في الحرب

في الحرب

جيمس بوزويل – ترجة أسامة إسبر

جيمس بوزويل (١٧٤٠-١٧٩٥) كاتب سيرة ذاتية ومحامي اسكتلندي، قال النقاد إن السيرة الذاتية التي وضعها لصديقه الكاتب الإنجليزي صامويل جونسون هي أعظم سيرة ذاتية كُتبت في اللغة الإنجليزية، وهذا المقال الذي تقدمه جدلية للقراء منشور بالأصل في ”كتاب أكسفورد للمقالات“ الذي اختاره وحرره جون غروس وصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد في ١٩٩١، ويضم مقالات مكتوبة بأساليب متفردة وتعالج مواضيع مهمة للقراء بشكل عام.

نص المقال:

فيما كنت أمتّع ناظري، كما يفعل المسافرون عادةً، بأشياء ساحرة ومثيرةٍ للفضول في مدينة البندقية، قادني دليلٌ لزيارة الأقسام المختلفة لمصنع أسلحة، وفيما كنتُ أتأمل المستودع الهائل لآلات القتل، والذي لم يضمّ كمية كبيرة من الأسلحة فقط، بل رأيتُ فيه أيضاً رجالاً يعملون باستمرار لصناعة المزيد منها، توثبتْ أفكاري مما شاهدتهُ (لو صحّ التعبير)، وكان التأثير الناجم عن ذلك هو أنني أولاً ذُهلتُ وأخذني العجب وحين عدتُ إلى رشدي، شرع ذهني بتأملاته حول لاعقلانية الحرب وقبحها.

لا أتذكر تلك التأملات على وجه الدقة لكن الانطباع العام بقي في ذاكرتي، أما رأيي بأن الحرب لاعقلانية، مهما بدا الأمر غريباً، فإنه ما يزال مرتبطاً بمصنع الأسلحة في البندقية. أتذكر انطباعاً واحداً معيناً وهو أنني حين رأيتُ العمال منخرطين في اجتهاد وحماس في صناعة أسلحة الموت، أخذني العجب من قصر نظر الكائنات البشرية، التي تصنع بكامل وعيها أدوات دمار نوعها. واكتشفتُ، منذ ذلك الحين، وبعد دراسةٍ أكثر تفحصاً للإنسان، أن عجبي يمكن أن يتلاشى، لأنه لا يوجد إلا عدد قليل جداً من الرجال الذين يملكون عقولاً كبيرة كافية كي يفهموا الخير الكوني، أو حتى خيراً مُعَمَّماً.  ذلك أن وجهات نظر معظم الأشخاص تقتصر على سعادتهم الذاتية، أما العمال الذين رأيتهم مشغولين جداً في مصنع البندقية فلم يشاهدوا إلا ما هو جيد بالنسبة لهم في عملهم الذي يدرّ عليهم أجراً يحقّق لهم أسباب الراحة في حياتهم.  ولم يكدّر صفو رضاهم المباشر التفكير بعواقب بعيدة أو بشرور محتملة يمكن أن تنجم عن عملهم، إلا أن هذا لن يفاجئ شخصاً يمتلك خبرة جيدة في الحياة. ويجب أن ننظر بمنظار الفلسفة كي نتمكن من إدراك الشرور البعيدة، أو بالأحرى نحن نعرف أن هناك أفراداً من نوعنا لا يعتبرون الألم المباشر للآخرين شيئاً بالمقارنة مع فائدتهم الشخصية الخاصة، ففي كل عصر، كما نعرف جيداً، هناك رجال يرغبون كثيراً بأداء وظيفة الجلادين حتى مقابل راتب عادي. وتبيّن لي بوضوح أن صناعة أدوات دمار نوعنا بعامة شيء يمكن أن يفعله بحماس رجال عاديون دون أن يجفلوا، بما أنهم لن يقوموا بأية مجازفة.  لكنني لن أنسى أبداً، ولن أتوقف عن التفكير بحادثة تفوق ما ذكرناه وتنم عن جرأة طائشة وغياب للعقل روى لي قصتها ابن عم لي، خدم برتبة مقدم في الجيش البريطاني، وكان يقوم بالحراسة حين حصلت الواقعة. قال إنهم أحضروا جندياً من أحد الأفواج في الحامية في مينوركا كي يشنقوه، بعد أن وُجد مذنباً في جريمة عقوبتها الإعدام غير أنهم لم يحضروا مشنقة ولم يكن هناك حبل للقيام بالعمل فحدثت حالة من الفوضى. لكن ذلك الشخص، والذي كان ضابطاً متيقظاً يتمتع بمعنويات مرتفعة وسرعة بديهة ويمتلك معرفة بكيفية التصرف في حالات الطوارئ فك رباط قبعته وقال إنه سيؤدي الوظيفة، وفي الحقيقة نُفذ فعل الشنق به.

