نظري كلما نظرت من النافذة، أمّا لونه، مثلما تفهمه عيناي، فهو مجموعة من الخطوط. أعرف أنها ليست حقيقة علمية مثبتة، لكن اللون يمكن أن يكون شكلاً. تفكر في البالون، مثلاً، فيخطر لك اللون الأحمر. تفكر في اللون الأحمر فيخطر لك الدم أو فستان نسائي مثير أو أفلام ياسوجيرو أوزو. اللون في هذه الحالة أيضاً شكل. خطوط أفقية وخطوط أخرى عمودية مشطورة إلى خطوط أخرى عمودية وأفقية، ولولا الشرفات الناتئة منها لحسبتها رسماً بالمسطرة على دفتر هندسي. السماء فوق المبنى، الآن على الأقل، رمادية. رمادية يسطع منها ضوء شمس تحجبها الغيوم. ليس ضوءاً ساطعاً لكنه واضح بما فيه الكفاية. ما اللون الناتج عن سماء رمادية تضيئها شمس تحجبها الغيوم؟ رمادي باهت؟ رصاصي؟ لا أعرف. لست بارعاً في وصف الألوان. لكنّني متيقن من أن هذا المبنى، هذا البرج بالأحرى، يتكون من ثلاثة ألوان رئيسية. الأخضر الفاتح لدرابزينات الشرفات. الأزرق الغامق لألواح الزجاج (النوافذ؟) والأبيض القشديّ، لكل الكتل الباطونية (الجدران؟) بين النوافذ والشرفات.

النوافذ المتشكلة من الألواح الزجاجية، ربما تكون نوافذ حقاً، وربما تكون شيئاً آخر لا أعرفه. لا أستطيع الحكم من هذه المسافة، حيث لا يمكن أن يظهر شيء خلف الزجاج الأزرق الغامق (الداكن؟). أما الشرفات المصطفّة بطبيعة الحال فوق بعضها بعضا فمسألة أخرى. لو وقف أحد على أيّ من تلك الشرفات، الظاهر منها في مرمى بصري على الأقل، فإنّني أستطيع رؤيته بوضوح وأستطيع من ملامحه العامة، أن أعرف إن كان رجلاً أو امرأة أو طفلاً. العمر ولون البشرة ودرجة القبح أو الجمال والحالة النفسية لهذا الشخص سواء أكان فرحاً أو حزيناً، أو بين بين، فهذه أمور لن أستطيع سوى افتراضها مثلما أفترض أحياناً لون السماء دون أيّ درجة من الثقة أو اليقين. لكنّ هذه ليست المسألة. ولا المسألة أنني، منذ اتخذت هذا الركن من الغرفة، المطلة نافذته على ذلك المبنى المخطط، مجلساً ثابتاً للعمل والكتابة، لم ألمح أحداً يقف على أيّ من الشرفات الظاهرة أمامي. المسألة أنني، في أغلب الأحيان، ودون أيّ جهد شخصي ولا أيّ مهلوسات عقلية ولا أيّ رغبة حتى أجد نفسي من حين إلى آخر واقفاً على إحدى تلك الشرفات. ليس مهماً موقع الشرفة، فهو يتغير باستمرار، المهم هو أن الأمر لا يقتصر على التخيّل، بل إنني أصبح فعلاً واقفاً هناك، لأنه أحياناً وبعد فترة من الوقوف على الشرفة دون فعل شيء سوى النظر بلا هدف إلى لا شيء في الهواء أمامي، أشعر بالحاجة إلى الدخول ثانية إلى البيت، وبصرف النظر عن الغرفة التي تؤدي إليها الشرفة، سواء أكانت الصالة أو غرفة النوم أو المطبخ (وهذا احتمال مستبعد)، فإنّني أكاد أحسّ بيدي وهي تعاود فتح باب الشرفة، وبقدميّ وهما تخطوان إلى الداخل ثم بيدي وهما تعاودان إقفال الباب. وبعد ذلك لا شيء. بعد ذلك أختفي كجميع البشر الذين لا بدّ أنهم يشغلون تلك الحجرات في الأوقات التي لا أجد نفسي فيها. أختفي داخل حجرة شخص آخر. أختفي بمعنى أنني أتبخّر. بمعنى أنه لا يعود لي وجود. بمعنى أنني لا أعود قادراً على إيجاد طريقي خارج الظلمة التي تكتنفني داخل تلك البقعة المحددة (أو غير المحددة) من الحجرة. وحده الرعب يعيدني من تلك الحجرة وتلك الشرفة وذلك البرج إلى مقعدي في هذا الركن المحدّد من غرفتي. ولثوان أجد نفسي في حال من الذهول التام، إذ تظلّ هناك أجزاء من نفسي تحتاج إلى أن تجمع نفسها بصلابة داخل جسدي أو عقلي، حتى أعود كاملاً هنا، حتى أستطيع صرف نفسي عن النظر إلى تلك الشرفات وشغلها بشيء آخر كالعمل أو القراءة أو الكتابة أو تصفّح الهاتف أو لعب كاندي كراش.

