اعترافات تولستوي: إيمان البسطاء المعنى السامي للحياة

اعترافات تولستوي: إيمان البسطاء المعنى السامي للحياة

أمين غانم 

كمسافر يثب ويجفل من وحش برّي يطارده، لجأ لبئر لا ماء فيها، ولسوء حظه لم يكد يدخل البئر حتى رأى تنيناً ضخماً فاغرا  فاه يربض في القاع، فما كان منه إلا التعلٍق بغصن شجرة نابتة بأحد شقوق البئر، وحين أخذ منه التعب ظل ينظر إلى جذع الشجرة رأى جرذين، بلونين مختلفين، أبيض وأسود، يدوران حول الجذع ويقضمانه بهمة عالية، ومن وسط المصير المحتوم لمح نقطتي عسل على واحدة من أوراق الشجرة، ومدّ لسانه وشرع يلحسها ناسياً كل شقاءه.

بتلك القصة الشرقية القديمة اختزل ليون تولستوي الصورة القاتمة لنهاية حياة كاتب وشاعر عظيم، كضال وتائه لم يجد بداً من البحث المضني عن معنى حقيقي لحياته، وكأن القوة والصحة هما الحاكم الجوهري لرؤية الإنسان للوجود.

هكذا وجد الرجل نفسه في مواجهة الموت، كمن بات عليه الاِعتراف بعبثية كل مامر من حياته بلحظة واحدة:

لقد كتبت بغية كسب المال والشهرة، وتعمّدت أن أظهر عيوب شخصياتي وزلاتها مدارياً محاسنها طمعاً بكسب صداقة دور النشر.

الآن ذهب سحر الفن، وتحولت حياتي وشهرتي لوبال بائس، لعق العسل لا يلذ لي اليوم، هل أموت كما يموت الجاهل؟ فما قيمة حياتي، وما الذي سيبقى بعد مماتي؟.
صحوة دفاقة تنبثق من قاع اليأس والسكون، فمن بدأ حياته بالسعي على توعية الفلاحين والعمال وفتح مدارساً لتعليمهم بغية تمكينهم من الحرية الكاملة ومالبثت الكتابة والشهرة أن صعدت به مرة أخرى لتخوم الطبقة الراقية، وبعد زواجه غدت كل غايته العمل على رفاهية وسعادة عائلته.

فكرة الموت بددت غمار الفن والشهرة، وتحوّلت المعرفة المبنية على العقل لمحض شر وشقاء لايطاق، أشبه بخدعة باتت الحياة بنظر من تعذر عليه المضي حتى النهاية بنفس المنهج والمنطق المتماسك.
لحظة الفقدان لايخفف من آلامها إلا فهم حقيقة الحياة والخلود بعد الموت؟ هكذا استدعى تولستوي آراء من التراث الإنساني، اِبتداء من الحكيم الهندي سيكاموني وسليمان وشوبنهور، استجلاء بصيص أخير لاستشفاف المعنى السامي للحياة؟ لكن لا أحد يستطيع السير خلف ملذات الحياة لاسيما بعد معرفته بمصائبها كالشيخوخة والمرض والموت، والإرادة المفقودة لم تفض به إلا للتفكير بالانتحار، لكنه لم يصل للمستوى الذي يفقد عنده الإنسان السيطرة أفكاره المتواترة، لهذا واصل البحث والتقصّي وحين اهتدى لفكرة الإيمان سرعان ماتلاشت قناعته بمجرد رؤيته لحياة المؤمنين من طبقته الراقية ووجدها مشابهة لحياته تماما، فإيمانهم يظل وسيلة لتحقيق غايات ذاتية.

هكذا عاد ليون تولستوي في نهاية حياته لطبقة الفقراء والمعوزين مرة أخرى، عودة الخائب الخاسر، المترجّل من صومعة العقل والنظريات الوضعية، لم تعد حياته مشابهة لهناء فرخ سقط من عشه فجأة ووجد سعادته في التقلب على عشب الحقل، ثمة إرادة كلية وغير مدركة تحكم الحياة والكون، فالصدفة هي الأخرى لا تقوى على تسيير متناقضات وجود غير محدود.

لقد وجد في إيمان البسطاء والمعوزين رغم تداخله مع الخرافه، كل ما يحتاجه المرء للرضا والسكينة، هو المعنى السامي الذي نحتاجه، إيمان يمنحهم التماسك والصبر ويبعد عنهم كراهية الحياة والانتحار.
المعرفة لا تُبنى على عقل، بل على إيمان وتسليم داخلي، هكذا نمضي مع الحياة دون الحاجة لتمرد وشكوك، وشرع في أداء الصلوات والصوم، ولم يجد غضاضة بترديد عبارات مقدسة وغير مفهومة، درس علم اللاهوت، وانغمس في ممارسات وطقوس لطالما تمرد عليها بسنوات حياته (لعدم استيعابها فكرياً) باتت في نهاية المطاف ملاذاً لروح استبدت بها آلام لفشل تحقيق الذات ضمن وجود غير محدود، وكل محاولاته أضحت مجرد مسعى فردي مهمل ضمن فسيفساء  كونية هائلة.

أشبه بصراع الروح مع الجسد المعتل باعتباره كما يقول (الجانب الرديء من عقيدتي) وكما وصفه سقراط بالوجود الزائل، نهاية صادمة لمن حاول التوفيق بين العلوم التطبيقية و النظرية، ضرب من التوق للامتلاء بالروح الهانئة، عبر إيمان البسطاء والتخلّي عن العقل والتمرد، كما حدث في النهاية لمواطنه فيدور دوستوفيسكي ومن بعدهما البيركامو واريش ماريا ريمارك وكازانتزاكي وغيرهم، فالحياة المتناقضة الفاقدة للإرادة الذاتية قذفت بأسئلتهم المصيرية في نهاية حياتهم إلى أتون التنكر لكل ما جهدوا في تفسيره وتأويله.

تمرد تلستوي على ماضيه وعلى فنه أشبه بعودة حتمية لرؤية أفلاطون العدوانية للفن حين اعتبره فانتازبا كاذبة تسعى لإمتاع الجزء الأنوي الأحمق، ليبق الإنسان الساعي للأمان والرضا عن النفس أكثر عزلة وشقاء، وهذا ما فعله الشاعر والكاتب العظيم في نهاية حياته:

وجدت نفسي محمولاً للتسليم بأن وراء المعرفة العقلية التي كنت أعتقد بها، وجد ويوجد نوع آخر من المعرفة لا سلطان للعقل عليها، هو الإيمان الذي يساعد الناس على الغبطة في الحياة.