رواية حاكم، جنون ابن الهيثم ليوسف زيدان.. الْمَخْطُوطَة والنَّصّ والسَّرْد

رواية حاكم، جنون ابن الهيثم ليوسف زيدان.. الْمَخْطُوطَة والنَّصّ والسَّرْد

ناصر السيد النور

صدرت رواية(حاكم، جنون ابن الهيثم) للروائي المصري البَّارز يوسف زيدان عن دار بوك فاليو هذا العام، وتتناول شخصية عالم البصريات والرياضي والفيلسوف المسلم أبو علي الحسن بن الهيثم في القرن الرابع الهجري – العصر العباسي- ويوافق عصر الدولة الفاطمية في مصر التي قضى فيها بقية حياته. وهي رواية تتصل بمشروع يوسف زيدان الروائي في تناول الشخصيات التاريخية باتباع منهج علمي في البحث والتكوين يمتاز بدقته التوثيقية، وحذاقته السردية الإبداعية. وكما تثير كتاباته وآراءه مما يكثف من الجدل اللاجب، فإن أعماله الروائية لا تقل إثارة للجدل وإن يكن جدل مثار داخل النص الروائي التاريخي والروائي من نوع آخر يحفز على التفكير بقدر الإثارة والمتعة المنبعثة من عوالمه الروائية ولغة رواياته.

الرواية:

تسرد رواية (حاكم، جنون ابن الهيثم) حياة عالم البصريات ابن الهيثم حين أقام بمصر مستدعياً بطلب من حاكمها الفاطمي (الحاكم بأمر الله) لإقامة سدَّ على نيلها وفشل المشروع وما انتهى إليه مدعياً للجنون إلى وفاته وما تخلَّل حياته من أحداث تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر. وبنى زيدان عمله كما درجَّ في رواياته التي تتناول شخصيات وأحداثاً تأريخية يقوم فيها باستقصاء وسرد شخصيات بارزة تكون مرجعيتها المخطوطات وخزائن الكتب والمؤلفات مصدراً أولياً في تكوَّين وتشكيل مادة نصوصها الروائية. ولأن تُفهم الأحداث التاريخية في سياق الرواية -السرد- يلزم أن تكون الخلفية المعرفية ومصدر السرد على نحو ما يُعرفه النقد بعناصر الرواية أو مكوناتها بكلِّ من تمثله لخلق بنية الرواية وبالتالي الدفع بالنص الروائي الى حيز الوجود. فالسرد التاريخي يعني التأريخ بكل دلالاته التي تولدها الشخصيات وترسمها الأحداث ومن ثَّم ترتبط الأحداث بمنطق البحث ومنهج إعادة كتابة التأريخ إن لم يكن تأويله وفق صياغات سردية تمكن الروائي من أن يجعل من الرواية التاريخية حدث سردياً يحتمل تأويلات الإبداع ومخاشنة وقائع الأحداث التأريخية. وإذ كانت وقائع أحداث التاريخ غير متسلسلة وتسكنها فجوات تمتلك الرواية بسعتها السردية وبتمكن الروائي في سدَّها بصياغتها وتحويلها إلى حدث ينتج عنه فعل تكون له قابلية منطق التاريخ وخصوبة الخيال الإبداعي.

وفي عمله الروائي الذي سبق هذه الرواية (حاكم، جنون ابن الهيثم) كتب زيدان بفارق زمني قصير رواية (فردقان، اعتقال الشيخ الرئيس) عن حياة الفيلسوف والطبيب ابن سينا وقبلها عمله الأشهر (عزازيل) و(النبطي) وجميعها تتساند بنيتها برؤية سردية على نصوص المخطوطات والوثائق وعصور الممالك التاريخية ولغة وأسماء بمنهج تُّراثي محض تخوض شخصياتها تجربتها الحياتية متفاعلة في أزمنتها الغابرة. ولكن ما الذي يجعل من أعمال روائية تحكي عن شخصيات وأحداث تتباعد مسافاتها الزمانية مقروءة في سياق الرواية المعاصرة وليست قصصاً أو سيراً وتراجم كتلك التي تذخر بها كتب الحكايات والمؤلفات التُّراثية؟ وتكمن الإجابة في قدرة الروائي على تحويل المادة التراثية (التاريخية) إلى حدث سردي وليس كدراما وثائقية Docudrama تعد وتوظف لغرض محدد النتيجة. ولكن في بناء عالم النص الروائي بما يُعرفه النقد بالعالم الموازي الذي يمنح في حالة -السرد التاريخي- السياق التاريخي إمكانية دمج تفاصليه ومعلوماته وفق ما يقتضيه السياق السردي بأدواته التي تحيله إلى نصٍ مقروء يمتلك الإثارة والتشويق محملاً بخطابات النص والنسق الثقافي أو التاريخي. 