ماذا لو كان المبنى فارغاً بالفعل؟ ماذا لو كانت المدينة برمتها فارغة بالفعل؟

نحن كائنات افتراضية بامتياز. نفترض أن المطر شيء جميل، فنحتفي بالمطر حين تمطر ونشتاق له حين لا تمطر. نفترض أن المطر شيء كئيب فتحدث العملية نفسها إنما بالعكس. شخصياً، افترضت مثلاً منذ فترة ليست قليلة أن الدجاج الذي أتناوله ليس إلا.. لن أكمل حتى لا أعدي أحداً بهذه الصورة المقززة. لكن العبرة أنني توقفت نهائياً عن تناول الدجاج، وكل هذا بسبب افتراض لا أعرف كيف أستنبطه عقلي فجأة، لكنه صار موجوداً وملموساً ومحسوساً. أي صار للافتراض قوة الحقيقة وعواقبها أيضاً. ألم نفترض في وقت ما أن الدجاج صالح للأكل وبدأنا نطور الأمر شيئاً فشيئاً حتى صار كل كائن يطير قابلا للأكل، بما في ذلك الخفافيش؛ أتساءل أحياناً، وقبل النصوص الدينية التي تحدّد ما يؤكل وما لا يؤكل، أترانا حكّمنا معياراً ذوقياً منحرفاً بطبيعة الحال حول ما يجب أن يدخل إلى معدتنا وما لا نسمح له بذلك. مثلاً الدجاج ظريف وكذلك الماعز والخرفان والأبقار والبط والإوز والعصافير والأسماك (معظمها على الأقل).. تؤكل إذن.. أما الخفافيش والجرذان والسناجب والسحالي ومعظم الحشرات، فهي بشعة دميمة.. لا تؤكل إذن. لكن ماذا بخصوص القطط والكلاب؟ لماذا قرّر بعضنا أنها لا تأكل، وقرر بعضنا الآخر أنها تؤكل؟ لا بدّ أنه اختلاف الثقافات الذوقية، فما نجده في شطر من العالم قبيحاً منفّراً يجده غيرنا في شطر آخر مليحاً ظريفاً شهياً. الخلاصة أن المسألة كلها تبدأ من افتراض؛ افتراض قابل لأن يصدّق ويغدو حقيقة، وافتراض آخر لا يصدّق فيدخل عالم الأكاذيب والخيالات.

 قبل بضعة أيام أفقت من النوم مع إحساس عميق، بأن كل ما جرى حتى الآن (كورونا، العزل، الموتى، الخوف.. إلخ) كله كان مجرد كابوس وقد صحوت أخيراً منه. كنت أظن أن هذه الأمور لا تحدث إلا في الأفلام لأنني لم أرها سابقاً إلا في الأفلام. يصحو “البطل” فيكتشف أن زوجته التي قُتلت في انفجار مروّع في كابوسه المروّع، قبل ثوان فحسب، تنام بهناءة بجواره فيدرك أن كل ما عاشه في ذلك المنام ليس حقيقياً وأنه عاد أخيراً إلى أرض الواقع. نهضت من السرير واتجهت إلى الشرفة ونظرت إلى الشارع، وللمفارقة وجدت بضعة أشخاص يمشون في الشارع وسمعت أصوات مطارق العمال في المبنى الذي يستكمل بناؤه على بعد مئات الأمتار من مبنانا. وأذكر أنني، لوهلة، حدثت نفسي بشيء من السعادة الحذرة: هل يعقل أنني كنت أحلم؟ لكنني لم أكن أحلم. كان افتراضاً رائعاً، لكن للأسف لم تكتب له الحياة، ولم يستثمر فيه ما يكفي من التفكير أو الوهم ليصبح حقيقة.

