هيڤا نبي: حصر النقد في المجال الأكاديمي جازف بسلخه عن طابعه الإبداعي

هيڤا نبي: حصر النقد في المجال الأكاديمي جازف بسلخه عن طابعه الإبداعي

الرواية نت – لندن

تلفت الناقدة والأكاديمية السورية المقيمة في ألمانيا إلى أنّ ما أفقد النقد الأدبي بريقه الإبداعي هو جرّه نحو العلمية أكثر فأكثر بحيث أنه فقد تواصله الإنساني حينما انحصر في عملياته في مقاربة القطعة الفنية وفق أدوات منهجية جاهزة دون أي تماس مع إبداعية الناقد.

وتؤكّد نبي في حوارها مع الرواية نت على أنّ النقد يمكن أن يتحول لمجال تنظيريٍ تجريدي فيما لو جازف بالجانب الإبداعي والذاتي في تقييمه للصنعة الأدبية..

كما تشدّد أنّه لا يمكن لخلقٍ إنساني أن ينمو ويصعد ويغير ويطور من نظرتنا للعالم مالم يحمل في داخله “الجرأة” و”الحرية”.

– ما رأيك بما يسود من اعتقاد لدى عدد كبير من الروائيين أنّ النقد في العالم العربيّ معدوم، أو شبه معدوم، أو أنّه ليس هنالك نقّاد، أو أنّ النقّاد يكتبون بناء على محسوبيات، وهم مستقطبون في شلل أدبية يروّجون لأعمال أصدقائهم أو مَن تربطهم بهم مصالح، سواء دور نشر أو مؤسّسات صحافية؟ 

– لا يمكن فصل النقد الأدبي عن باقي المعارف والعلوم، ولذا فتقدمهُ ونهضته في أية أمة رهينٌ بتقدم باقي المعارف. وباعتقاد العديد من النقاد العرب، فالنقد العربي، عدا قديمه، قائمٌ تماماً على إنجازات النقاد الغربيين والأميركيين. وهذا الدخيل يطرح سؤالاً مهماً عن النظرة الشرقية لأهمية النقد أساساً، ومدى أولويته بالنسبة لمجتمعاتها.

أما بخصوص انعدام النقد الأدبي، فالحقيقة هي أنه لا يمكن أن يكون النقد معدوماً في أي مجتمعٍ من المجتمعات لكنه قد يكون منبوذاً، محشوراً في الزاوية، أو تقليدياً فقير الأدوات وهذا هو حال النقد في بلادنا. وباعتقادي فإن الخطأ الذي يقع فيه الغالبية، هو اتخاذ النقد الأدبي كصدى لباقي الفنون، والحال أن النقد قد صار منذ زمن بعيد فناً إبداعياً على حدة، وهو وإن عمل على كشف وتمحيص غيره من الفنون كالرواية أو الشعر أو المسرح إلا أن أهدافه أكبر من التصويب والتصحيح والمديح، فهو فن على قدر كبير من الجدية لا يستهدف التقاط أول كتاب خارج من أفران النشر ليدرسه ويعلق عليه. هذه المهمة الأخيرة يمكن أن تكون من مهام الكتابة الصحافية ولكنه ليس من مهام النقد الأدبي الذي لم يحصر يوماً نشاطه في الحديث والجديد.

– هل ساهم غياب النقد الأكاديميّ في الصحافة، واقتصاره على أروقة الجامعات بنسبة كبيرة، في ترويج نوع من التسطيح والتمييع لمفهوم النقد الأدبي والروائيّ عربيّاً؟

– العزلة الأكاديمية لابد لعبت دوراً كبيراً في حصر المجال النقدي في قواعده، وخلقت ضبابية فيما يخص مجاله واشتغاله، لكن ليست هذه هي السلبية الأساسية له، بل ربما لا تكون سلبية فيما لو اعترفنا أن النقد الأدبي هو علم من بين علوم أخرى وهو بحاجة بالتالي لمقام علمي ولخطاب قد يصعب على العامة فهمه وتداوله بسهولة. ما أراه جديراً بالالتفات إليه هو أن حصر النقد في المجال الأكاديمي جازف أحيانا بسلخه عن طابعه الإبداعي، إذ اكتفى بالأدوات التقليدية للتحليل والمقاربة بعيداً عن الحرية الفردية والإبداعية التي يمكن أن ينقلها النقد لمجاله كفن وللفنون الأخرى التي يدرسها.