يعترف معظم الرجال بأن الحرب غير عقلانية، أقول معظم الرجال وليس كلهم، لأنني أنا نفسي التقيتُ برجال أكدوا أنها مهنة مقبولة، واعتبروها إحدى الوسائل الرئيسية لتحقيق السعادة البشرية. ويجب أن أقر أنه بالرغم من أنني أشير إلى معظم الرجال هنا، كان يجب أن أشير إلى اثنين فقط، ذلك أنني لم ألتق إلا برجلين دعموا مفارقة كهذه، وكان الأول شاعراً مأساوياً والثاني اسكتلندياً من سكان المرتفعات. كان خيال الأول ملتهباً بالعواطف البطولية، ”بكبرياء وأبهة حرب مجيدة“ بحيث أنه لم ينتبه إلى مآسيها، مثل شخص تبهره فخامة جنازة فلا يفكر بآلام وتحلل الجثة الكريهة. أما الثاني فقد تركز انتباهه بلهفة على الفائدة التي حصلت عليها عشيرته من ”تجارة الحرب“، مما جعله يفكر بها على أنها جيدة فحسب.

أتحفنا بعض الكتاب الذين يتوهمون أنهم فلاسفة أن الحرب ضرورية للتخلص من البشر الزائدين، أو على الأقل لتخليص العالم من عدد من الأشخاص الكسالى والفائضين الذين يشكلون عبئاً على كل جماعة، والذين سيتحولون إلى عبء غير قابل للدعم لو عاشوا طويلاً كما يعيش الرجال في الدورة العادية للطبيعة. ومما لا شك فيه أنه لا يوجد سبب للخوف من ازدياد عدد البشر، وبالرغم من أننا نعرف أنه من قبيل المبالغة الشعرية القول ”أن كل شبر من الأرض قادر أن يغذي صاحبه“ فإن صناعة قوية مُدارة جيداً يمكن أن تؤمن الغذاء لهذه النسبة من السكان في مكان معين من الأرض، غير أن هذا الأمر سيدهشنا نحن المعتادين فقط على رؤية التأثيرات المعتدلة للعمل، كما سنندهش حين نعرف المناطق الواسعة من الكرة الأرضية الواقعة في مناخات جيدة جداً والتي لم تُسكن بعد. ففي هذه الأراضي هناك مجال لجعل الملايين يستمتعون بحياة كريمة. وستمنح حراثةُ هذه المناطق وزراعتها الكسولَ والفائضَ، المطرودين من مجتمعهما، وظيفةً وسيؤدي هذا إلى إصلاحهما بالتدريج، وأكيد أن هذا أفضل من مواصلة ممارسة الدمار الدوري الذي لا يميز بين البشر ويطيح بالطالح والصالح.

إذا توقفتْ الحروب على وجه الأرض كلها لألف عام فإن حقيقتها لن تُصدق بعد مرور زمن طويل كهذا، كما أعتقد، بالرغم من وجود السجلات الأصلية لدى كل أمة. ولو أن البشر تحرروا بشكل كامل من جميع صور المسبقات وناصروا تلك الجهود الشجاعة التي لن توجد لولا وجود شرور العنف التي من الواجب قتالها، ولو أن البشر لم يشاهدوا المعارك أبداً في أيامهم، ولم يخبرهم آباؤهم أو أجدادهم عنها، ولو أن الآثار المتبقية من فن الحرب دَرَسَتْ،  لنظر الناس، دون أدنى شك، إلى قصص التاريخ عن جيوش جرارة شُكلت، وعن رجال سُخِّروا لوقت غير محدد، تحت عقوبة الموت الفوري، كي يطيعوا أوامر قادة لم تجمعهم بهم رابطة عاطفية أو اهتمام من أي نوع،  لنظروا إليها كقصص خرافية ومجازية، ولعرفوا أن تلك الجيوش كانت تُقاد أحياناً في رحلة شاقة عبر مساحات واسعة من الأراضي، أو تُحشد في سفن وتُجبر على تحمل رحلات مملة وغير صحية وخطيرة، وأن هدف كل ذلك الكدح والخطر لم يكن الراحة أو المتعة، بل مواجهة جيوش أخرى، وأن هذه الحشود المعادية لبعضها، والتي لا يمتلك أفرادها سبباً للصراع أو ضغينة تجاه بعضهم بعضاً، كانت ترابط لساعات في ثباتٍ وصبرٍ وعنادٍ، بينما يُذْبح الآلاف منها، ويُسحق الآلاف ويُشوهون من جراح مختلفة.