كثير من الروايات (لا حاجة للتذكير بكافكا ولا بأورويل) أو الأفلام (لا داعي للتذكير بهيتشكوك أو داوود عبدالسيد) تبدأ بفرضية ما. نشأة الكون نفسه وتطوره وفناؤه الافتراضي أيضاً، حافلة بالفرضيات. ربما لهذا السبب اخترعنا السرد، ولاسيما السرد المتخيل بمختلف أشكاله وأنواعه. لا لنفهم الواقع أكثر، مثلما يرى بعضهم، بل لنبتعد قدر الإمكان عن الواقع. لنقيم حاجزاً بين الحقيقي والمتخيّل، المفترض والموجود بالفعل؛ حاجز يقينا الجنون أو الارتياب المطلق الناجم عن عيشنا في دوامة لا تنتهي من الافتراضات. لهذا السبب أيضاً اخترعنا الأساطير والآلهة الأسطورية والكائنات الخرافية. ولهذا السبب اخترعنا الأسباب نفسها. هناك أدبيّات كاملة حول الأسباب. ولو وضعنا في غوغل كلمة “لماذا” أو “كيف” فقط لحصلنا على ملايين، إن لم يكن مليارات النتائج. لكن، ورغم هذه الآلة المخيفة والرائعة من الأسباب التي يوفرها غوغل، فهناك أسباب بسيطة لا أحسب أنها نالت حقها من البحث والتفكير. لماذا، مثلاً، تظهر فجأة ذبابة في غرفة الجلوس؟ لأنها جاءت من الشارع. لماذا جاءت من الشارع؟ لأنها كانت تحوم في الجو أو بجوار مكبّ النفايات، ووجدت شرفة أو نافذة مفتوحة، فدخلت. لماذا اختارت هذه الذبابة أن تحوم حولي، ثم أن تدغدغ ساقي من وقت إلى آخر ثم أن تهرب قبل أن يتسنى لي قتلها بضربة من يدي؟ سؤال يتضمّن العديد من الاحتمالات. أولاً، لأنك في الغرفة، لأنه ليس من شخص آخر في الغرفة، لأنك حين شعرت بوجود الذبابة، قمت بقفل النافذة أو باب الشرفة (حتى لا تدخل ذبابة أخرى) فلم تعد الذبابة قادرة على الخروج، ممكن لأنها جائعة مع أنه من غير الواضح أيّ غذاء تتوخى الحصول عليه من ساقيك… الاحتمالات لا تنتهي، لكنها جميعها تفضي إلى سؤال واحد: لماذا الذبابة؟ أنا متأكد أنه لو كتب أحدهم “لماذا الذبابة؟” على غوغل فسيحصل على ملايين النتائج، لكن جميع هذه النتائج لن يجيب عن السؤال الحقيقي حول السبب الحقيقي للذباب في هذا العالم، ولن يجيب عن سؤال آخر أكثر تعقيداً، لماذا هذه الذبابة المحددة، في هذا الوقت المحدد، في هذه الحجرة المحددة، تحوم حول هذا الرجل المحدّد؟ ليس من غوغل لهذا النوع من الأسئلة. ليس من غوغل، حتى الآن على الأقل، يمكن أن يجيب عن السؤال: لماذا كورونا في هذا الوقت بالتحديد؟ هناك آلاف الاحتمالات والأسئلة والأجوبة الأخرى. هل جاء كورونا من الخفافيش، من الكلاب، من الحشرات، من المختبر؟ هل ينتقل كورونا في الهواء؟ عبر التكييف؟ من التنفس؟ من الكلام؟ من ممارسة الجنس؟ من مجرّد التفكير به؟ أسئلة لا تنتهي، تجعل كورونا ينتقل في وقت قياسي، من مجرّد افتراض مجنون، أو فكرة متخيلة، إلى واقع ملموس.

