كوس كوستماير: هنالك شيء فينا يتلذذ بالعنف ويجوع للفاشية!

كوس كوستماير: هنالك شيء فينا يتلذذ بالعنف ويجوع للفاشية!

أسامة إسبر

كوس كوستماير روائي أميركي بدأ حياته الأدبية كاتبًا مسرحيًا وكاتب سيناريو وشاعرًا. ألف عددًا من المسرحيات التي قُدمت على أرقى المسارح الأميركية والأوروبية، وحصل على جوائز عديدة، بما فيها جائزة دائرة نقاد الدراما في لوس أنجلوس لأفضل مسرحية. كما حصل على جائزة جمعية نقاد المسرح الأميركية. من أعماله المسرحية “حول النقود”، و”تاريخ الخوف”، و”المستنقع الغربي الكبير”، و”حلم الحرية التامة”.
صدر له في الشعر الدواوين التالية: “سرير الزواج”، و”العام الذي اختفى فيه المستقبل”، و”من دون عنوان”. أما في الرواية، فله “دين مفقود”، و”سياسة اللامكان”، و”جادة الأيام الحزينة”.
أجريتُ هذا الحديث مع الروائي كوس كوستماير المقيم في نيويورك بمناسبة ترجمتي لروايته “فارغو بيرنز” إلى اللغة العربية، التي صدرت مؤخرًا عن دار خطوط وظلال الأردنية. وهي من الروايات المهمة والممتعة والعميقة والمكتوبة بأسلوب مبتكر لكي تفكك الأساطير الأميركية السائدة، كأسطورة الحلم الأميركي، وأسطورة التفوق العرقي، وغيرها، في بلاد لا يتحقق فيها الخلاص والتحرر الشخصي إلا من خلال اللجوء إلى المخدرات والكحول. ولكن فارغو بيرنز، بطل الرواية، يبحث عما هو أبعد من هذا، عن احتمالات أخرى للتحرر والخلاص الروحي، وتتمحور الرواية كلها حول هذا البحث وسيرورة الانعتاق. وتتناول الرواية موضوعات في صلب الجدل الثقافي الأميركي، كالحروب الخارجية التي لا مبرر لها، والعنف والتعصب الديني، والعبودية، والتمييز العنصري، وتعاطي الكحول والمخدرات، والنظرة الإلغائية تجاه الآخر الأجنبي والمهاجر، وكلها موضوعات تسم الحياة الأميركية المعاصرة في ظل سياسة استعلائية متطرفة و”بيضاء” تسير بها نحو مزيد من التطرف.
كما يلقي الكاتب الضوء في هذا الحديث على رواية “فارغو بيرنز”، وأسلوبه في الكتابة، ولماذا لجأ إلى كتابة الرواية بعد أعوام طويلة قضاها في الكتابة المسرحية والسينمائية، ويعبر عن رأيه في التجربة الأميركية، المطروحة كنمط فريد في العالم.



(*) لماذا قررتَ أن تكتب الرواية بعد وقت طويل خصصتهُ للمسرح والشعر والسينما؟ ما الذي تعنيه لك الرواية، كجنس أدبي؟
ما تعنيه الرواية لي كشكل أدبي يمكن اختصاره بكلمة واحدة: الحرية. فالحرية هي المفتاح. قال الشاعر والاس ستيفنز: إن إحدى المتع العظيمة للكتابة تكمن في توليد إحساس بالحرية والنشوة في الذهن. فهل هناك أمور يرغب بها المرء أكثر من الحرية والنشوة؟ أحب العمل في

“الرواية تفكك الأساطير الأميركية السائدة، كأسطورة الحلم الأميركي، وأسطورة التفوق العرقي، وغيرها، في بلاد لا يتحقق فيها الخلاص والتحرر الشخصي إلا من خلال اللجوء إلى المخدرات والكحول”