وفي رأيي لم يكن النقد الأدبي في شرقنا يوماً نقداً قريباً من الناس والقرّاء خارج التخصصات. أي أن مسيرته لم تتضمن انفتاحا ثم انحسارا، إنما كانت على الدوام شأناً أكاديمياً أو جامعياً يهتم به أصحاب الاختصاص دون القراء العاديين. ومن هنا نشأ برأيي نوع من الضبابية عن ماهية النقد وعمله.

– لاحظنا في سلسلة حوارات الرواية نت مع عدد من الروائيين والروائيات العرب تقاطع معظم الإجابات عن غياب النقد الروائيّ، أو تهميشه لأعمالهم أو قصوره عن متابعتهم، أو بقاء النقد اسير شلل ومجاملات ومحسوبيات، وأنّ أعمالهم لم تنل ما تستحقّ من نقد.. ما رأيك بهذه الآراء؟

– لا أعتقد أن ثمة نقداً يمكنه أن يتابع هذه الغزارة الإنتاجية للأدب وللرواية تحديداً. عداك عن الضعف في المشروع النقدي العربي أساساً. وفي هذا لا يكون النقد وحده ملاماً، فالحركة النقدية تستمد وجودها من حرية التعبير والفكر التي لاتزال تصارع وجودها في بلداننا.

أما نفاذ المحسوبيات والمجاملات إلى المجال النقدي فأعتقد أنها حقيقة لا يمكن إنكارها أدت إلى سلخ المجال النقدي عن رسالته سواء بمحاربة جديته والتزامه أو بتجاهله ببساطة بالاستفادة من مكاسب عدم المجازفة.

– ما أسباب تحامل أغلب الروائيّين على النقّاد، واعتبار إبداعهم النقدي قاصراً أو تابعاً للإبداع الروائيّ؟

– أعتقد أن ثمة هناك فكرة قديمة وباهتة عن النقد الأدبي لازال البعض من الروائيين يؤمن بها، وهي فكرة أن النقد يستهدف الانتقاص من الكاتب أو من كتابه أو أن مهمته لا تتعدى شرح وتفسير ما قاله الروائي. والحال أن النقد فيما لو كان مديحاً على طول الخط يكون قد أخلف في رسالته وساهم في تسوية الجيد بالرديء. والنقد حال غيره من الفنون يحتاج لجرأة كبيرة قد لا يمتلكها الكثير من النقاد لأسباب شخصية أو عملية او اجتماعية. لا يكفي أن يضيء النقد بتحليلاته الجوانب الإبداعية لعمل ما، أن يدرس ويحلل ويقارن ويفكك البنى، بل عليه أن يتخذ موقفاً تسوغه نظرة عامة لما يمكن أن يحمله الأدب من تقدم وانفتاح في المجتمعات. على النقد الجاد أن يترك بصمته بجرأة واضحة في مسيرة الأدب وأن يكون متفاعلاً لا شارحاً أو تابعاً.

لا يمكن تبرير هذا التحامل إذاً فيما لو تحدثنا عن النقد بشكل عام. إذ ليس النقد نقداً إن تكلم دون المساس بالعمل الأدبي، إن لم يُظهر مناحي الضعف والخلل في الصنعة أو الموضوع الفني. وهذا الأمر، فيما لو تم، يؤدي لتضارب وصراع قد لا يجد أحد من الطرفين، النقاد أو الروائيون، قدرة لهم على احتماله ودفع ثمنه. إلا أن هذا الصراع لا يمكن أن يغير من فحوى العملية النقدية، فالنقد الحق هو تفاعل وسؤال وتصادم ورأي وبناء.