رواية أم تاريخ:

لقد عادت الرِّواية التاريخية، أو تلك التي تستند إلى مرويات التاريخ في الآونة الاخيرة إلى المشهد الروائي العربي وكأنما استنفدت الرواية العربية المعاصرة أسئلة الواقع ومشكلاته أو هرباً باتجاه الماضي وخاصة استدعاء شخصيات ومراحلها التاريخية الجدلية أو تلك التي مثلت جزءاً من حدة الصراع السياسي والمذهبي إلى ظهور كتابات وشخصيات مثلت محور ذلك الماضي التراثي. وإن يكن النص الروائي المنبثق عن لحظات توتر التاريخ وشخصياته لا يتوقف على الخطاب السردي العربي قديما وحديثاً على مدى ظهور الرواية منذ رواية (هيباتيا) للكاتب الإنكليزي تشارلز كينجزلى في القرن التاسع وروايات الإيطالي امبرتو ايكو (اسم الوردة)، وروايات الأميركي دان بروان (شفرة الالأميركي شفرة دافنشي) وغيرها من أعمال شكلت مآثر لعدد من تاريخ روايات العالم. إلا أن اللافت في محيط الرواية العربية التاريخية مؤخراً ازدياد ذلك الاهتمام بالكتابة عن المرحلة التاريخية من الترُاث، فنجد رواية (موت صغير) عن المتصوف الأكبر ابن عربي لمحمد علوان، ورواية (مسرى الغرانيق في مدن العقيق) لأميمة الخميس السعوديِّيَن، ومرحلة أخرى أقرب زمناً -مرحلة الاستعمار- كرواية (آخر السلاطين) لمنصور الصويم، ورواية (شوق الدرويش) لحمور زيادة السودانيِّين، ورواية (الديوان الأسبرطي) للجزائري عبد الوهاب عيساوي. والملاحظ أيضا أن جميع هذه الروايات حصلت على جوائز أدبية مرموقة! وتدخل بطبيعة الحال ضمنها روايات زيدان على اختلاف مستويات المقاربة التاريخية بين هذه الأعمال كنصوص تبحث عن سلطة نصية في الماضي مهيمنة ليس على اللغة فحسب وإنما استناداً على سطوة التأريخ وقوة تأثيره على الذاكرة والكتابة العربيتين وبما توحي به الكتابة التراثية من أصالة وموافقة لما تعالجه لغة النصوص التي كلما أوغلت في الزمن التاريخي كانت أكثر نصّاعة لغة وأجدر بالموثوقية نصا. وتضعنا شخصية ابن الهيثم التاريخية أمام حزمة من التعقيدات المنهجية في التحليل والتباس في المعالجة لما تتطلبه كشخصية تنتمي إلى ذَّات لديها أبعادها النفسية وذاكرتها التاريخية ورغباتها وانفعالاتها وطموحها في ظل وجود يؤثر الغموض في المصير بالشكل الذي أسهبت فيه الرواية. ولم تسع الرواية إلى استنهاض ماض من رؤية ماضوية على واقع ما أشاعته الروايات التاريخية التقليدية، ولكن برؤيتها السردية تقرأ التاريخ وأحداثه من زاوية أكثر إبداعية وعلمية متسقة ومكونات الشخصية. وإذ تواتر شخصية ابن الهيثم (التاريخية) سرديا دون تعيد تكرار فعلها التاريخي صورة تفقدها حضورها في نص الرواية؛ ولكن بتحشيد ما أحاط بها من حدث وشخصيات جعلها شخصية ديناميكية في سياق النص وحركة الأحداث.

