إيلينا فيرانتي و«صديقتي المذهلة»: مدينة تُكتب من الداخل
في أحد أحياء نابولي الفقيرة، حيث تتراكم الشقق فوق بعضها وتتشابك الأصوات في الأزقة الضيقة، بدأت إيلينا فيرانتي بناء عالم «صديقتي المذهلة». الرواية خرجت من رغبة في تفكيك معنى الصداقة بين امرأتين تنموان داخل بيئة قاسية، حيث التعليم امتياز نادر، واللغة أداة صعود، والعنف جزء من الإيقاع اليومي. الفكرة الأولى لم تتعلّق بحبكة معقدة، بل بسؤال مباشر: كيف تتشكل الذات في ظل مدينة تضغط على سكانها بلا هوادة؟
فيرانتي، التي اختارت الاختفاء خلف اسم مستعار، تركت شهادات متفرقة حول نشأة الرباعية النابوليتانية. في هذه الشهادات يتكرر حديثها عن اللغة، عن الرغبة في الإمساك بصوت نابولي كما يتردد في الشارع، وعن تحويل التجربة النسوية إلى مادة سردية قادرة على احتضان التناقض. «صديقتي المذهلة» تمثل الجزء الأول من مشروع طويل، يبدأ من الطفولة ويمتد عبر تحولات إيطاليا الحديثة.
الشخصيتان المركزيتان، إيلينا ولِيلا، تتحركان في مسارين متوازيين منذ الصفحات الأولى. العلاقة بينهما لا تُقدَّم كتحالف بسيط، وإنما كتداخل معقد بين الإعجاب والتنافس والغيرة والرغبة في الانفصال. فيرانتي كتبت عن هذا التوتر باعتباره محركاً خفياً للنمو، حيث تتشكل الهوية عبر الاحتكاك بالآخر، لا عبر العزلة. الصداقة هنا مساحة صراع بقدر ما هي مساحة حميمية.
المدينة في الرواية كيان فاعل. نابولي تظهر بوجهين: فضاء مغلق يحاصر الفتيات، وفضاء مليء بالطاقة والحركة. الأزقة، المدرسة، الورشة، البيوت، جميعها تشارك في تشكيل مصائر الشخصيات. المكان لا يكتفي بتوفير الخلفية، بل يضغط على القرارات ويعيد ترتيب الطموحات. هذا الحضور المكاني يمنح النص طابعاً حسياً واضحاً، ويجعل القارئ يعيش داخل تفاصيل الحياة اليومية.
فيرانتي تحدثت عن رغبتها في كتابة تاريخ إيطاليا من زاوية نسائية، عبر متابعة التحولات الاجتماعية والسياسية من خلال مسار شخصيتين. التعليم، الصعود الطبقي، الزواج، الحركات الطلابية، كلها عناصر تدخل السرد من دون خطابة. الحكاية الخاصة تتحرك داخل سياق أوسع، حيث يتقاطع المصير الفردي مع تحولات المجتمع.
اللغة في «صديقتي المذهلة» تتسم بالوضوح والدقة، مع ميل إلى الجملة التي تحتضن انفعالاً داخلياً مكثفاً. فيرانتي عملت على خلق صوت سردي يحمل نبرة اعترافية، كأن الراوية تعيد كتابة حياتها كي تفهمها. هذا الإطار الاعترافي يمنح النص توتراً خاصاً، ويجعل القراءة تجربة اقتراب من ذاكرة شخصية تتكشف تدريجياً.
البنية السردية تعتمد على الاسترجاع، حيث تبدأ الراوية من اختفاء ليلا في الحاضر، ثم تعود إلى الطفولة بحثاً عن جذور العلاقة. هذا البناء يمنح النص بعداً تأملياً، ويجعل السرد عملية استعادة منظمة لزمن مضى. القارئ يتحرك مع الراوية في رحلة نحو الماضي، ويتابع كيف تتشكل الشخصيات عبر طبقات من التجربة.
أحد أبرز عناصر الرواية هو اهتمامها بالتعليم واللغة كوسيلتين للتحرر. إيلينا ترى في الدراسة باباً للخروج من الحي، بينما تواجه ليلا حدوداً قاسية تفرضها العائلة والبيئة. هذا التباين يمنح السرد طاقة درامية، ويكشف عن الفوارق الدقيقة في الفرص المتاحة داخل المجتمع ذاته.
العمل لقي استقبالاً نقدياً واسعاً منذ صدوره، واعتُبر بداية مشروع روائي أعاد الاهتمام بالرواية الواقعية الاجتماعية من منظور نسوي. الرباعية تحولت إلى ظاهرة عالمية، وتُرجمت إلى لغات عديدة، وأُنتجت عنها أعمال تلفزيونية. غير أن قوة النص الأولى تبقى في قدرته على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين امرأتين، وعلى تحويل تجربة محلية إلى حكاية إنسانية عامة.
إيلينا فيرانتي، الاسم المستعار لكاتبة إيطالية اختارت إخفاء هويتها، ارتبط اسمها بالرباعية النابوليتانية التي تبدأ بـ«صديقتي المذهلة». أعمالها تتناول قضايا الهوية النسوية، الصداقة، العائلة، والتحولات الاجتماعية في إيطاليا المعاصرة. حضورها الأدبي يقوم على النص وحده، بعيداً عن الصورة العامة، ما منح مشروعها طابعاً خاصاً في المشهد الثقافي الأوروبي.
المصدر:
شهادات إيلينا فيرانتي في مراسلاتها الصحافية وحواراتها المكتوبة مع دور نشر إيطالية وأوروبية حول نشأة الرباعية النابوليتانية وملامح «صديقتي المذهلة».
0 تعليقات