– هل حلّ العرض الصحافي السريع، أو القراءات الانطباعية الصحافية، محلّ النقد الروائيّ في العالم العربيّ؟

– إن عصر السرعة فرض تغييراً كبيراً في طريقة تناولنا للكثير من المعارف وليس النقد الأدبي بعيداً عن التأثر بهذا التغيير. إن العصر الحالي هو عصر القارئ والقارئ لا يفترض به أن ينتمي لجهة أكاديمية أو نخبوية. لذا فحين يقوم القارئ بدوره في عصرنا هذا سواء في الكتابة الصحافية أو مواقع القراءة أو التواصل الاجتماعي فلا بد أنه يلعب دوراً مهماً في دفع الجانب النقدي والتعريف بالأديب وحتى باستحقاقات الجوائز.

وسؤال إحلال القراءة الصحافية محل النقد الأدبي أجده سؤالاً في غير محله. ذلك أن لكل واحدٍ منهم مجاله. فالنقد الصحفي يلعب دوراً مهماً في التعرف على الأعمال الأدبية من خلال دور تعريفي وتسويقي للإنتاج الأدبي وهو دور فاعل لابد منه لكنه لا يمكن أن يقوم مقام النقد الأدبي المعمق.

وبرأيي ما أفقد النقد الأدبي بريقه الإبداعي هو جرّه نحو العلمية أكثر فأكثر بحيث أنه فقد تواصله الإنساني حينما انحصر في عملياته في مقاربة القطعة الفنية وفق أدوات منهجية جاهزة دون أي تماس مع إبداعية الناقد. فالنقد يمكن أن يتحول لمجال تنظيريٍ تجريدي فيما لو جازف بالجانب الإبداعي والذاتي في تقييمه للصنعة الأدبية وهذا ما تسمح به الدراسات النقدية الأكاديمية حين تصب هدفها على السير وفق خطط النقد ومناهجه متجاهلة أهمية اللمسة الإبداعية للناقد في فتح الأفق أمام تحريك المجال النقدي وحيويته.

– هنالك كمّ كبير من الأعمال الروائية تصدر كلّ سنة، هل بات الكم سمة طاغية على حساب النوع؟

– هذا مؤكد، لكن لا يعني أنه سلبي تماماً. لابد أنه كُتبت في كل الأزمان أعمالاً جيدة وأخرى رديئة، وبينما اندثرت الأخيرة استمرت الأعمال الجيدة في صعودها وتلقفها النقاد لا لشيء إلا لأنها حافظت على تجددها ولم تفقد رونقها الابداعي مع الوقت. إلا أنه مع الغزارة الإنتاجية، فإن جزء كبيراً من المسؤولية ملق على عاتق دور النشر. إذ أن ضوابط الكتابة الإبداعية وأعمال التحكيم التي يمكن لدور النشر أن تقيّم بها الأعمال المطروحة للنشر تلعب دوراً مهماً في عملية الفرز. ومؤكد أنه إذا ما كان بإمكان الجميع النشر بلا ضوابط فإن هذا سيؤدي إلى انحسار الأعمال القيّمة يوماً بعد يوم.

– إلى أيّ حدّ لعبت الجوائز المخصّصة للرواية دوراً في تشجيع الكُتّاب للتوجّه إلى حقل الرواية؟

– لا أعتقد أنه يمكن حصر صعود الرواية بالجوائز فحسب. الرواية هي أبرز فنون هذا العصر في كل أنحاء العالم. وتراجع دور المسرح أو الشعر حتى في الدول الغربية شيء لافت للنظر.

– ما الذي تودّين توجيهه للروائيين والقرّاء؟

– يمكننا أن نكتب على الدوام، ويمكننا أن نقرأ على الدوام. إلا أن نوعية كتاباتنا ونوعية قراءاتنا هي التي تُحدث الفرق في نفوسنا وفي مجتمعاتنا. وسؤال النوعية يتجسد عندي في كلمتين: “الجرأة” و”الحرية”، إذ لا يمكن لخلقٍ إنساني أن ينمو ويصعد ويغير ويطور من نظرتنا للعالم مالم يحمل في داخله هاتين البذرتين.