ورواية (حاكم… جنون ابن الهيثم) ربما اختلفت على نطاقٍ ضيق من ناحية البنية السردية على ما سبقها من روايات زيدان بما أدمجه في  الرواية ما بين الحداثة والصيغة التقليدية في كتابه أعماله، كما لو أنها  محاولة للإفلات من قيود الوثائقية فجاءت نصاً مبتدعاً في تشكُّل أحداثه بين بدايات احتوتها فصول متقابلة بين المخطوطة التي يعثر عليها في النص الروائي (الجزء الأول)  يمثلها مطيع في عصر مصر الفاطمية، وهو زمن ومكان الرواية، أي توسل التاريخ عبر أحداث الحاضر، وبالتالي النفَّاذ (جزء ابن الهيثم) إلى مسارب التاريخ عبر وثائقه المنسوخة نصوصه المستودعة في الكتب والمخطوطات أفضت إلى رواية تاريخية Historical Fiction كرواية وليست إخباراً عن ما وقع من أحداث في التاريخ في ضوء المفهوم التاريخي. ومع أن الرواية التاريخية إذا كانت بحاجة إلى تعريف ووصف نقدي كنص ناتج عن الموازنة بين المباحث التاريخية والإبداع والخيال السردي. وتطبيقاً على الرواية فإن احتواء الرواية التاريخية يحتمل الشخصية والأحداث الحقيقية أو المتخيلة إلا أن الحدث التاريخي الأوحد متمثلاً في الشخصية عادة ما يكون في مثل هذه الروايات ممجداً للشخصية في صورتها التاريخية الحقيقية مع اجتهاد النص الروائي في محاولاته لخلق فضاء روائي يحتوي على حيوات معاصرة للشخصية ولكنها تبقى منزوعة الأثر لأن الشخصية التاريخية في التاريخ وأساطيره (البطل) هي التاريخ وما عداها عناصر خلقت لأجله. ومن هنا لا قياساً على اعتبار الرواية تاريخاً للمقموعين، أي المجموعات المهمشة. فالمقموعون في تاريخ الأدب النقدي للرواية وإعادة تعريفها جزئياً كتاريخ لفئة لا تمتلك تاريخاً مكتوباً وإن أسهمت في صناعة تاريخ حياة الأبطال المنتصرين.

القراءة النقدية:

ثمة قراءتان تحيطان بالرَّواية وتخضَّع كلٍ منهما لأسس تختلف في سياقات معرفية وتاريخية، وهي بالضرورة قراءة نقدية على مستوى قراءة النص. فإذا كان البحث التاريخي بأبعاده الشمولية ضمن أطر المسح الانثروبولوجي والفيلولوجي في فقه اللغة عطفاً على نصوص مقدَّسة ومذاهب المجادلات الكلامية والعلمية والفلسفية وكل ما جرَّت أحداثه في تلك المرحلة حيث عاش ابن الهيثم، ومن هنا فإن منطق التاريخ يستدعي القراءة التأريخية النقدية لا على شاكلة فلسفة التاريخ وإنما بما تصورته الرواية للشخصية في التاريخ يعاد تمثلها بوصفها السردي كسيرة لشخصية مبثوثة تفاصليها داخل مخطوطة تتضمن حقائق ومرويات تاريخية تمتلك صلاَّبة التحقق الوثوقي من أصالتها طالما أن الروائي مختص من حيث الصنعة بالمخطوطات وقيِّم عليها.  فالكتابة في التاريخ وتناول مجرياته تتعذر دون تَفهم للتاريخ بما يستدعي الفهم المعرفي قبل الاقتراب وربما التفكير في استخدام مواده كعناصر موظفة في نمط كتابي آخر يعيد إنتاجه التخييل السردي، فقد أفصحت الرواية عن ذلك الفهم استدراكاً على دقائق تفاصيل المرويات التاريخية للإحاطة بالظرف التاريخي وصراعه في عالم الشخصية. ومن هنا تتأتى رؤية الرواية للمعاني الإنسانية في وقت تفاعلها التاريخي أو تجليها عبر صفحات التاريخ والرواية. 

وتقوم القراءة الثانية على الجزء الأول من الرواية الذي انبثقت وقاد تفاصيل أحداثها إلى تكوين الرواية في ثيمتها المركزية في شخصية ابن الهيثم وعصره. وبما أن هذا (الجزء الأول) من الرواية بداية النص السردي برزت أحداثها دون إثارة مفضية على نحوٍ مباغت إلى بما ستوحي به الأحداث في شخصيتي راضي ذلك الطالب الريفي الطموح القادم إلى القاهرة بحثاً عن تأهيل أكاديمي يترقى بها في حياته والمصادفة التي تجمعه بفتاة الطبقة البرجوازية أمنية وتطور علاقتهما وما انتهت إليه بين الصعيد من حيث قدم راضي والقاهرة حيث التقى أمنية وعالمها وأسئلتها المختلفة. هذا الجزء (الأول) مفعم بزخم الحياة الواقعية العصرية ومشكلاتها في شخصيتي راضي وأمنية بشكلٍ على شاكلة رواية (محال)، فإذا كٌتب هذا الجزء كرواية منفصلة وظلّ الجزء الثاني (ابن الهيثم) لما أحدث فراغاً أو انتقص من مجمل بنائها العام، كما حدث في روايتي  (فردقان، عزازيل)، حيث انشئت الرواية بالكامل في عصرها من البداية إلى النهاية، أما هذه الرواية بتضمينها لجزئين تعد روايتين أو أحداث رواية واحدة في رواتين لا رابط بينهما إلا عند بداية عثور راضي على المخطوطة وتبقى نصاً هجيناً يختلف في الزمان والمكان والحدث.