المسرح لكن حين أشعر بأنني أقل حرية في هذا العالم يكون السبب هو أن المسرح نشاط جماعي ووظيفي وقائم على التعاون إلى حد كبير، وهو نشاط يحوّل الكتابة، مهما كانت فضائلها، أو إخفاقاتها، إلى صرح يجب عليه أن يخدم كأداة مفيدة للممثلين والمصممين والمخرجين، وحتى الجمهور كي يتحقق هدفه. ومن المعروف أن المسرحية على الخشبة والمسرحية على الورقة هما أمران مختلفان جدًا، ويتطلب هذا الاختلاف من المسرحي لا أن يتخلى عن سيطرته فحسب، بل أيضًا وإلى حد ما عن حريته. وفي الليلة التي تُفتتح فيها المسرحية، يصبح النص ملكًا للممثلين. لا اعتراض على هذا، ولكن حين أؤلف رواية، أو قصيدة، لا أشعر بالحاجة كي أروق لأي شخص إلا نفسي. فالعمل يتم في عزلة، وهو غالبًا شأن داخلي، ومتحرر من القيود والكوابح كما أعتقد. في المسرح، هنالك عنصر من المسؤولية المدنية والأداء العام يجعله يتصرف كالقوى المقيِّدة، ولكن نوع الحرية الذي أتوق إليه كروائي يخلو من أية مسؤولية باستثناء الالتزام بإنجاز التفوق في التعبير عن رؤيتي الشخصية.
حين خطرت لي فكرة رواية “فارغو بيرنز”، منذ أكثر من 25 سنة، كنت أعمل ككاتب سيناريو في هوليوود، ولم أكن سعيدًا في هذا العمل. وقررت أنني يجب أن أشرع في كتابة شيء ما غير السيناريوهات، واتخذت هذا القرار فيما كان ينتابني شعور باليأس. وحين شرعت بالكتابة لم أفكر وقتها أن ما أكتبه سيصبح رواية منشورة، ولم يخطر في ذهني أنه سيجد طريقه إلى العربية. كانت النسخة الأولى من رواية “فارغو بيرنز” مليئة بالأخطاء، ولكن رغم سوء هذه النسخة فإن كتابتها قدمت لي نوعًا من الحرية الذي لم أكن قادرًا على العثور عليه ككاتب سيناريو، أو مسرحي. واضعًا هذا في ذهني، شرعتُ بتأليف رواية ثانية ستصدر بعنوان “دين مفقود”، عن دار “د. سيسيرو بوكس” الأميركية في 2022. بعد ذلك، عدت إلى رواية “فارغو بيرنز”، وراجعتها ونقحتها بصورة متكررة، محاولًا أن أختصرها، وأن أجعلها أكثر دقة واقتصادًا في التعبير. بعد ذلك، ألفت روايتين أخريين، هما “سياسة اللامكان”، و”جادة الأيام الحزينة”، وكلاهما سيصدر عن دار “د. سيسيرو بوكس” في 2021. والآن، أعمل على روايتي الخامسة، وأواصل كتابة الشعر.



