روايتي التي أحبّتني أوّلاً!
أمتعُ الروايات وأحلاها تلك التي تكتبك قبل أن تكتبها، وترسم خطاك إليها بأقلام لا تراها! تنثر أزاهيرها في دربك، تمهده لك، ترشّه لينمو، تعبق رائحة رمله لتندهش وتصحو!
ذلك لأنّها تجذبك إلى أفلاكها دون أن تعي، تلوّح لك بكفّها لتقول لك: أنا هنا!
تنثر ثقتك بين يديك وتستلم خيوطها منها هي!
ليس لأنّ حكاياتها ضجّ بها سمعك، وهناك من دلقها في أذنيك وعشت بعضها كمشاهد حاضر ومترقّب، ولكن أيضاً لأنّك علقت فيها وما عدت قادراً على أن تنفكّ منها!
كنت كذلك مع (أمّي جاءت)، روايتي الأولى وإصداري الثاني، وقتها كنت خارجة من معركة كتابي الأوّل (نساء في سجون الحرّيّة)، ولست أبالغ بوصفي هذا؛ يكفي أنّني عشت مع لغة ليست لغتي، وأناس لا يشبهونني ولا أحبّ قصصهم وتفاصيلهم المرعبة لعدّة سنوات، وقد أثقلتني الكتابة وقتها!
وما أقسى أن يؤذيك من تحبّه!
فكيف أبدأ في مشروع جديد سيتلبّسني من جديد (!) وأنا للتوّ فتحت عيني على لحظاتي وتفاصيلي اليوميّة التي بُعثرت لسنوات لأجل الكتاب الأوّل، وهو يحتلّ قائمة الاهتمامات الخاصّة بي؟
في وقت كنت أرى نفسي قاصّة، ولا يمكنني أن أكون روائيّة، أعشق الاختصار، وأخشى أن أناقض الأحداث، ولا يمكنني أن ألهث وراء زمن طويل، وشخصيّات متعدّدة، وأحداث متراكمة قد تنفرط منّي أو تتمرّد الشخصيّات من بين يديّ، خاصّة أنّني متطلّبة جدّاً في انتقاء الروايات التي أحبّ قراءتها، وما أكثر ما توقّفت عن قراءة بعض الروايات منذ الصفحات الأولى، ليس لأنّها سيّئة، لكنّها لم تجذبني رغم شهرتها! ومع عشقي للقراءة الذي يرغمني أن ألوم نفسي، أعود لأتمّ قراءة بعضها مُرغمة!
وتتجدّد مخاوفي؛ فكيف ستبدو روايتي أمام هذا الكمّ الهائل والمتكدّس من الروايات؟ كيف ستزاحمهم؟ وتدافع عن حقّها في التواجد، وليس الظهور فحسب؟ خاصّة حين تكبّلني عبارة قالها خبير إعلامي ناجح: (منيرة لا تُجيد التسويق لقلمها)! برغم ممارستي لكتابة مئات القصص القصيرة المنشورة في الصحف منذ كنت على مقاعد الدراسة!
وحين امتلأت بتلك الأحداث، وظننتُ أنّي سأكتب رواية أو قصّة طويلة، جعلتها (رواية في يومين) لأتشبّع الثقة، وأختصر الزمن الذي كنت أظنّه يعيقني ويقصّر نفسي في القصّ! ولأنّها وُلدت هكذا، ولا شيء غيره يمكن أن أختطّه لها، فهي من رسمت نفسها في مخيّلتي.
كانت صديقتي الأمريكيّة (من أصول أفريقيّة) تروي لي عذاباتها وحنينها لأمّها التي لم ترها منذ أزمان، حتّى إنّها كبرت وتزوّجت وأنجبت، وتنقّلت بين قارّات العالم دون أن تراها منذ كانت تلك الطفلة التي تقضم الحيرة قلبها، ويهلع قلبها في صدمة أفاقت عليها وهي تودّعها في رحلة شاقّة وقاسية لتنجو! هي تحكي، وقلبي يرجف، وأدافع دموعي حين تسقط تلك المخاوف في تفاصيلي التي لا أنفكّ عنها، برغم الفارق بيننا، والفقد الذي نعانيه معاً، لحضن أمّ لا بديل له، ولا يمكن لأيّ كائن أن يحتلّ مكانه أو يمنحك أمانه ودفئه. كنت أنوح لألقى أمّي المريضة (رحمها الله تعالى)، وأدعو ربّي ألّا يفجعني فيها وأنا في غربتي! علمت حينها أنّ الأمّ حين تحضر في القصّ تتبدّد كلّ الشخصيّات وتبقى هي: نخلة صامدة، تتمدّد جذورها في القلب، سفينة تفرد أشرعتها حولك، ناقة تحنّ لأجلك! مصير تركض له بلا ساقين!