وبافتراض أن الرَّواية كتبت كنصٍ متصلة أحداثه إلا أن تقنية وأسلوب كتابتها يدخلها كمحاولة وتجريب أسلوبي جديد ومحاولة في التوفيق بين نصين ينزَّع كليهما دون علاقة تناصيِّة إلى خلق رواية مركبة بتمركز حول تاريخية الشخصية الروائية تبرز وتطغى على الشخصيات الأخرى وخاصة في الجزء الأول بل وتحيلها إلى دور هامشي ينتهي دورها باكراً ليظل الجزء التاريخي (ظهور ابن الهيثم) في آخر فصول الرواية هو الرواية وسبب ومبرر وجودها raison d’etre كنصٍ سردي لا يتصل بما قبله إلا من خلال لحظة اكتشاف المخطوطة بواسطة راضي في قريته بالصعيد. وعندما نقول بالتجريب لا نقصد تجربة الروائي، ولكن على أساس تفكيك بنية الرواية وتحليل نصها السردي وتشرحيه نقدياً بالمقارنة مع الروايات السابقة للمؤلف التي لم تطبق هذا النمط من التقنية السردية، بل روايات مكتملة حصراً على موضوعاتها. ففي روايات عزازيل وفردقان والنبطي وهي من ذات النسق السردي الذي يتخذ من العناصر التأريخية (الشخصيات، الأحداث، اللغة) مصدراً للكتابة السردية دون تدُّخل من طرف النصوص المعاصرة في التأريخ والبحث عن محركاته ودوافعه التي يعتمدها النقد التاريخياني Historicism، ولكن بالتقصي وقدرة الروائي على تحليل تفاصيل الشخصية كما يفترض في بعدها الإنساني تخلقت شخصية ملموسة أضفت على الرواية شخصيتها الروائية المتطورة والمستقلة عن نص التاريخ.  فالبنية السردية بما تمثله من مجال واسع الرواية بما لديها من منظومات وعلامات لغوية تفسر علاقاته بين النص وأحداثه؛ يكون الخطاب الروائي داخل وخارج الخطاب المتشكل في السياق السردي العام، ولكنها كرواية تدخل فيها عناصرها الحوارية ولغتها، وأدواتها التوصيلية في النص الروائي التي تسود في تفاعلاته المعقدة تجعل منه خطاباً مستقلاً وفق نسق الرواية لا حكايات التاريخ. وإذ يُكوّن الخطاب الروائي رؤيته ويوجه مكوناته السردية نحو اتجاه تفعيل الصور اللغوية وتأويل الأحداث وبناء الشخصيات الروائية توحي بجوهر رسالة الخطاب الروائي. ويحتوي السرد الموسوعي في الرواية ودقة تفاصيل العناصر المحايثة للشخصية الروائية من تفاصيل الظروف السياسية والاجتماعية ومشاهد الاضطرابات السياسية والمجاعات والأوبئة وأسماء الأدوية وما يستخدم من أطعمة ومشروبات وبقية عناصر الثقافة المادية (الأنثروبولوجيا) منحت كلها الشخصية مستعادة في سياقيها التاريخي والسردي. ولكن تفاصيل هذا السرد (الموسوعي) تطغى كلما اتسعَّت مساحات النص الروائي الذي يفترض فيه التماسك دون كثافة في التدوين تضعف من القيمة الفية للعمل، وهذا ما في الفصل الخاص بشخصية (مطيع) وعلاقاته بالحاكم وما تطور من حياته وعلاقاته والرسم الطبوغرافي نصياً لمرحلة تاريخية عاصفة في تاريخ مصر.