(*) روايتك تمتع القارئ بقدر ما تقلقه وتجعله يطرح أسئلة حول ثقافته، ويفكر في وضعه، وفي ما يفعله، ويفحص الأرضية التي يقف عليها. هل كانت أفكار، أو أهداف، كهذه، في ذهنك حين ألفت رواية “فارغو بيرنز”؟
حين ألفت الرواية لم أضع أية أهداف في ذهني، بل كتبتها لأنه كان لدي مشاعر وأفكار وتاريخ لم أكن قادرًا على التعبير عنهم من خلال كتابة السيناريو، أو المسرح. أردتُ أيضًا أن أمنح حياة للناس الذين يسكنون الرواية، وفي الوقت نفسه، رمتُ البحث عن شكل يساعدني على الشعور بالحرية والتلقائية، وأن أبقى منفتحًا على الاكتشاف والدهشة. لم يكن هدفي جعل القراء قلقين (حتى أنني لم أتوقع أن أحظى بقراء)، ولم أكتب كي أستجوبهم، أو أجبرهم على التفكير بثقافتهم وطريقتهم بالحياة داخلها. أردت أن أبني شخصية فارغو بيرنز، ذلك الفقير المرتبك المشوش، الذي لديه هدف، وأن أمنحه فرصة كي يشق طريقه عبر تشوش حياته الخاصة الذي يحجب الرؤية. وزرعتُ فيه أمل العثور على مستوى ما من التحرر، ودرجة ما من الاستقرار، على احتمال ما للطمأنينة، وعتبة ما من النضج. جعلته يمتلك آمالًا رفيعة، وكنت مستعدًا للحاق به إلى حيث يقودني. حين شرعتُ بتكوين هذه الشخصية، لم أمتلك فكرة ما الذي يمكن أن تفعله، وكيف يمكن أن ينتهي بها الأمر. لم يكن القراء في ذهني. فكرت بفارغو، وبنفسي، وبالناس الذين عرفتهم وأحببتهم، وخشيتُ منهم وصارعتهم، أثناء حياتي، وفعلتُ ما في وسعي كي أمنحهم حياة ثانية، فرصة ثانية كي يسكنوا الواقع، ويواجهوا أنفسهم ومشاكلهم. ولم يخطر في بالي قط استجواب قرائي، أو إقلاقهم. أردتُ أن أستجوب نفسي، وأفحص الثقافة المختلة، المخدوعة في غالب الأحيان، والعنصرية دائمًا، والرائعة أحيانًا، التي تشكّل وتعرّف الولايات المتحدة اليوم. إن رواية “فارغو بيرنز” تشير إلى الجنون الذي استحوذ على الولايات المتحدة في الستينيات، حين شنت حربًا غير عقلانية ضد شعب يعيش في الجانب البعيد من العالم، ولم يشكل تهديدًا لها. إذا قادتْ رواية “فارغو بيرنز” الناس إلى التفكير بأنفسهم، أو بفضائل 

“كانت النسخة الأولى من رواية “فارغو بيرنز” مليئة بالأخطاء، ولكن رغم سوء هذه النسخة فإن كتابتها قدمت لي نوعًا من الحرية الذي لم أكن قادرًا على العثور عليه ككاتب سيناريو، أو مسرحي”

وإخفاقات المجتمع الأميركي، أو بتاريخ أمتنا الطويل من العنف العنصري، وعنف الإبادة الجماعية والقمع الثقافي، فهذا أفضل كما أعتقد، لكنني في الوقت نفسه آمل أن بحث فارغو عن الاستقرار والطمأنينة والسعادة سيجعل القراء يميلون أيضًا إلى التفكير بمحاولة هذه البلاد المتعثرة، التي تشوبها العيوب، والناجحة أحيانًا، كي تصبح مكانًا يستطيع الناس من جميع الأشكال والألوان أن يتذوقوا فيه طعم الحرية الحقيقية. تعبّر رواية “فارغو بيرنز” عن فترة من الفوضى المخيفة في الثقافة الأميركية، وما نزال نعيش تأثيرات تلك الأيام المريرة والمثيرة، ونقاتل كي ننقذ من الحطام قيم الحياة الحرة، والسعي إلى السعادة، التي هي عرضة لهجوم مستمر من الفاشية والعنصرية، والرأسمالية المفترسة، ورهاب الأجانب، والوحشية الصرفة. لم أجلس بالتأكيد كي أكتب فارغو بيرنز وفي ذهني فكرة إمتاع القراء، أو الضغط عليهم. كنت آمل أن أكتشف شيئًا ما عن نفسي، وعن الثقافة التي عشتُ فيها طيلة حياتي. وفي الوقت نفسه، لن أختار أبدًا تأليف كتاب لا يكون ذكيًا بما يكفي كي يثير الاهتمام، ومغريًا بما يكفي كي يلفت الانتباه، وحيويًا وصادقًا بما يكفي كي يكون جديرًا بالقراءة. أعترف أن رواية “فارغو بيرنز” يمكن ألا تحقق كل هذه الأهداف، لكنها أهداف أعتبرها جديرة بأي جهد يبذل من أجلها.

