الصراع على الأرض في “يوميّات يهودي من دمشق”

زياد الأحمد

لا شكَّ أنّ روايةَ “يوميّات يهودي من دمشق” واحدةٌ من شواهد دخول الشخصية اليهودية إلى الرواية العربية بنمطيّةٍ ورؤية جديدةٍ؛ وبدءاَ من عنوانها، كما أنّها من شواهد تحوّل الرؤية النمطيّة لتلك الشخصية وتقديمها كجزءٍ من مكوّنات المجتمع العربي، ولكن وبعكس ما يوحي به العنوان ليست الروايةُ خاصةً بالشخصية اليهوديّة، فهي ليست إلا فرداً فيها؛ له خصوصيته وينتمي لواحدة من ثلاثة مكونات دينيّة للمجتمع الدمشقي، الذي مرّت على التعايش الدينيّ فيه بين المسلمين والمسيحيّين واليهود آلاف السنين.

وتقدّم الرواية موازاةً غيرَ مباشرةٍ ليس بين أصحاب تلك الأديان وتباين معتقداتها ومدى الانتماء لها فحسب، بل في اختلاف درجة تلك الانتماءات وطرق فلسفتها بين أبناء الدين الواحد.

فاليهودي إخاد الذي يجنحُ إلى رؤية إسحاق لوريا والصوفية اليهودية التي ترى أنّ لليهود كل الأرض؛ يقابله ليندا اليهودية والتي لم تكن يهودية كفايةً. ومحمد شوق المتطرف الإسلامي إلى حد تهمة الإرهاب يقابله إبراهيم المنعتق إلى عالم خاص به يصنعه على هواه. أما المسيحية فيمثل الطرفان فيها الأب نجيب سركيس مقدسي الذي تحول من صبي أزعر إلى راهب اعتزل اتساع الدنيا في صومعة ضيقة، وكذلك تقابله راحيل اليهودية التي وهبته حياتها.

الرؤية السردية للشخصيات: في النص رؤيتان متقابلتان للحياة تسعى كل منهما للفوز بها، الأولى تسعى للسيطرة عليها لتكسب جنتها في مكان آخر ليس عليها، والثانية تريدها لتجعل جنتها عليها

  1. الحياة من أجل جنة أخرى: وتتجسد في رؤيتي إخاد ومحمد شوق.

وتبدأ الرواية على لسان اليهودي:

لم تكن تلك الأرض تعني لي الكثير، ولكنهم يتحدثون عنها في البيت، وفي مكان الصلاة وفي نشرة الأخبار، ليس مهماً الآن استعادة تلك اللحظات، وكيف تم اكتشاف أن هذه الأرض لها معنى آخر …. 

وتشكل تلك البداية مرتكزا دلالياً مكثفاً وحاضنة تتمدد معانيها عبر النص لتتكشف من خلالها شخصية اليهودي إخاد وأفكاره، فنلاحظ استعماله أسماء الإشارة، وخاصة كلمة (تلك الأرض) (الهناك) ليكني بها عن إسرائيل التي لا يلفظها إطلاقاً على امتداد الرواية، دلالة على أنها لا تعني له شيئاً كما يصرح لنا:

“سأقترح عليك يا إبراهيم، لم لا تقرأ شيئا من تاريخ إنشاء تلك (الهناك) التي أشعر أنها لا تخصني” … ص 91

   وتستمر الرواية في رسم شخصية اليهودي من خلال ما يرويه لإبراهيم.  فهو يسكن مع أختيه زينب وراحيل بعد وفاة والده الذي كان يحلم بالهجرة إلى إسرائيل؛ في بيت تم فيه قتل توما الكبوشي، وتقطيعه لفطير صهيون، ويرفض مغادرته إلى تلك (الهناك)، وكلّ مكان غير حارته اليهودية وبيته الذي تغوص أساساته خمسة آلاف عام في التاريخ هو بالنسبة إليه (هناك)

وهذا البيت بنظره هو الأحقّ بحُكم قِدَمه أن يكون أولَ بيت لرئيس سورية، وليس بيت محمد علي العابد الذي وفدت أسرته إلى دمشق في القرن الثامن عشر. وتتضح رؤيته تلك من خلال مقارنات بين البيتين تمر عليها الرواية بإسهاب.

وقد يتبادر إلى الذهن أنّ إخاد تتغلب دمشقيّته على يهوديته، ودولة إسرائيل، لرفضه الرحيل إليها لكن اعترافاته ستقول إنه أكثر تطرفا من أهله ومن اليهود الذين هاجروا، ولكن له قناعاته ورؤيته الخاصة في المسالة اليهودية:

“أنا لا أريد السفر لأنني لا أعرف لماذا عليّ أن أسافر قد تظن أنني أكثر تطرفا من أهلي، ولكن هذه هي الحقيقة، هنا وهناك مكان واحد يا إبراهيم، يقولون أرض مقدسة هناك، ولكن هل هذه الأرض ليست مقدسة؟” ص 12

ونفهم بعدها منه أن كل الأرض هي ملك لإيليا الذي لم يكن من تراب الأرض بل هو من شجرة الحياة، وبالتالي فإن أي أرض هي مقدسة عنده، وتتوضح رؤية إخاد أكثر في قوله:

“إنسان الشرق الأوسط الجديد يجب أن يكون يهودياً ربما تبدو هذه الفكرة عنصرية ولكن ببعض التفكير المتأني ستقودك الملاحظات إلى إسحاق لوريا والحلولية الكمونية الواحدية وهي رؤيتنا للواقع.” ص 70 

ومنه هذا اليهودي مؤمن “بدعوة الصوفية اليهودية التي انفتحت كدعوة كبرى لها كلّ الأرض وسيصبح الكوكب كلّه ارض الرب ص 72

كما أنه ليس مؤمنا بفكرة التعايش مع المجتمع العربي المتخلف، ويرى في نموذج شحاته هارون اليهودي المصري الذي قال: لن أغادر مصر ولو قطعوا رقبتي ووقف ضد الحركة الصهونية، يرى في فكره هذا رومانسيات واغتسال من دنس مسبق في الذهن:

 “هذه رومانسيات لن يفيد الانخراط في النسيج العربي المتخلف ولكن المهم خلق فكرة جديدة للأطراف كلها” ص 77

ويقابل شخصيةَ إخاد بفكرها اليهودي الجديد شخصيةٌ إسلامية تدعو للفكرة ذاتها من منطلق الإسلام؛ هو محمد شوق نيازي أبو المحجن الذي كان يحلم بأن يكون إماماً لمسجد صغير، وتشاء الأقدار أن تورثه عن طريق زوجته التي وهبها له أحد المحسنين أموالاً تكفيه لأجيال قادمة، لكنه كان زاهداً في الدنيا ومتاعها، فاستثمرها للدعوة لدولة الإسلام التي يجب أن تعمّ الأرض عن طريق تنظيم القاعدة، وتحول إلى ممول للإرهاب في العراق ثم أصبح مطلوباً لقوات التحالف.

وقد قدمت الرواية تحوله الفكري من خلال صفحات طويلة مأخوذة من كتب التراث كان يقرؤها عن ظهر قلب وخاصة عن الشخصيات اليهودية كموسى بن ميمون الذي كان يرفضه، في بداية تطرفه، ثم نراه متحمساً لجعله مفكراً إسلامياً كما ماركس اليهودي يعرف بالمفكر الغربي، وحين يسأل عن سر هذا التحول يقول:

 انا أؤسس لفكر دعوي جديد ص 64

ويتم ذلك بمساعدة إبراهيم له على التحول من شكل رجل ينتمي إلى القرن الأول للهجرة إلى رجل عصري، يرتدي بدلة من تصميم بيير كاردان وليعيش في مرحلة ما بعد الحداثة، يتردد حتى على الملاهي الليلية حيث الصبايا والشباب والنساء والمفاتن يجالس الممثلات والفنانين ويعرض عليهم دعمه المادي والمعنوي ويشرب البيرة ويطرح شعاره الجديد:

لا يمكن التعبير عن العقيدة إلا في حالة التمكين والهيئة الشرعية من ظواهر العقيدة ولذلك فإن تبيانها في حالة عدم التمكين هو تعريض لها للأذى والإهانة” ص 115 

ثم نسمع فتواه المعاكسة لما كان عليه يوم كان يموّل السيارات المفخخة في العراق يقول:

“أفتيت بعدم جواز الاشتراك بالأحداث العراقية هذا شأن يخصهم وجهادنا يكون في مظاهر أخرى من حياتنا”

وحين يسأله شخص من مريديه:

  • مولانا ما حكم التعامل مع الذين كفروا سواء من أهل الكتاب اليهود والنصارى أم من غيرهم

يقطب محمد شوق حاجبيه ويجيب بصوت رخيم دون أن ينظر حتى إلى من طرح السؤال: من أنت حتى تقول الذين كفروا؟ من أنت حتى تسمح لنفسك بتكفير الناس؟ لا يحق لمسلم أن يكفر مسلماً ولا يحق أيضاً لأحد أن يتهم الذين أوتوا الكتاب من اليهود أو النصارى بالكفر، إنهم مثلنا ولكنهم على دينهم … ص 132

والغريب في عقيدة محمد شوق، ليس التحول فحسب بل الانزياح عن ثوابته القديمة والتي من أجلها طلّق الدنيا ومتاعها إرضاء لله ورسوله؛ إلى زاوية مقابلة يكاد فيها أن يفتري على الله ورسوله وذلك حين راح يقنع إبراهيم بادعاء النبوة الكاذبة حين سمعه يقول: ستنفتح كل الحدود وتعود البربرية، ربما كان تصورهم عن العالم الجديد يلتقي مع التصور القديم عن العالم في آخر الدائرة، قبائل وأديان وتماثيل كل ذلك يتجاور..

فيقول له محمد شوق:

    – “أنت نبي لم لا تفعل شيئاً

  • كيف شيئاً مثل ماذا؟
  • لا أعرف دعوة أو رسالة أو أي شيء

ثم يقول يا إبراهيم لم لا تكون نبياً؟ صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نبي بعدي ولكنه لم ينكر أن يكون هناك أنبياء كذابون كن نبياً كاذباً

صدقني سنستفيد من ذلك جميعنا ساجد موضوعاً جديداً، وستصنع ظاهرة يمكنك اللجوء إلى الولايات المتحدة أو إلى بريطانيا مثل سلمان رشدي لعنه الله وبعدها سنجد حلاً “ص 124

ولكن شخصية أبي المحجن لم ترسم بالعمق المطلوب الذي رسمت به شخصية إخاد

وتحوله العقيدي لم يكن مقنعاً، فهو ليس أكثر من حجر شطرنج في كفّ إبراهيم:

 “انتبه علينا أن ننقلك إلى مربع آخر في الرقعة” ص 115  

وكما جاء تحول أبي محجن غير مقنع كان تحول آخر للشاب المسيحي الأزعر في حارات دمشق إلى راهب في صومعة وهو الأب نجيب سركيس مقدسي المتوحد والمعتزل الحياة في غرفة القديمة منذ عودته بعد حرب 67 من أرض الرب والحرب والخراب تاركا راحيل التي كانت تنتظره.

وهكذا نجد أن إخاد ومحمد شوق وجهان للتطرف اليهودي والإسلامي وكل منهما يحاول التغيير في إيديولوجياته العقيدية، رغبة منه في امتلاك الأرض والسيطرة عليها لإرضاء الرب والفوز بجنته التي في السماء.

الحياة من أجل جنة عليها:

 يقابل كلا الطرفين إخاد ومحمد شوق ومن طائفته ذاتها شخصيات تحاول الانعتاق من كل تلك الانتماءات إلى عوالم أخرى قوامها الحب والمتعة والارتواء من الملذات الدنيوية؛ ويتجسد هذا في شخصيتي إبراهيم المسلم المقابل لمحمد شوق، وعشيقته ليندا اليهودية المقابلة لإخاد.

  فإبراهيم يقول محدداً مدار عالمه: إنني سأبقى في المدار ذاته أحب وأشرب وأكتب وأرسم ما أكتبه. ص 96

وكان يأتي بعشيقته ليندا إلى غرفة أبي غازي التي يستأجرها هو ومحمد شوق طالب الشريعة الإسلامية، ليرسم جسدها بقصائده. وليندا كانت يهودية إلى درجة أنها لا تستطيع إدخال الخيط بالإبرة يوم السبت، ولكن علاقتهما تتطور لتصل إلى معادلات معقدة كما يصفها أبراهيم:

“وصلنا إلى معادلة معقدة ليندا وأنا فهي لا تستطيع ان تتجاهل أنها يهودية محترفة وفي الوقت نفسه تعتبر أنني مسلم فائق ومتطور، وأظن انها لم تكن يهودية كفاية بل كانت مزيجاً من صبايا الأندلس المختلطات بمذاهب عدة وثقافات مختلفة”       ص 96

ويصفها إبراهيم بعد عودتها من زواجها الفاشل إلى مدينتها دمشق التي تسمي أي مكان غيرها (هناك) على طريقة إخاد:

ليندا تضيع بين التشكيل المديني لدمشق ليست يهودية الآن وليست شيئاً آخر

 ص 127

 ومن انتماء هاتين الشخصيتين تولد شخصية ثالثة تعبر عن امتداد رؤية الكاتب لعالم جديد يمتد وراء عوالم التطرف والانتماءات، هو عالم حب بلا قيود يحلم به إبراهيم وذلك من خلال شخصية الصحفية نور عشيقته بعد ليندا والتي لا ينسبها إلى أي دين، فنور عالم من الحب والرقص والموسيقا والفودكا

” نور ترقص باليه الماء وترقص من جديد ومن أجلي تخرج من الحوض بقطراتها التي تنهمر من جسمها الذهبي إلى كأس الفودكا مباشرة ثم تعضّ قرص الليمون وتقترب بشفتيها وبعينين مغمضتين ص 117

ومن قوله بعينين مغمضتين نلمح انتماء نور إلى يريد طمس كلّ قيود المرئيات التي تشله.

 ويقرر في نهاية الرواية ما يؤكد استمرارية هذا العالم وانتصاره على عوالم التخندقات الدينية الضيقة:

سيذهب كل شيء وتبقى ساقا نور تدوران كبجعتين على الماء ص 143

وهو العالم ذاته الذي دفع إبراهيم إليه محمد شوق، والذي رأيته دفعاً وتحولاً غير مقنع، ويعترف إبراهيم بذلك متخذا صفة الروائي في النص بانه قد صنع تلك الشخصية ورسم تحولاتها، ليرسم من خلالها عالمه المأمول، كما يقرر اختفاء عالَمي التطرف بسلطة الروائي تلك؛ حين يقول: إخاد سيختفي الآن والشيخ المتحول سيختفي ..” ص 137

وبعد اختفائهما يلمح الكاتب إلى عالم يصلي فيه الجميع معاً مرددين أغان للحياة، فحين تسأله روبن الصوفية في غابات سياتل: هل تصلي معنا، يسألها كيف تصلون؟

  • “نمسك أيدي بعضنا البعض ونقول بعض الكلمات ثم نغني للحياة
  • أصلي معكم
  • ولكن معنا يهوداً ألا يزعجك ذلك
  • نعم لا يزعجني أعرف من لغتي القديمة أن الصلاة هي الدعاء والدعاء هو التمني لا أكثر، لا مشكلة.

وثمة إشارة عابرة لانتصار عالم الحب الذي لا ينتمي إلى دين، واختفاء من يريدون خنقه؛ تتمثل في اختفاء نجيب سركيس مقدسي الذي هجر الحياة والحب الذي يناديه والمجسد في شخصية راحيل اليهودية التي قضت عمرها تنتظره، ولكنها انتصرت عليه في النهاية حين زارته في صومعته واستطاعت الحصول على جسيمات منوية منه كرمز لاستمرارية الحب الذي رهنت حياتها له.

خلاصةً يمكن القول: إن الرواية استطاعت من خلال تلك الشخصيات أن ترصد وجهان متقابلان للنفس الإنسانية ورغبتها في امتلاك هذا الكوكب؛ الأول ينطلق من عوالم الانتماءات الدينية الضيقة يهودية أم إسلامية أم مسيحية والتي تدّعي أنها ستملأ الكون وتسيطر عليه، رغم تقوقعها الفكري المتعصب، والثاني ينطلق من اتساع هذا الكون للجميع دون انتماء إلا إلى الإنسان وما يحقق سعادته، ومن خلال هذين الوجهين تبشر برؤية جديدة تتلخص باستمرارية عالم أوسع وأشمل هو عالم الحب اللامتناهي واللامنتمي لأية رؤى مسبقة.  

Related posts