المكان الهوية

المكان الهوية

أمير تاج السر

في مقال كتبته مرة عن إيحاءات الرواية ومصادرها الأولى والغالبة، بناء على متابعتي لما يكتبه الروائيون، نوهت إلى ما سميته مكان الصرخة الأولى، أي مكان الولادة بوصفه المكان الأكثر حضورا في الرواية، حتى لو كان موضوعها بعيدا تماما عن سيرة الكاتب وما تمثل له بعض قيم ذلك المكان من معان.

كنت هنا أتحدث عن الانتماء، الانتماء الحقيقي وليس المجازي، الذي غالبا يحدث حين تضطر لمغادرة مكان صرختك الأولى، إلى مكان آخر، تحاول بشتى الحيل، أن تعيد تأهيله ليصبح مكان انتماء جديد. بعض الناس قد ينجحون في ذلك، وتجد هناك من عاش في باريس مثلا ويكتب عنها بقوة وبلغة أهلها، وهناك من لم ينجح، حيث يظل مكان الانتماء عنيفا وشرسا، يطارد كتاباته، حتى لو دارت حوادثها حيث يعيش.

ولدينا بالتأكيد في السودان مثالا متفوقا في كتابة الطيب صالح لـ”موسم الهجرة إلى الشمال” فهو عاش كل فترة نضجه في انكلترا ودارت معظم أحداث القصة هناك، لكن بقي السودان، وبالتحديد شمال السودان لاصقا بالعمل والأعمال الأخرى القليلة التي كتبها. لذلك نأتي في تعريف الهوية لأدب الطيب صالح في المقام الأول أنه أدب سوداني، ثم نعرف بطريقة أشمل لنقول بأنه أدب عربي، أي يحمل الهوية العربية، بمحلية سودانية، هي عضو في المحليات العربية، شقيقة لمحليات أخرى من مصر والشام والخليج العربي، والمغرب العربي.

وهناك انتماء، أو هوية يحبها الأفارقة، وهي منح الأدب السوداني بطاقة انتماء أفريقي، وهذا عادل أيضا والمسألة ليست بطاقة شرف فقط، وإنما أعمق من ذلك كثيرا.

إذن في رأيي، الانتماء الأول هو الهوية الأصلية، والانتماءات اللاحقة هي هويات أيضا يمكن منحها للروائي وروايته، ويمكن سحبها في أي وقت، بعكس الهوية الأولى التي تظل هي المعيار الموصوف به هذا الأدب.

الهوية أيضا ليست مكانا أو وطنا وجدت فيه فقط، هي مفردات كثيرة جدا وعميقة، وأحيانا يصعب تعريفها حتى، ومن التفاصيل المميزة التي قد تظل عالقة بذهن الكاتب، وتشكل جزءا من هوية سرده في ما بعد، تفاصيل البيت الذي عاش فيه طفولته. وأقول بكل جدية، أن تفاصيل ذلك المكان الجغرافي من الأشياء التي لا يمكن ضياعها من الذهن، وكلما جلس الكاتب ليزين بيتا في نص يتحدث عن فترة قديمة، تجده يزينه بما كان في بيت أهله، حتى لو لم يكن هناك ترف أو تفاصيل كثيرة، لكن ما يعثر عليه في ذاكرته، وغالبا ما كان موجودا فيها.

هذا المكان القديم من آباء الهوية، ووجوده في الرواية ليس تطفلا وإنما حق مكتسب.

لقد كتبت في أوائل الألفية الجديدة نصي “مرايا ساحلية”، وكان عن طفولة عشتها في مدينة بورتسودان، كتبت فيه تفاصيل المدينة التي شاهدتها آنذاك بما فيها عمرانها وشوارعها وحتى متسوليها ومجانينها، وباعتها المتجولين. وقد ظهر مثلا مجنون مثقف اسمه عزيز، أو كنا نناديه عزيز من دون أن نعرف اسمه الحقيقي، كان يرص الكتب على الأرض أمامه، يقرأ الشعر ويقتبس عبارات حالمة من “النظرات” أو “العبرات” للمنفلوطي، يظل يرددها زمنا قبل أن يتركها ويستل واحدة أخرى من كتاب جديد، ويرددها. ظهر أيضا استيفن المشلول الذي يجلس على كرسي متحرك، ويحاول أن يبدو متحرشا بالنساء والأطفال، من دون أي مؤهلات للتحرش، وحمدة المتسولة الجميلة التي تبدو كأسطورة.