كوس كوستماير مع ملصق مسرحيته “حول النقود”


(*) يشعر القارئ كما لو أن روايتك “تعيد قراءة” التاريخ الأميركي والثقافة الأميركية من خلال شخصياتها، فهي تشير إلى فييتنام، وإلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناغازاكي، والعبودية، والهيمنة الذكورية، والكراهية الدينية. هل تشعر أن هذه الموضوعات نُسيت في الرواية الأميركية، ويجب أن تُطرح من جديد؟
نمتلك ثقافة سيئة جدًا في هذه البلاد. ولدينا نفور شبه منهجي من الحقيقة. لا نريد أن نعرف تاريخنا الملطخ بالدماء، والذي يتناقض بشكل كامل مع أسطورة التفوق الأميركي. نوظف الأسطورة كي نبرر ميلنا إلى العنف. لا أعرف إن كانت الرواية “تعيد قراءة” التاريخ الأميركي بقدر ما تحاول أن تتناول بطريقة ما تاريخ أميركا الطويل من العنف المؤسساتي. إن الأمراض التي تشير إليها الرواية تصيب فارغو أيضًا، الذي يحمل في دمه مسببات الأمراض نفسها التي أصابت البلاد منذ بداية تكوينها. إن محاولة فارغو العنيفة كي يصحح حياته ويعثر على علاج لما يزعجه ويعرقله هي القوة المحركة التي تدفعه نحو مصير يصارع كي ينجو منه في ما هو ينطلق نحوه.



(*) تتناول الرواية، أيضًا، مشكلة المخدرات، كيف تختلف تجربة تعاطي المخدرات الآن عن الفترة التي تتناولها الرواية؟
يثير هذا السؤال عددًا من الأسئلة السياسية والعنصرية، وأخرى تتعلق بالصحة العامة. سأقول إن هنالك توجهًا أكبر اليوم للتعامل مع الإدمان على المخدرات كمشكلة طبية، وليس كمشكلة إجرامية. ثمة حركة متنامية لنزع الصفة الإجرامية عن تعاطي المخدرات الترفيهية، والسبب

“نمتلك ثقافة سيئة جدًا في هذه البلاد. ولدينا نفور شبه منهجي من الحقيقة. لا نريد أن نعرف تاريخنا الملطخ بالدماء، والذي يتناقض بشكل كامل مع أسطورة التفوق الأميركي”

في هذا هو أن ما يُدعى بالحرب على المخدرات، مثلها مثل جميع الحروب غير الحكيمة التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية في السنوات الستين الماضية، انتهت إلى فشل ذريع وكارثي على جميع المستويات. ثمة إقرار متنام أيضًا بحقيقة أن الأحكام بالسجن على المتهمين بالاتجار بالمخدرات، وامتلاكها وتعاطيها، والتي طُبقت على السود، كانت أشد قسوة من تلك التي طبُقت على البيض. إن البيض، وخاصة البيض الأغنياء، غالبًا ما يفلتون من العقاب، أما السود فيُزج بهم في السجون. ويُنظر الآن إلى سجوننا على نطاق واسع بأنها غرف تعذيب، وأرض خصبة للعقاب الوحشي وغير العادي، وكانت الحرب التي سُميت خطأ حربًا على المخدرات أحد العوامل الرئيسية في إنشاء المجمع الصناعي للسجون، الذي حوّل الولايات المتحدة إلى إمبراطورية سجون. بالنسبة لرواية “فارغو بيرنز”، فإن عددًا من الشخصيات، بمن فيه بيلي سبيد، وفارغو، يتعاطون المخدرات والكحول للهرب من مشاكلهم، وتحرير أجسادهم، والتغلب على مخاوفهم، وتخدير عقولهم، للسعي وراء نشوة يتوقون إليها، لكن يبدو أنهم لا يعثرون عليها في حياتهم اليومية. لا تعمل هذه الاستراتيجية جيدًا لأي منهم، لكنها من دون شك استراتيجية اتُبعت على نطاق واسع في الستينيات والسبعينيات. ففي ذلك الوقت، اكتشف الشبان أن كثيرًا ممن دُعوا قادة لهم كانوا منافقين وكاذبين. قدحت هذه المعرفة شرارة روح تمرد أدت إلى نشوء حركات تحرر في كل أنحاء البلاد. لا شك أن أدوات هذا التمرد (هذا الجوع للتحرر)، والبحث عن حقيقة أعمق، أي البحث عن التحقق الروحي، تضمّن نوع المخدرات التي يتعاطاها كل من بيلي سبيد وفارغو بحرية.