الشخصية والسياق:

حرَّكت الرواية بصوت الراوي شخصية ابن الهيثم عبر منظومة السرد وتقنياته في إطار تقنيات كتابة الرواية من شخصية في التاريخ إلى شخصية روائية Fictional Character من خلال صياغة الحقائق التأريخية وما أحاط بها من تداعي أحداث تبين عنها لغة الرواية، وفي هذا ما يفصل بين النصِّ التاريخي والنص الروائي؛ فالأحداث وشخصياتها تعدُّ نصوصاً وعلامات لها دلالتها المفسرة روائياً في زمان وجغرافيا الحدث التاريخي. فالرواية والتاريخ وما بينهما من تداخل وما يستنتج منهما من رؤية مغايرة في النتيجة إلا أن محاولة قراءة التاريخ باعتباره رواية لا تكتفي بالحكي عن أحداثه أو نوازله؛ وإنما معالجته كنصٍ مفتوحٍ بطاقة الخيال الفادحة للروائي وفي قدرته على التصوير السردي. وبالمقاربة النقدية، لا ينبغي تناول ظاهرة (الشخصية التاريخية) في السرد استجابة لحقيقتها كما يفترض في البحث التاريخي لعلم التاريخ وكتابته وإن مثلت الحقائق العلمية جزءاً مكملاً لأحداث الرواية في السرد وعناصر تفعيلها. ولكنها لما كانت مقاربة تتحسس مواطن هذه الشخصية وتجليها بهويتها السردية لا التاريخية أينما كان تجليها السردي في الخطاب الروائي يضاف إلى بنية السرد وتكون جزءاً من ركائزه. ولا ينفك البحث موسماً مستمراً لما ستحدثه الرواية في مسار كتابة الرواية وتاريخية الرواية العربية. فأسئلتها لا تزال نصاً مفتوحاً للمزيد من البحث والتقصي النقدي والبحثي التاريخي. والمقاربة النقدية كمدخل نقدي ومنهج نظري تتأسس عليها مقاربتنا للبحث عن (الهوية التاريخية) في الرواية، لم تكن اختياراً فرضته طبيعة العمل السردي وما يستدعيه ويفرضه من أطر منهجية في البحث والتحليل النقدي؛ ولكنها إذا لم يختلف المعنى بحثاً عن مقاربة تلامس الشخصية التاريخية داخل الإطار السردي العام للنص.

وبمعنى آخر يفيد القول إن الرواية أسهمت إلى حدٍ بعيد في تكوين رؤيتنا إلى التأريخ الانساني المشترك بين كافة الثقافات عبر الأدب المقارن كمحاولة للمزج بين الرصد العلمي للنشاط البشري وتفسيره ثقافيا طالما أن الثقافات والعلوم والاختراعات ترتبط بأفراد في كل العصور. وغني عن القول إن الشخصية في النص الروائي (ابن الهيثم) محوراً لا يتكامل النص دونه أو تفهم أحداثه على إنه نص روائي، ومن هنا تعامل النقد مع الشخصية الروائية بوصفها كياناً مستقلاً داخل النص. وقد يقود الاستدلال بالتأمل التاريخي في مصير الشخصية التاريخية إلى استعادة الشخصية إلى مسرح الحدث كعنصر خيالي Fictional Character دون أن تفقد دورها الحقيقي في حياتها العلمية وسماتها الإنسانية.

وتستعاد قراءة الرواية على مستوى المخطوطة والنص والسرد كونها مصادر مرجعية في بنية الرواية، ومن ثَّم تنفتح عوالمها السردية في أحداثها ربطاً بشخصيتها الرئيسية، فأحلتنا الى زمن تاريخي لشخصية عالم أبرزته الرواية بتفاصيله الإنسانية التي تحجبها عادة مسودات التاريخ نفسه. ومن هنا تكمن المفارقة النصية في كتابة التاريخ وتصوير التاريخ سرديا. وتفادت الرواية الترحيل المباشر لأسئلة الحاضر إلى الماضي وتركت الحدث التاريخي والتاريخ وحده يفسر موقفه ويفصح عن دوافعه مُحركة على متون صفحاته كما وقعت دون تدخل روائي يعلقنها أو ينحرف بها بتفسيرها أيدولوجيا أو دينيا، فابن الهيثم شخصية العالم الفلكي تدور في فلك المذاهب والآراء الكلامية في عصره وغيرها مما مثل روح عصره.


*  مترجم/باحث/ناقد/ سوداني: