وليد السابق يروي وقائع جريمة متوهّمة

وليد السابق يروي وقائع جريمة متوهّمة

منال عبد الأحد

­­          يجمع الكاتب السوري وليد السابق في عمله الروائي الأول “أصل العالم” (دار الآداب) الكثير من المصادفات التي تتكوَّم في ما بينها لتشكّل عقدة الرواية. فيوسف، بطل الرواية، يتعرَّض لمحاولة سرقة يصبح معها قاتلًا إثر محاولته الدفاع عن نفسه، إلا أنه على ثقة بأن أحدًا لن يصدقه. يتمكّن بصفته حارسًا لمقبرة البلدة من انتحال صفة ميت آخر فاحش الثراء كان قد قضى نحبه في اليوم نفسه، فيفرغ الجثة من الصندوق ليلًا بعد انتهاء مراسم الدفن ويضعها على كرسيه بعد أن يبدل هيئتها وملابسها؛ ويلوذ بالفرار.  

يتّجه الكاتب هنا إلى توسيع دائرة حبكته لتشمل زوجة الفقيد أو المرأة شبه العارية (يحتفظ لها بهذا الاسم على امتداد الرواية) ويواظب يوسف على زيارتها داخل قصرها في المساء قبل مغادرة القرية وبعدها من دون أن يخشى مخاطر تلك الزيارة.

أمور كثيرة تتشعب وتتداخل لتجعل من الرواية مادة دسمة يحاول قارئها التقاط أنفاسه كلما راح يعدو ليواكب سير الحوادث. يبدو “السابق” ممسكًا بزمام حبكته حينًا فيما تتفلّت منه خيوط اللعبة الدرامية  أحيانًا فنلاحظ أنه وقع في فخّ خلق حبكة متشعّبة تكاد تكون “حبيكات” صغيرة تحاول أن تنصهر في ما بينها بعد أن سُكِبت في قالب سردي واحد. 

ما يغني الرواية فعلًا ويمنحها طابعًا خاصًا هو أن الكاتب اختار أن يكون يوسف عاشقًا للطبيعة، لنمضي معه أجمل لحظات التجلّي في ربوعها. هذا فضلًا عن أن يوسف رجل مثقف ومقاربته للمرأة شبه العارية تتأرجح في إطار جمالي ذي أبعاد فنية وثقافية تحاكي الإيحاءات الجسدية التي يستخدمها الكاتب من دون ابتذال، وإنما تأتي في مكانها لتضفي بعدًا محض جمالي على سينوغرافيا المشهد، بحيث تشكّل الأوقات التي تجمع بين المرأة العارية (المتخيّلة ربما) ويوسف سينوغرافيا لمشاهد حب ذات أبعاد بصرية تتراءى لنا بين سطور النص وفي ظلال الكلمات.

إلا أن ما يثير الريبة هنا هو هوية الراوي، أهو الكاتب، أم الكاتب نيابة عن  يوسف من دون أن ينزع عنه رواسب شخصيته التي تتعثّر بها شخصية يوسف، الحقيقة أنه وفي أغلب الأحيان تبدو تخيّلات يوسف أكثر ارتباطًا بالطبقة البرجوازية مما قد تكون عليه اهتمامات شخص أمضى عمره يحرس مقابر البلدة. فإن كان يوسف لا يجيد التصرّف كالأغنياء – كما يرد في متن الرواية –  فكيف له أن يتخيّل أدق تفاصيل يوميات المرأة شبه العارية؛ أهي عين يوسف المأخوذة بهذا الحضور الأنثوي ذي النقطة السوداء عند التقاء الشفتين، أم هو جنوح الكاتب نحو ضخّ المزيد من الإثارة والحميمية في نص يخاف أن تكون البرودة قد بدأت تسلّل إليه؟

هذا فضلًا عن الكثير من المصادفات التي يبتكرها الكاتب وهي أحيانًا في غير  مكانها أي أنه لا يحتاج لتوظيفها دراميًا إلا أنّه آثر أن يقحمها في النص، إذ يتحدث عن شبه صاحب المزرعة المثير بالجنرال – ملامح حادة واضحة – ؛ وهو كان قد استند في حبكته إلى شبه يوسف بالرجل الثري الميت. وهنا يبرز التساؤل: هل من الضرورة أن يشيّد الكاتب بناء روايته على أساس الشبه؟ هو حقًّا فعل في الجزء الأهم منها حين جعل يوسف ينتحل صفة الميت ويلوذ بالفرار؛ ولكن ما حاجة صاحب المزرعة لأن يشبه الجنرال؟ وما حاجة يوسف ليلاحظ ذلك؟ هو الأمر الذي لم يوظَّف دراميًا. 

وعلى رغم أن يوسف كان قد باع الساعة الذهبية التي كان يضعها الميت وحصل على مبلغ كبير من المال، إلا أنه يعجز عن إيجاد مأوى لكونه لا يملك بطاقة تعريف شخصية، هذا بعد رفض تأجيره غرفة حتى في الفنادق الشعبية، وعقب فشل محاولة العمال مساعدته في إيجاد فرصة عمل حيث طلب منه صاحب المزرعة بطاقة تعريف شخصية حتى يتمكّن من البقاء، فما كان عليه سوى الرحيل.

لغة الكاتب سهلة تنساب بهدوء على رغم ما يعصف بالنص من انفعالات، إلا أنها عميقة الدلالة تخرج من الجرح الناتئ، تشوبها بضعة أخطاء.

إذًا، يوسف الهارب خوفًا من أن يُتَّهم بجريمة قتل ارتكبها دفاعًا عن نفسه،  ينتهي به الأمر ملاحقًا بسلسلة من الجرائم، لم يستطِع أن يهرب من مصيره، ظل القدر يلاحقه، عاد إلى القرية ورمى نفسه في النهر.

إنها لعبة الموت والحياة والوجود بأكمله يتأرجح بينهما، هي حتمية المصير التي  جعلت يوسف يحكم على نفسه بالموت حيًّا، وهو المجتمع بأعرافه وقوانينه وأحكامه الجاهزة التي لا تدرس أسبابًا ولا تعرف دوافع، وتخلص إلى الهرب نحو المجهول: “لو أنك تنظر خلفك، اللحظة يا يوسف. هناك على الجهة اليسرى من الجسر. سترى شبحًا يخرج من العدم في هذه الساعة من فجرك الأخير. يمشي جهة الجسر، ليعبره. سترى وجهًا تعرفه، وجهًا رأيته مرة واحدة في الطريق بين البلدة القديمة والسوق، يمشي بين أغصان الذرة، لا يدري أنّه هو من قتلك يا يوسف” (ص 221).

إنّها المفارقة، لا نعرف من هو القاتل، وإن كان يوسف فعل دفاعًا عن نفسه  لكونه تعرّض للسرقة، أو كان يوسف قد قتل ذاته عندما أقنع نفسه أنه قاتل وأن عليه الهروب، فما كان منه إلا أن عاد من حيث هرب مستسلمًا للموت؛ أو إن كان الوهم سيطر على يوسف والسارق لم يمت. هكذا هي الحياة، مجموعة احتمالات وفرضيات وما دمنا نعيشها فنحن إذًا على قيدها.

*نشرتها جريدة “الحياة” اللندنية بتاريخ 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016.