(*) هنالك، أيضًا، موضوع العلاج النفسي. هل تعتقد أن الطب النفسي، وهو أحد أدوات القوة والإخضاع، غير قادر على تقديم حلول؟ أم هو مفيد؟
أعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية هي من أكثر الأمم في العالم لجوءًا إلى الطب النفسي، ومع ذلك في وسعك القول إننا أكثر بعدًا عن الخلاص، وأكثر بعدًا عن العقل، مما كنا عليه لقرون. نحن نعيش حاليًا في جو من الجنون المتواصل، في ظل الكابوس الذي خلفته إدارة دونالد ترامب.
من الواضح أن التحليل النفسي كأداة للتحرر له حدوده، وأعتقد أنه من الإنصاف القول إنه أثبت أنه مساعد لبعض الأشخاص لبعض الوقت، لكنه على الأرجح فشل أكثر مما نجح. وأعتقد أن هناك نوعًا من النبل المتضمن في ممارسة العلاج النفسي، الذي يتجلى في الرغبة في تحرير الناس من مخاوفهم وأحزانهم ونقلهم إلى مكان راحة أكبر، مكان تتجسد فيه الفطرة السليمة ويمكن العثور فيه على الأمان. وفي مجرى هذه السيرورة، خضع فارغو لعناية طبيبة نفسية موهوبة وسريعة البديهة وعالية الذكاء ومتعاطفة فعلت كل ما بوسعها كي تساعده للتغلب على شياطينه، لكن قدراتها العلاجية في النهاية أضحت عاجزة في وجه القوى التي أطلقها فارغو نفسه. هل يعمل التحليل النفسي؟ أحيانًا نعم، وأحيانًا لا. هل هو أداة سلطة؟ إذا كان هكذا، فقد كشف بأنه أداة تخلو من الفعالية على نحو كامل.




(*) تنتقد التعصب الديني في هذه الرواية، مشيرًا إلى البروتستانتية والبيوريتانية… ما مدى تأثير الدين في المجتمع الأميركي حاليًا، بالمقارنة مع زمن “فارغو بيرنز”، الذي هو الستينيات والسبعينيات؟ تقول أيضًا إن الكنيسة البيضاء خانت تعاليم المسيح، بينما أخلصت لها الكنيسة السوداء، وهل حررت الكنيسة البيضاء نفسها من العنصرية؟
كان الدين دومًا قوة معتبرة في المجتمع الأميركي، ورغم زعمه بأنه تجاوز السياسة، فقد استُخدم دومًا كي يخدم أجندات سياسية تقدمية ورجعية. تتنقل رواية “فارغو بيرنز” بين المسيسيبي ونيويورك، وهما منطقتان مختلفتان من بلادنا. وتتسم علاقة فارغو مع الدين بالتناقض، وتعكس الانقسام الشيزوفريني، الذي يؤلب نصف البلاد ضد نصفها الآخر. لقد نشأ فارغو في كنيسة بروتستانتية بيضاء في المسيسيبي، وعرف باكرًا أن كنيسته المنفصلة والبيضاء عنصرية وتميل إلى مناصرة العنف، وواقعة في مصيدة مجموعة من الأعراف 