هل هناك مدينة في الخارج؟

أشاهد وثائقياً بريطانياً عن شمال إيطاليا التي ضربتها الجائحة بقسوة غير مسبوقة. المراسل يمشي في زقاق قديم رائع. يقول: هذا الزقاق فارغ تماماً كما ترون، لكن وراء هذه الجدران ثمة بشر، لكننا لا نراهم فحسب. أقف على الشرفة كل يوم، قبيل سريان حظر التجول، وأرى سيدة آسيوية تجرّ طفلها بعربة تدور بها حول ملعب الكرة. يخال إليّ أنها، في رأسها، اعتمدت خطّة ما للمشي تقضي ضمن أهدافها، بوضع حدود معينة، وحدها قادرة على فهمها، لرحلتها اليومية في الشارع. لكنها توظّب على المشي يومياً، هذا ما أعرفه معرفة اليقين. ماذا يحدث قبل هذه الرحلة وبعدها، لا أعرفه. الخطوط الافتراضية التي ترسمها السيدة بعربة طفلها، قد تكون طريقة ما لحماية نفسها وطفلها من الهجوم غير المتوقع للفايروس. لقد أعاد لنا كورونا غريزة كنا قد نسيناها منذ عصور ما قبل تاريخية، وهي غريزة تحديد الأمكنة، ربما ليس للاستحواذ عليها مثلما كنا نفعل في السابق، بل ببساطة لحماية أنفسنا مما هو غير متوقع، لأن ما حدث بالضبط هو غير المتوقع، وما نواجهه الآن هو المجهول الناتج عن غير المتوقع. كلاهما، أي اللامتوقع والمجهول، ضربان من التدرّجات اللونية لليأس، يصعب أيضاً وصفهما. في المخزن التمويني، رأسي يعمل كآلة حاسبة في رأس عالم رياضيات. أحسب الاحتمالات وأحدد الاحتياجات بناء عليها. كم كيلوغرام من الأرز، من الطّحين، كم علبة فول وسردين وتونة.. إلخ. لكن بجانب هذا الرأس، ثمة رأس آخر يحسب طوال الوقت المسافة من الآخرين، محاولاً باستمرار رسم تلك الحدود المتغيرة دوماً لحيّزي المكاني الخاص، ذلك الحيز الذي سأكون آمناً فيه من أولئك الموبوئين (افتراضياً) من حولي. في أفلام الزومبيز، يكفي أن يعضك الزومبي في أيّ مكان من جسدك، وخصوصاً رقبتك، ولو عضة بسيطة حتى تنتقل إليك العدوى وتغدو وحشاً غير فان يهيم في الأرض بحثاً عن رقبة يعضها. لو أن كاميرا سرية التقطت مشهدنا، نحن المتسوقون في المخزن التمويني، من الأعلى، لرأت منظراً مشابهاً لمنظر الزومبيز وهم يمشون، وفي رأس كل واحد منهم، جي بي إس خاص به، يجعله يبتعد عن الزومبيز الآخرين، ويتجه نحو شيء آخر غامض هو نفسه لا يعرفه.

بالعودة إلى المدينة، وإلى السيدة الآسيوية التي تجرّ العربة. كان يمكن لمنظرها الموصوف أعلاه، أن يكون عادياً في أيّ زمن آخر. أما الآن فليس إلا شاهداً وتذكاراً على غياب المدينة. ذلك الكليشيه القديم، “جنة دون أناس، لا تداس”، ينطبق تماماً على هذه الحالة. مدينة بلا أناس ليست مدينة. هي مجرد خطوط ورسوم هندسية ومخططات على دفتر. نستطيع أن نفترض وجود أناس خلف الجدران، وهم موجودون فعلاً، لكننا نستطيع أيضاً، خصوصاً في لحظات اليأس التام، أو الإحساس بأنّنا داخل دوامة لا تنتهي، أن نفترض عدم وجودهم. لا فرق. من مسافة كافية قد تتمكن من رؤية المخرج من الدوامة، أما وأنت في داخلها، فلا يمكنك سوى أن تواصل الدوران إلى ما لا نهاية.