فيزيد همّي حين أعيش مشاعر متناقضة؛ فكيف أتلذّذ بالكتابة التي أعشقها، وأرسم خيالها الذي يجب أن يحضر؟ وقلبي ينزف مع أبطال حكايتي، ليس لأجلهم فحسب، بل لأجل واقعي الذي لم يعد خيالاً؟
كانت تحكي لي عن مصاعب عاشتها كطفلة هربها أهلها خوفاً عليها! وكنت أرى تتمّة مخاوفها أمامي، وبعضها من حكايا مثيلاتها، فارتسمت الرواية أخيراً في مخيّلتي، بل حضرت، ومدّت ساقيها، وأكلت وشربت معي مجدّداً، وعانقتني في صحوي ومنامي، حتّى إنّها غسلت الأطباق معي، وأعادت ترتيب الأرائك بخفّة وجمال، وخاضت معي ثلج (شيكاغو)، وقاست معي برده الذي لا يُحتمل..
ظلت الأحداث عالقة فيّ لأزمان، وفي كلّ مرّة تضيف صديقتي ما يُبهرني، ويُلِحّ عليّ كي أبدّد مخاوفي من كتابة الرواية، التي تتجدّد كثيراً، لكنّني حين عشت في خضمّها بين أحداث متخيّلة تتّكئ على أحداث حقيقيّة، بطلتها ماثلة أمامي، وقعت في فخّ الحقيقة حين لامتني فيما بعد على حكاية ما تمنّت ألّا أحكيه، وظنّته (فضفضة بين صديقتين)، ولم تعرف أنّها أمام كاتبة تتلهّف لأحداث بعضها لا يمكن أن يكون متخيّلاً!
وحين علقت فيها وكتبتني هي مجدّداً، نتأت مخاوف أخرى وأنا أبحث عن صور اللاجئين وحكاياتهم لأعيشها معهم، وأستطيع وصفها وتخيّل ما يمكن أن يحدث هناك، حيث الصحارى المقفرة، والبطون الخاوية، وسواد الليل الذي يشقّ عواء الذئب سكونه. (وقتها كان اللجوء في مناطق محدودة من العالم).
كما أنّني اخترت اسم الرواية من عبارة تكرّرها البطلة كثيراً (الحقيقيّة والمتخيّلة) عن حلم مجيء الأمّ الذي عاشته طوال حياتها، وعاش معه أبناؤها أيضاً! في حين كنت أنسج خيالاتي لأجيء أنا لأمّي، وحين كنت أرتمي في حضنها وأبكي شوقي المرير لها، كانت روايتي تحضر من جديد ببطلتها (الحقيقيّة والمتخيّلة)، فأبكي شفقتي عليهما، وأعجب لصبرهما، وكيف استطاعت الحقيقيّة أن تعيش هذا الفراق المرعب، وتتصبّر عليه؟
أحببت روايتي، وشعرت أنّها أحبّتني أوّلاً، لأنّها أعطتني الثقة، وهي رغم الملاحظات عليها جعلتني أقدّم روايتين بعدها بثقة أكبر، وأمنيات أن أكون قدّمت شيئاً يُذكر.
ولا تزال الأحداث تسكنني، حتّى إنّني نشرت ما يشبهها كقصّة قصيرة (من حكايا الاغتراب) في مجلّة اليمامة.
وبعد!
كتبت الرواية، وصدرت بحمد الله تعالى منذ عدّة سنوات، وجاءت أمّ بطلة روايتي، بل ووالدها وبعض أفراد أسرتها، واستقرّوا معها، أمّا ما لم يتحقّق فهو وعدي لها: إذا نجحت الرواية (كما أتمنّى) سأهديها هديّة ثمينة تحبّها!
0 تعليقات