نحن الذين ملأتْ أذهاننا باكراً مشاهدُ الحرب التي قرأنا عنها في الكتب التي نوقرها ونعجب بها، وعرفنا أنها نشبتْ في جميع القرون، وفي جميع البلدان التي اكتشفها الملاحون، حتى في المناطق اللطيفة والمسالمة للمحيطات الجنوبية، نحن الذين شاهدنا كيف وظفتْ أمتُنا دهاءها وقوتها وبراعتها في الحرب، واعتدنا على قراءة أخبارها في الجرائد، وقُتل أصدقاؤنا وأقرباؤنا فيها، أو أُعيدوا إلينا إلى الوطن مشوهين بشكل بائس، لا نستطيع دون جهد متواصل من التأمل أن نفهم  لماذا تتصرف الكائنات العاقلة هكذا بشكل غير عقلاني وتتوحد في خطط مدروسة تنتج التأثيرات الرهيبة التي تنتجها الحروب كما هو معروف. لكن ليس لدي شك أنه لو طُبق مشروع السلام الدائم الذي صاغه آبي دو سينت بيير(1) وحسّنه روسو(2) لصارت لاعقلانية الحرب كونية بعد مرور بعض العصور.

لو كان هناك أيّ شيء جيد تنتجه الحرب يمكن أن يعوّض بأية طريقة تأثيراتها الرهيبة، لو انبعثَ رجالٌ أفضل من أنقاض الذين سقطوا في المعركة، كما تنبعث أحياناً أشكال مادية أكثر جمالاً من رماد الأخرى، أو لو حصل الذين يهربون من دمارها على المزيد من السعادة، باختصار، لو كان هناك أي تأثير مفيد كبير يتبعها، لنمّ نعتي لها باللاعقلانية عن فهم محدود. لكن الحرب لا يتبعها أي خير من أي نوع. يمكن أن تزيد من سلطة ومجد أو ثروة قلة قليلة جداً، لكن الناس بعامة، في كلا الطرفين، بعد أن تمر كل حالات المعاناة، يواصلون مهنهم المعتادة، دون اختلاف عن حالتهم السابقة. بالتالي، إن شرور الحرب، لدى نظرة عامة للإنسانية هي، كما يقول الفرنسيون، خسارة صرفة دون أدنى فائدة، إلا إذا كانت موضوعات للتاريخ والشعر والرسم، بالرغم من أننا يجب أن نسلم أن البشرية حصلت على المتعة في هذه المجالات، لكن هذا لم يعوض الخسارة والبؤس. على أي حال، هناك ما يكفي من هذه المواضيع، وأية إضافة لها تعني المزيد من الحروب والأثمان المرتفعة.

لست من الذين يعارضون رأي العالم بأفكارهم، على العكس، أكنّ احتراماً لتلك السلطة، وأشك بحكمي الخاص حين يتعارض مع رأي أعداد حكيمة مثلي، لكنني، حين أؤكد لاعقلانية الحرب، لا أناقض رأي العالم بل ممارسته. وهناك، كما لاحظتُ، من يقرّ بلاعقلانيتها مثلي. فهوراس(3) نعت هانيبعل(4) بالمجنون، وخص الشاعر بوب(5) بالصفة نفسها الإسكندر المقدوني وتشارلز الثاني عشر:

