ماريو بارغاس يوسا و«حفلة التيس»: كتابة الديكتاتور من الداخل
حين عاد ماريو بارغاس يوسا إلى تاريخ رافاييل تروخيو في جمهورية الدومينيكان، لم يكن يبحث عن مادة سياسية جاهزة، وإنما عن سؤال أعمق يتعلّق بطبيعة السلطة حين تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية. هكذا بدأت ملامح «حفلة التيس» تتكوّن في أواخر التسعينيات، بعد سنوات من انشغاله بفكرة الديكتاتورية في أميركا اللاتينية، وبأثرها النفسي والاجتماعي في الأفراد.
في حواراته مع الصحافة الإسبانية واللاتينية، أوضح يوسا أنّ الرواية جاءت نتيجة بحث طويل في الوثائق والشهادات المتعلقة بمرحلة حكم تروخيو (1930–1961). قرأ مذكرات معارضين، واطلع على أرشيف سياسي، وتحدث مع أشخاص عايشوا تلك الفترة. هذا الاشتغال الوثائقي منح النص قاعدة تاريخية صلبة، غير أنّ الهدف لم يكن كتابة سرد تاريخي، وإنما فهم آلية الخوف، وكيف يتحوّل المجتمع إلى شبكة من الصمت والمراقبة.
الرواية تنسج ثلاثة مسارات متوازية: مسار أورانيا كابرال التي تعود إلى سانتو دومينغو بعد سنوات من الغياب، ومسار الديكتاتور في أيامه الأخيرة، ومسار المجموعة التي تخطط لاغتياله. هذا البناء الثلاثي يمنح النص توتراً متدرجاً، ويتيح النظر إلى السلطة من زوايا متعددة: من داخل القصر، ومن داخل المعارضة، ومن ذاكرة فردية تحمل جرحاً شخصياً عميقاً.
يوسّا تحدث في أكثر من مناسبة عن اهتمامه بما يسميه “الهندسة الروائية”، أي بناء النص عبر خطوط متقاطعة تتقدم في آن واحد. في «حفلة التيس» يتبدل الزمن بين الحاضر والماضي بسلاسة محسوبة، ما يخلق شعوراً بأن الماضي ما يزال حاضراً في الوعي الجمعي. أورانيا، عبر عودتها، تمثل ذاكرة مكبوتة تبحث عن مواجهة، وتكشف أن السلطة لا تنتهي بسقوط الحاكم، بل تظل آثارها راسخة في النفوس.
الديكتاتور في الرواية لا يُقدَّم كشخصية كاريكاتورية، وإنما كشخص معقد، يحمل إحساساً مطلقاً بالسيطرة. يوسا أشار في حواراته إلى أنه أراد تجنب التنميط، وأن يُظهر كيف يرى الحاكم نفسه، وكيف يبرر أفعاله. هذا المنظور يمنح النص عمقاً نفسياً، ويحوّل العمل إلى دراسة في طبيعة الاستبداد، بعيداً عن الخطابة المباشرة.
اللغة في الرواية تتسم بالدقة والصرامة، وتعكس إيقاعاً سريعاً في فصول الاغتيال، مقابل إيقاع أكثر تأملاً في مسار أورانيا. هذا التفاوت في الإيقاع يخدم البنية العامة، ويعزز الإحساس بتداخل الخاص والعام. العنف يُعرض من خلال أثره في الجسد والذاكرة، لا عبر مشاهد استعراضية.
عند صدور الرواية عام 2000، رأت الصحافة الثقافية في إسبانيا وأميركا اللاتينية أنها امتداد لتقليد “رواية الديكتاتور” في الأدب اللاتيني، الذي يضم أعمالاً لغابرييل غارسيا ماركيز وأوغوستو روا باستوس. غير أنّ يوسا قدّم معالجة مختلفة، تركز على تفكيك البنية النفسية والاجتماعية للسلطة، وعلى إبراز دور الأفراد في استمرارها أو مقاومتها.
في مقابلة مع صحيفة «إل باييس» الإسبانية، أشار يوسا إلى أن الرواية تسعى إلى فهم كيف يمكن لشخصية واحدة أن تتحكم بمصير أمة، وكيف يسهم المحيطون بها في ترسيخ هذه الهيمنة. كما أوضح في حوار مع «نيويورك تايمز» أن العمل كان بالنسبة إليه محاولة للاقتراب من سؤال أخلاقي: ما الذي يجعل مجتمعاً يقبل بحكم مطلق لعقود؟
النص لقي استقبالاً نقدياً واسعاً، وأعيد تأكيد مكانة يوسا كأحد أبرز الأصوات في الرواية اللاتينية المعاصرة. بعد عقد من صدور «حفلة التيس»، نال جائزة نوبل للآداب عام 2010، حيث أشادت الأكاديمية السويدية بقدرته على رسم خرائط للسلطة وصورها المقاومة.
ماريو بارغاس يوسا، المولود عام 1936 في بيرو، يُعد من أعمدة “الطفرة” اللاتينية في الستينيات والسبعينيات. من أعماله «المدينة والكلاب»، «البيت الأخضر»، و«محادثة في الكاتدرائية». مشروعه الأدبي يتميز بانشغاله بالعلاقة بين الفرد والسلطة، وبقدرته على بناء نصوص مركبة تمزج البحث التاريخي بالتحليل النفسي.
«حفلة التيس» تظل عملاً مركزياً في هذا المشروع، إذ تجمع بين التوثيق الدقيق والبناء السردي المتشابك، وتقدّم رؤية عميقة لطبيعة الاستبداد وآثاره الممتدة.
المصدر:
حوارات ماريو بارغاس يوسا مع صحيفة «إل باييس» الإسبانية حول كتابة «حفلة التيس»، وتصريحاته في مقابلات مع «نيويورك تايمز» بشأن بحثه التاريخي عن حقبة تروخيو، إضافة إلى تغطيات نقدية أوروبية ولاتينية عقب صدور الرواية عام 2000.
0 تعليقات