ما حكاية قصر الصنوبر

ما حكاية قصر الصنوبر

إلهام بورابة 

صدرت روايتي الأولى شهر فيفري 2020، بعنوان ” قصر الصنوبر”. عن دار خيال بالجزائر.

الرواية في الأصل كانت مذكرة بحث في علم النفس مجال تخصصي، عنوانها “الواقع الاجتماعي للمسعفات بقصر الصنوبر” حيث قصر الصنوبر هو اسم دار رعاية اليتيمات.  والمبنى في حقيقته الهندسية بالفعل قصر ويأتي ضمن سلسلة قصور أنشأتها فرنسا غداة احتلالها أو انتدابها عبر مختلف البلدان التي وضعت عليها يدها وأطلقت عليها اسم ” قصر الصنوبر” وأشهرها قصر الصنوبر في لبنان/ بيروت ، في المغرب/ الرباط، الجزائر / قسنطينة. وشغلت هذه القصور مساحات غابية من أشجار الصنوبر.

هذه سلسلة القصور كانت لأغراض سياسية استيطانية، أو ترفيهية  ثمّ إقامات مشبوهة. وعلى هذه الفكرة الأخيرة بنيت روايتي ” قصر الصنوبر” لطرح أسئلة كثيرة لم أتمكن من طرحها في البحث النفسي لحدود الأهداف العلمية . فالأدب بما يمنح من خيال وبما يبيحه من جوازات للجنوح بعيدا يمكّن الأديب بما لا تمكّنه المعرفة.

وهكذا سارت روايتي قصر الصنوبر ، تأخذ من الصنوبر رائحته لأستدل على شخوصي وأتبع مسارها من خلال مذكّرات النزيلات .

في قسنطينة مدينتي، أخذ حيّ بأكمله اسم قصر الصنوبر، لكن تبقى دار رعاية المسعفات هي علامة الاستفهام منذ نشأة القصر حتى اليوم. بطلة الرواية نور التي أسقطت فيها ذاتي ، كتبت فكرتها التي هي فكرة ثانية، إذا الفكرة الرئيسة هي سؤال زميلتها فضيلة عن شبهة القصر منذ بنائه. ففي زمن فرنسا السابق كان المكان لإعطاء الاحتلال صورة رحيمة انطلاقا من استغلاله لرعاية يتيمات الحرب ، الرعاية التي سلبت هوية النزيلات وعملت على إخراجهن من الإسلام لدين المسيحية.

هؤلاء النزيلات ، وبعد جلاء القوات الفرنسية، عملن في المخيمات الصيفية لمرافقة أبناء الاستقلال وإضفاء مسحة مسيحية عليهم. الحكمة من هذا ضمان فرنسا أطراف موالية لها في الجزائر. لكن أطراف أخرى تفطّنت وبدأ التحقيق في سلوكات النزيلات ، خاصة وأن ذلك تزامن مع سنوات الإرهاب والمد الإسلاماوي الدموي، فاضطرّت جهات غريبة وسرية إلى إبعاد النزيلات وتهجيرهن عبر مختلف أنحاء أروبا.

بعض النزيلات تمّ تهجيرهن إلى روسيا حيث واكبن ثورات الزهور لانفصال الجمهوريات عن الإتحاد السوفييتي وصارت لهن مغامرات هناك بينما ظلّت واحدة تدعى فلّة  رفضت التهجير وانضمّت للتيار الإسلامي. حيث فسحت لها عائلة نور الاندماج فيها والعيش بين أفرادها حماية لها من جماعة إرهابية تهدف للقضاء على النزيلات المسيحيات الباقيات في قصر الصنوبر.

إن هذا القصر العتيق الجميل هو ذاكرة فلّة، وهي في بيت نور راحت تسترجع سنوات إقامتها فيه وكيف علّمتها الأخت ماري النسيج وصناعة الكعك وقراءة الأشعار الفرنسية وتركيب عقود اللؤلؤ. ذاكرة بما يزن حياة جميلة جعلت نور بعد وفاة فلّة تسعى للدفاع عن القصر ومحو كل الإشاعات السلبية التي انساق وراءها الناس لإزعاج نزيلات لا عيب فيهن غير اتباع دين غير دينهم. دين فرض عليهن بسبب تنشئتهن على أيدي مسيحية، في حين تتبع مسار نزيلة أخرى صديقة فلّة هي فاطمة التي تدعى الروسية، والتي ظلّت على مسيحيتها حين عودتها من روسيا إلى الجزائر. نور أحبتها وصادقتها لتكتشف أنّ بداخلها مسلمة متعبّدة وأنّ كل محاولات التأثير عليها وهي الفنانة لم تمسح هويتها لسبب واحد وهو أن المرأة ترتبط بأرضها ارتباط الجنين بالرحم.

قصر الصنوبر هو قصة الأرض وقصّة الهوية، وقصة الفن، وقصّة  يتيمات لا يتفطّن المجتمع للسؤال عن حالهن وهو يخوض بهن في تجارته السياسية. فجاءت هذه الرواية لمواساتهن  وإعادة الاعتبار لهن.

  • الكاتبة إلهام بورابة، مولودة عام 1965 بقسنطينة – الجزائر.  متخرجة بشهادة ليسانس في علم النفس التربوي من جامعة قسنطينة 1988، اشتغلت في مناصب مختلفة من قطاع التربية الوطنية (قسنطينة). بدأت الكتابة منذ الثمانينيات، ونشرت في صحف وطنية منها النصر والشعب، كما شاركت في مهرجانات شعرية وطنية. أصدرت مؤخّراً ثلاث مؤلفات عناوينها بالترتيب هي: شرفات الأمريكان (قصص قصيرة)، سلوان العنب (مجموعة شعرية)، قصر الصنوبر (رواية).