“تتسم علاقة فارغو مع الدين بالتناقض، وتعكس الانقسام الشيزوفريني، الذي يؤلب نصف البلاد ضد نصفها الآخر”

المتناقضة بشكل كامل مع رسالة الرحمة والتحرر التي رآها متجسدة في الكنيسة السوداء الصغيرة والمليئة بالحياة التي كان يزورها أحيانًا في طفولته. وينبغي التنويه أن الكنائس الجنوبية السوداء (الكنائس السوداء في كل أنحاء البلاد في الحقيقة) خدمت لوقت طويل كمراكز قوية لنشر الحقوق المدنية والعدالة العرقية، بينما الكنائس البروتستانتية في هذه البلاد، وخاصة في أقصى الجنوب، عارضت بشكل عام الاندماج والمساواة وإلغاء القوانين العنصرية التي سُنتْ لقمع المواطنين الأميركيين من أصل أفريقي. هنالك استثناءات بالطبع، وعمل كثير من البروتستانت في بلادنا بإخلاص، ودأب لاستئصال العنصرية، ولنشر الحقوق المدنية، لكن في تجربة فارغو، وفي ذاكرته، كانت الروح البروتستانتية البيضاء بيوريتانية وعنصرية وكئيبة. لا يمتلك فارغو إيمانًا، وربما كان شكاكًا بطبيعته، لكنه يحترم المشاعر الدينية للآخرين، وهناك شيء ما في روحه يتوق لنوع التجاوز والسمو الذي يعد به الدين عادة، لكنه نادرًا ما يحققه.




(*) تكتب كنحّات، وتتخلص من كل الأجزاء الزائدة التي تخفي الشكل الجميل، مما يذكر بأسلوب همنغواي في الكتابة. ثم لدينا الحوار والأصوات الداخلية التي تقتحم السياق، كيف أثرت تجربتك في كتابة المسرح في كتابة الرواية؟ وهل هنالك مؤثرات أخرى؟
ككاتب، أميل إلى الإيجاز والدقة والإيقاع. أبحثُ عن اللغة الموحية والمقتصدة من دون أن تكون فقيرة، والغنية من دون أن تكون طنانة. أنا ضد الرومانطيقية التي دعاها والاس ستيفنز موت المخيلة، ولا أحب اللغة الوجدانية والعاطفية. وأعتقد أن معظم الروايات طويلة جدًا (لا تمنح قيمة للقراء)، ومنتفخة، بسبب إصرارها على العمل داخل تقليد صار منهكًا من الاستخدام الزائد. لقد تأثرتُ بحياتي الخاصة، وبتاريخي الخاص، وبالكتب التي لا تُحصى التي قرأتُها وأحببتها ودرستها مع مرور الأعوام. لكن إذا كان عليّ أن أذكر التأثيرات الأكبر في عملي، سأضع في ترتيب خاص: الشعر والمسرح والموسيقى والفيلم. تتضمن هذه الأشكال كثيرًا من التكثيف والإيجاز والتنقيح والمونتاج، مما يسمح لنا أن ننتقل بسرعة، جيئة وذهابًا، في الزمان والمكان. ومن دون شك، تعلمتُ أن أكتب (جزئيًا على الأقل) من قراءة كتاب آخرين، لكنني أردت دومًا أن أستمتع بأنواع الحرية المختلفة التي يعتبرها فنانون آخرون (موسيقيون ورسامون ومخرجون وراقصون) أمرًا مفروغًا منه، وأستفيد منها، وهي أنواع من الحرية تعتبر غالبًا خارج متناول الكتاب. لكنني لا أعتقد أن هذه الحريات هي خارج متناولنا، وعلى المرء أن يعمل بدأب، ويستغل بعض الفرص، من أجل أن يحصل عليها. لقد عرّف جوزف برودسكي الشعر مرة بأنه شكل من الذكاء المتسارع، وأكيد أن مُثل التكثيف والسرعة التي يربطها برودسكي بالشعر خدمت كنماذج بالنسبة لي. وأعتقد أن عملي يبدأ بالشعر، مما يعني أنني أبحث عن لغة لا تسير بقدر ما تقفز، وفي غالب الأحيان، يُعثر على الجمال في النص الأدبي في الجو المفتوح بين أصوات الخطوات.
لاحظ عدد من القراء أن كتابتي متأثرة بحبي للجاز، وهذا أكيد. لست موسيقيًا، ولا أمتلك خبرة موسيقية، لكنني أحب الطبيعة التلقائية والارتجالية لموسيقى الجاز، وبحثها المتواصل عن الحرية، وحبها للتعبير الشخصي، وإيمانها بالابتكار، وتمسكها بمجموعة من القواعد التي تصر على الدقة، من دون إقصاء العاطفة، ورغبة مزاوليها بأن يثقوا بدوافعهم، ويكتشفوا ما يريدون قوله، من خلال القيام بمجازفات بسرعة عالية تجعل التخطيط (أو بناء الحبكة) مستحيلًا.
قال بوريس باسترناك: إن الجرأة هي جذر الجمال، وهذه فكرة تبدو متناغمة مع الجرأة المتضمنة في موسيقى الجاز، التي يُشار إليها أحيانًا بأنها الموسيقى الكلاسيكية الأميركية. أحب الكتاب الذي يمتلك حبكة جيدة، لكنني غير قادر على تأليف كتاب كهذا. ولا أمتلك موهبة في هذا المجال. أحب القصة الجيدة، لكن إذا جرى حبي للسرد في خط مستقيم من البداية إلى النهاية، واتجه دومًا في الاتجاه نفسه، فإن ذهني يعمل بشكل مختلف. يتحرك في حلقات ودوائر، وسرعان ما يرتد عائدًا إلى نفسه، كما لو أنه يقوم بسلسلة من الكمائن. هذا يعني أن كتابتي لا تتشكل من خلال الحبكة، بل من خلال الإيقاع واللغة والدوافع غير المتوقعة، التي تفرض على نصي أن يكون في حالة متواصلة من اللايقين والدهشة. إذا ولّد اللايقين القلق، فإن الدهشة تولّد المتعة، وهذا ما أعتبره مقايضة عادلة، لكن حالات الدهشة تلك (مهما كانت ممتعة، أو غريبة) تخضع لمراجعة متكررة من أجل الإيجاز والتكثيف والاقتصاد في التعبير والدقة، والأكثر أهمية هو ما يمر على أنه الحقيقة، الحقيقة كما أفهمها، أو أتخيلها. بالنسبة لي، ككاتب، إن الأداتين الرئيسيتين للحرية هما اللغة والخيال، وكلاهما يتمتع بالسيادة، ويعارض بشكل طبيعي الحكم الاستبدادي. ولقد عبر الشاعر العراقي سعدي يوسف عن هذا في قصيدة له مترجمة إلى الإنكليزية بعنوان “حرية”، يتحدث فيها عن كونك حرًا، تختار سماء وتسميها، سماء لتعيش فيها، وأخرى كي ترفضها.