الجميع منكبّون هذه الأيام على التواصل مع بعضهم بعض. الخوف على الأرجح يدفعنا إلى ذلك، لكن وفي خضم تواصلنا المحموم، وتنقلنا من محادثة فيديو إلى أخرى، لا أستطيع تجاهل الإحساس الكامن بعدم التصديق. ربما تكون هذه أكبر حالة عدم تصديق جماعي. لا أحد في الحقيقة يصدّق ما يجري، ولا ما سيجري. ما زلنا في مرحلة الصدمة. أولئك منا الذين يصدقون حقاً هم الذين سبقونا إلى الكوابيس والانهيارات العصبية. البقية يدافعون عن وجودهم، وعن تماسكهم العقلي، بعدم التصديق. إنها لعبة تواطأنا جميعاً على لعبها، حتى يأتي فجأة خبر يقول لنا إن الأمر انتهى، فجأة مثلما بدأ. حالة عدم التصديق هذه هي خطوط أخرى نضع بها حدوداً وهمية أخرى، ونستعين بها على سيولة كل شيء من حولنا. لكنّ الموتى يذكّروننا دوماً بأن الأمر حقيقيّ، ولذلك ربما يختار معظمنا، في هذه المرحلة، ألا يصدّق تماماً عداد الموتى هذا الذي لا يتوقف. التفجع والحزن الحقيقيان لهما وقت لاحق، أما الآن فالوقت الحقيقي هو للنجاة، وما الأفضل من عدم تصديق وجود الخطر للنجاة منه، لأننا لو صدّقنا فعلاً، لو أننا تخلينا عن كل الألاعيب الذهنية وغير الذهنية التي نحاول من خلالها السيطرة على الأمور، فإننا سنستسلم للحقيقة التي نرويها الآن مزاحاً، وهي أن العالم الذي نعرفه، الذي كنا نعرفه، لم يعد هو نفسه، وأن عالماً آخر، أو ربما لا عالم، يتشكل الآن أمام عيوننا. وهذا ليس مرعباً فحسب، بل هو التجسيد الحقيقي لكلمة أخرى نرددها مزاحاً أغلب الأوقات وهي الفناء، ولا أحد يحب فكرة الفناء خصوصاً في خضم انشغاله بحساب ما نقص من مؤونة البيت وما الذي نحتاج إليه للاستمرار أسبوعاً، شهراً، آخر.

أنكبّ في الأثناء على “البازل”، هوايتي البيتية المفضلة وإحدى سبل النجاة التي أستعين بها. كل قطعة أضعها في مكانها الصحيح، تحدث في قلبي نقرة من نقرات المسرة العابرة. أعمل على أحجية من ألف قطعة للوحة فان غوغ “ليلة مقمرة”. أضطرّ إلى التعامل مع الألوان، إلى التدرجات والفروقات البسيطة داخل الأصفر. دون هذه الفروقات سيكون مستحيلاً إنهاء الأحجية. فان غوغ رسم لوحته هذه، وعشرين لوحة أخرى، من نافذة غرفة نومه في المصحة النفسية. النجمة المشعة التي تظهر في اللوحة والنجوم الأخرى الأقل سطوعاً حقيقية على الأرجح، كذلك الشجرة والسفوح الجبلية. سيبقى لغزاً لماذا قرر فان غوغ إضافة قرية إلى اللوحة. قرية جميلة دافئة تحتضنها الجبال ويغمرها ضوء النجوم، جميع بيوتها نائمة، باستثناء بيوت قليلة تشع من نوافذها أضواء المصابيح. ربما أحسّ فان غوغ بالوحشة فقرر إضافة هذه القرية. ربما كان يريد أن يتخيل نفسه خلف أحد تلك النوافذ المضيئة المقطونة بالبشر، بدلاً من نافذة غرفته الموحشة في المصحة. أتشوّق لإنجاز هذه اللوحة حتى أنتقل إلى تركيب أحجية ميدان “تايمز سكوير” في نيويورك. على عكس قرية فان غوغ فإن الميدان، مثلما تشير الصورة، يضج بالحركة والألوان والسيارات ولافتات النيون والبشر، على عكس صورة الميدان اليوم خلال فترة العزل، حيث بدأ بعض الفنانين، من رسامين ومصورين فوتوغرافيين، يوثّقون هذه المرحلة الكئيبة التي ما كانت لتخطر بالبال من حياة الميدان. أحجية “الموناليزا” التي أنهيتها خلال الأسبوعين الأولين من العزل، معلقة الآن في الصالة، وبعد أسبوعين أو أكثر بقليل ستوجه نظراتها الحائرة إلى سماء فان غوغ الحاشدة بالنجوم وصورة “تايمز سكوير” المليئة بالحياة.

عن مجلة الجديد اللندنية