تحدثت في ذلك النص السيري عن بيتنا الذي كان من ضمن بيوت خشنة في وسط المدينة، حوالي عشرين بيتا خصصت لموظفي الخدمة المدنية الصغار، حتى يكبروا فينتقلوا لبيوت أوسع، في أماكن أخرى.

هذا البيت لم تضع تفاصيله من ذهني أبدا، وحتى حين تم هدمه وشاهدت البرج الذي نما مكانه ومكان البيوت الأخرى، منذ ثلاث سنوات، وقفت أستعيد تفاصيله. بيت صغير فيه حجرتان وصالتان، وحمامان، ومطبخ ومخزن، وحديقة صغيرة، أو في الحقيقة حوش صغير، يمكن زراعة شيء من النجيل فيه، ولا شيء آخر.

هذا البيت كان حصنا فعلا، أولا لسعة صدره وإمكان أن يحتفي بضيوف عديدين يأتون إليه، وذكرت في “مرايا ساحلية” أن أحد أعمام أمي كان يقيم معنا، وخصصت له إحدى الغرفتين والتي هي في الأصل صالون لاستقبال الزوار، لكن لأنه أقام فيها، تحول استقبال الزوار للصالة الملاصقة للصالون.

ذكرت أيضا أن أهلنا القادمين من الشمال، ليذهبوا إلى الحج عن طريق البواخر، يقيمون معنا قبل سفرهم وعند عودتهم من الأراضي السعودية، وأن شهر عسل كاملا لعروسين من أهلنا كان في ذلك البيت. جزء آخر عظيم من هوية ذلك البيت، ظهر في “مرايا ساحلية” بسبب أن بابه الرئيسي كان يفتح على مستشفى بورتسودان، من ناحية الحوادث والعيادات الخارجية، وحيث صف من الطبالي، يملكها باعة صغار، يستهدفون زوار المستشفى.

من ذلك الباب كانت الممرضات يدخلن، النساء الدلالات يدخلن، ونشأت بينهن وبين والدتي صداقات امتدت حتى سنوات طويلة. أنا حين كتبت، كنت أكتب هوية خالدة في ذهني، أكتب مكانا ملهما بمقاييس وطن ملهم.

كذلك من صفات المكان الهوية، وجود شخوص يحملون على عاتقهم مهمة إنارة درب مظلم، أو إظلام درب منير، هؤلاء سيرصدهم الكاتب، سيحمل تفاصيل وجوههم وسيحتفي بهم أو ينتقم منهم في أعماله بحسب ما يحمله في ذهنه من ذكرى، وقد يرتقي بعض هؤلاء إلى مستوى التنميط، أي أن تصبح ملامحهم وسلوكهم، ملامح وسلوك نمطية لشخصيات ستُكتب في الأعمال الروائية للكاتب.

كنا في مجتمع المدينة، أو لنقل في مجتمع الجيران، متبايني الأعراق المحلية، بعضنا من الشمال، بعضنا من الشرق، بعضنا من الغرب، وكان ثمة أقباط رائعون وموهوبون يقيمون في الجوار، ويختلطون بالجيران في كل المناسبات، والجيران يباركون لهم أعيادهم، ويعزونهم في الفقد، وهكذا. أنا حين أضع شخصية قبطي في رواية، أتذكر أولئك الجيران، أكتب شخصيتي على نمط أحدهم إن كان ذكرا أو أنثى.

كان أحدهم حدادا متفوقا، لذلك تجد ألبيرت في روايتي “366”، حدادا متفوقا أيضا. كانت سهام فتاة جميلة جدا، قبطية ساحرة، تتمايل في المشي، بابتسامة ثابتة على فمها، كما أتذكرها بعيني الطفولة آنذاك، لذلك أي قبطية حسناء كتبتها في رواية كانت مشبعة بملامح تلك الجميلة.

وكان لدينا جار، أظنه كان مهندسا، وكان أول شخص رأيته يضع رباط عنق، وكان لونه أزرق، لذلك تجد ذلك الجار البعيد، هو نمطي الروائي للمتأنقين، وأي رباط عنق ظهر في إحدى رواياتي، كان لونه أزرق. أشياء كثيرة مثل هذه كتبتها، وكان من تفاصيل هوية المكان الجغرافي، ارتقت لتصل إلى الهوية العامة للنصوص.

القدس العربي