صدور «التجديد الفني في الرواية السورية» للدكتورة نوال الحلح

صدور «التجديد الفني في الرواية السورية» للدكتورة نوال الحلح

عمّان ـ تتناول الباحثة السورية د.نوال الحلح في كتابها الصادر حديثًا «التجديد الفني في الرواية السورية» ملامح التجريب في الأعمال الروائية السورية التي صدرت بين العامين 1990 و2010، وتحلّل قدرة كُتّابها وكاتباتها على الابتكار وتجاوز الأساليب الفنية السائدة قبل ذلك.
وترى الحلح في مقدمة الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» في 268 صفحة، أن الغاية الرئيسية التي توختها في عملها هذا هي: «اكتشاف مدى قدرة التجربة الروائية على خلق مناخ روائي قلق ومتوتر ومشحون بهموم الهوية والمصير والحرية، وبأزمات الإنسان العربي المعاصر». ومن ذلك معرفة إلى أي مدى امتلكت الرواية السورية خلال الفترة المذكورة أدوات تقنية مكنتها من بناء أفق جمالي مبتكر يجمع بين وضوح الفكرة وعمقها من جهة، ومتعة التلقي عند القارئ من جهة مقابلة.
وتشدد خلال مقدمتها على موضع الذائقة، جاعلة من هذا المقياس منطلقًا للتحليل واتباع منهجية تهتم بتفاصيل الأعمال وجزئياتها التي تجعل النص ممتعا ومدهشًا عند القارئ والناقد على حد سواء.
وجاء العمل في خمسة فصول، تناول الفصل الأول منها «إرهاصات التجديد الفني في الرواية السورية قبل العام 1990»، لا سيما في الروايات الصادرة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وذلك عبر تحليل آفاق هذا التجديد وصراع التأصيل والتغريب فيه. ورأت الباحثة فيه أن عقود الإحباط والهزيمة والعسف السياسي والديني والاجتماعي، هذه كلها أنتجت أدبًا قلقًا مثقلًا بالسياسة والخوف من الرقابة، وهو أدب ظل مسكونًا بهاجس الالتزام رغم ما اكتنفه أحيانا من استخدام تقنيات فنية جديدة في مظهره العام.
وتناول الفصل الثاني «التجديد في استخدام الزمن الروائي» من خلال عناوينه الرئيسية التي شملت: «تكسير الزمن إلى لوائح زمنية»، و«تحييد الزمن وتجميده»، و«التناسخ والتشابه اللانهائي في الزمن الدائري». وأشارت الباحثة فيه إلى أن غالبية الروايات التي تناولت الزمن بطريقة تجريبية، قد كتبها روائيون متمرّسون بفن كتابة الرواية، وأن هؤلاء الروائيين لجؤوا إلى التجديد في البنى الزمنية بعد أن مرَّ عليهم زمن طويل من الالتزام والتعامل مع الزمن بطريقة تقليدية.
أما الفصل الثالث فتناول موضوع الغرائبية والعجائبية، عبر تعريفه وتمييز عناصره أولًا، ثم رصد تطور العلاقة بين الواقعي والمتخيل، والطريقة التي يُوظَّف بها الغرائبي في رصد الواقع والتعبير عنه. 
ثم جاء الفصل الرابع الذي كان موضوعه اللغة، فتطرق إلى التجديد في استخدامها، وخصائص نسيجها وتنوعها وتداخل الأجناس فيها، وتوظيفها في السخرية والتهكم والحوار. ورأت الباحثة أنه كان للرواية العربية والعالمية تأثير مهم في توجيه الروائي السوري وتحديد خياراته اللغوية بعد اطلاعه عليها، وذلك بسبب الانفتاح على العالم بعد ازدهار وسائل الاتصال المرئية والمكتوبة والمسموعة في الربع الأخير من القرن الماضي؛ وقد ساند هذا الانفتاح انتشار الكتاب بين أيدي الناس وازدياد عدد المتعلمين.
بينما تطرق الفصل الخامس إلى حوار النصوص، وحلَّل حضور التناص في الرواية السورية، والآراء النقدية التي تتناول النص الروائي، وتعرية السرد الروائي للرواية ذاتها، ثم موضوع العتبات النصية التي هي مداخل النص الأدبي وأبوابه التي يمكن من خلالها الولوج إليه.
واستعانت الحلح بأكثر من عشرين رواية لسبعة عشر كاتبا وكاتبة من سورية في دراستها، ورأت أن كل نص أدبي هو ثمرة الموهبة والخبرات التي يمتلكها كل كاتب، كما أنه يمثل ثقافة الكاتب الخاصة التي تصهر تجارب الآخرين في بنيان عمله الروائي، وتسهم في تفرّد أسلوبه عمَّن سواه. واعتمدت في سبيل ذلك على أسلوب التحليل والمقارنة للوصول إلى ما أسمته «طرائق إيصال المعرفة المقنَّعة بثوب السحر الأدبي، وآليات إثارة تلك الدهشة الممتعة التي يوصلها الأدب إلى المتلقي». وأشارت إلى أن هذا الأسلوب يمكّنها من استنطاق الأعمال لبيان الجديد والمختلف الذي جاء به التجريب إلى الرواية السورية.
وأكدت المؤلفة في الخاتمة أن التجريب يعني تجاوز التقاليد الروائية السائدة التي لا تكون قادرة على إثارة اهتمام القارئ ولا تتسع لإشكاليات الإنسان في هذا العصر. وأشارت إلى أن قيمة روايات التجريب تكمن في إنجازها الفني الذي يحاول رفد المعرفة بالمتعة ضمن شكل جمالي يحمل خصوصية الروائي ويميزه عمّن سواه. 
وأوضحت أن رواية التجريب السورية حاولت تقديم المضمون المختلف عن المضمونات التقليدية التي كانت تدور في فلك الرواية الآيديولوجية أو التاريخية أو الرومانسية، ضمن أشكال جديدة غير خاضعة للمواضعات التقليدية؛ وهو ما يؤكد أن الفن الروائي فن مشاكس لا يرتهن إلى التقليد بل يستمر في التشكل عبر التجريب المستمر، فتمتنع الرواية بنتيجة ذلك عن الركون إلى شكل نهائي سلطوي مفروض عليها.
ومن الجدير ذكره أن الباحثة السورية د.نوال الحلح حائزة على شهادة الدكتوراه في الأدب الحديث، لها دراسات نقدية منشورة في مجلات محكمة، وهي تقيم في باريس وتحاضر في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية هناك.