من رجل مقدونيا المجنون إلى السويدي

 لا نمتلك وسائل كي نخمن إلى متى سيتواصل نشوب الحروب. فالحضارة التي من المفترض أن تلغيها لم تفعل شيئاً في هذا الصدد سوى أنها صقلتْ وقاحتها الوحشية. وبقيت اللاعقلانية مهيمنة، بل يمكن القول إننا طعّمْنا جنوننا بالمنهجية. أما الأديان الداعية إلى الحب والخير والتي ”تعلن السلام على الأرض“ فإنها لم توقف الحروب بعد.  فالعواطف العنيفة للرجال، التي من المفترض أن يهذبها التعليم الأخلاقي، ما تزال تعمل بكثير من القوة، وترتكب حماقات متواصلة، كما أن أصحاب الضمير في جميع الأمم المتحاربة يظنون أن التحاقهم بالحرب هو لصد كيد المعتدي.  ولو أن العقيدة الخيّرة والإنسانية للمسيحيين الذين يُدْعون بالكويكرز(6)،  التي صاغها مؤخراً السيد جينينز(7) بقلمه الرشيق، لو أنها سادت، لكسبت السعادة الإنسانية أكثر مما نستطيع أن نتصور. لكن ربما ستواصل البشرية معاناتها من ويلات الحرب في هذه الحالة من الوجود ذي الهدف الغامض. وكي أريح قرائي من تأملات يمكن أن يظنوا أنها تجريدية جداً، يجب أن أضمن في مقالتي هذه بعض الملاحظات عن الحرب الفعلية. ففي الأزمنة القديمة حين كانت تخُاض المعارك وجهاً لوجه، أو (كما عبّرأحدهم عن الأمر بشكل جيد جداً) حين كانت الحرب مجموعة من المبارزات، سنحتْ فرص للأفراد كي يستعرضوا قوتهم وشجاعتهم ويميزوا أنفسهم.  فقد كان بوسع أي شخص اكتسب قوة من الحرب الضروس أن يرضي طموحه للشهرة، بممارسة خصائصه الفردية. وكان تطوع الأفراد أكثر عقلانية بالتالي مما هو الأمر في الأزمنة الحديثة، لأن المعركة الآن ليست إلا صراعاً عنيفاً بين آلات متخاصمة يشغّلها رجالٌ هم أنفسهم آلاتٌ يديرها قلة، ولا يقرر الحدثَ ما كان مقصود اً منه بالأساس بل حوادث متكررةٌ تحدث في الفوضى المقيتة. ويشبه الأمر بلدتين في أرضين متنازعتين يتم فيهما إشعال النار في الوقت نفسه ويُعْلن الانتصار للسكان في البلدة التي كانت فيها ألسنة اللهب أقل تدميراً. ونسمع الكثير عن سلوك الجنرالات، فد كان أديسون(8) نفسه ممثلاً لدوق مارلبورو(9) وأدار جيشاً في المعركة، كمثل ”ملاك يركب في زوبعة ويوجّه عاصفة“. وبالرغم من ذلك أشك كثيراً في أن للخطط المباشرة لقائد ما تأثيراً معيناً في مناسبات محددة، وأصدّق السير كالاكهان أوبرالاتشان في مسرحية ماكلين(10) ”الحب على الموضة“ والذي يقدم وصفاً حديثاً لمعركة: ”ثمة الكثير من الفعل في جميع الأمكنة بحيث نعجز عن معرفة ما الذي يجري في أي مكان“.

هوامش المترجم

1- تشارلز إيريني كاستيل دو سينت بيير (1658-1743) مفكر فرنسي كانت أفكاره جديدة في عصره. دعا إلى تشكيل منظمة دولية للحفاظ على السلام، كانت الأولى في التاريخ، على الأرجح.  كان متأثراً بآراء جان جاك روسو وكانط.

2- جان جاك روسو (1712-1778) من مواليد جنيف ويعتبر من فلاسفة عصر التنوير.

3- كوينتوس هوراتيوس فلاكوس المعروف باسم هوراس (65 ق.م- 27 ق.م) ، أبرز شاعر روماني في عهد أغسطس.

4- هانيبعل (247 ق.ب إلى 182 ق.ب) قائد عسكري قرطاجي يُنسب إليه اختراع العديد من التكتيكات الحربية في المعارك ما زالت معتمدة حتى اليوم.

5- أليكسندر بوب (1688-1744) من أعظم الشعراء الإنجليز في القرن الثامن عشر.

6- يشير الكويكرز إلى أنفسهم باسم الأصدقاء أو باسم الصاحبيين، وهم أعضاء حركة دينية نشأت في إنجلترا في القرن السابع عشر الميلادي، أما اليوم فإن معظم أتباعها يقطنون الولايات المتحدة، ويوجد في إنجلترا وكينيا العديد منهم، وتوجد جماعات أصغر في معظم أنحاء العالم.

7- كان سوام جينينز (1704-1787) كاتباً بريطانياً وعضواً في البرلمان.

8-جوزف أديسون (1672-1719) كاتب مقالة وشاعر ومسرحي بريطاني خدم كسناتور وجنرال.

9- دوق مارلبورو لقب منحته ملكة بريطانيا آن في 1702 لجون تشرشل القائد العسكري البريطاني البارز (1650-1722).

10- تشارلز ماكلين (1690-1797) مسرحي وممثل إيرلندي.

عن موقع جدلية