(*) تتناول روايتك، أيضًا، موضوع العنف، إلى ماذا تعزو جذور العنف في المجتمع الأميركي، ولماذا اخترتَ الكاتدرائية، كخشبة مسرح (إذا جاز التعبير) للمعركة بالسكين بين فارغو بيرنز، وكوهلر. سكين في نهاية الرواية! هل تعتقد أن السياسات الحالية في الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تمهد الطريق لعودة منظمات شبيهة بالكوكلاكس كلان، وجماعات التفوق العرقي القومي الأبيض؟ هل يمكن أن نقرأ روايتك كتحذير من هذا؟
لا أعرف كيف أجيب على هذا السؤال من دون أن أقر بالحقيقة الواضحة، وهي أن الكائنات البشرية تشكل أنواعًا عنيفة وعدوانية. هنالك شيء فينا يتلذذ بالعنف، شيء ما فينا يجوع للفاشية، شيء ما فينا يريد أن يذهب إلى الحرب ضد الآخر، ضد المجهول، ضد العالم نفسه. إن الولايات المتحدة ليست استثناء لهذه القاعدة المحطمة للقلب. ويبدو أن هذا في مورثاتنا،

“ككاتب، أميل إلى الإيجاز والدقة والإيقاع. أبحثُ عن اللغة الموحية والمقتصدة من دون أن تكون فقيرة، والغنية من دون أن تكون طنانة”

وكان موجودًا فيها أيام الاسترقاق، وأثناء الإبادة الجماعية لقبائل السكان الأصليين، وفي تاريخنا الطويل من العنصرية، والفصل بين الجنسين، ورهاب الأجانب، والخوف من المهاجرين، وحب البنادق، والشبق المتواصل للهيمنة، والحرب والقمع. ولا شك أنه تم التشجيع على العنصرية والفوضى والعنف على نحو كبير، وقد غذت رئاسة دونالد ترامب هذا التوجه. من يعرف إلى أين سيقود هذا؟
بالنسبة للشجار بالسكين، لم أخطط للمعركة، ولا لمكانها، ويبدو أنني أنا وفارغو وصلنا إلى هناك معًا، ودخلنا الكاتدارئية غير مستعدين لما سيحدث.




(*) تُرجمت روايتك “فارغو بيرنز” إلى العربية، وأصدرتها في الأردن دار “خطوط وظلال”، ما شعورك حيال هذا؟ وهل تعتقد أن في الأدب رسالة كونية تتخطى الحواجز الثقافية؟ كيف يمكن أن تتحدث رواية “فارغو بيرنز” مع القارئ العربي؟
أشعر بالإثارة والسعادة الغامرة لأن روايتي “فارغو بيرنز” ستُنشر في العربية، هذه اللغة الجميلة ذات التاريخ الإبداعي العريق الذي يستدعي احترامنا وتقديرنا الكاملين. أسمع العربية منطوقة غالبًا، وأحب وقعها. فهي تبدو كالموسيقى بالنسبة لي، ولقد أضافت فائدة على الأقل لكاتب ناطق بالإنكليزية، كونها لغة جميلة بصريًا أيضًا. أمتلك معرفة بالأدب العربي، لكنني لست خبيرًا، فقد قرأت للطاهر بن جلون، وأمين معلوف، وفدوى طوقان، ومحمود درويش وأدونيس، ونجيب محفوظ، وغيرهم من الكتاب والشعراء، كما قرأت لخالد خليفة، ولكتاب وشعراء آخرين، من خلال الترجمة. كما أن صهري، زوج ابنتي، هو الشاعر السوري المتميز فراس سليمان.
آمل أن تتحدث روايتي مع القراء العرب، كما تتحدث مع قراء اللغة الإنكليزية، وتؤسس بين لغتينا وثقافتينا علاقة زمالة وتفاهم. “فارغو بيرنز” رواية إنسانية عن كائنات بشرية، وأعتقد أن الأشخاص الذين يمتلكون قلوبًا متحررة من التعصب يستطيعون دومًا العثور على بعضهم، وأن يفهموا بعضهم. كل ما أريد قوله في نهاية حديثنا هو كلمة: شكرًا (بالعربية).

عن موقع ضفة ثالثة