كيف وُلدت «حكاية الجارية»؟ مارغريت أتوود تكشف الكواليس
عندما بدأت مارغريت أتوود العمل على «حكاية الجارية»، لم تتجه إلى اختراع عالم غرائبي بعيد عن الواقع، بل دخلت منطقة التماس بين السياسة واليومي، بين ما يحدث في نشرات الأخبار وما يتسرّب بصمت إلى حياة الأفراد. الفكرة الأولى تشكّلت أثناء إقامتها في برلين الغربية في منتصف الثمانينيات، في زمن كانت فيه المدينة تعيش انقساماً رمزياً وجغرافياً يعكس صراع الأنظمة والأيديولوجيات. هناك، في فضاء مشحون بالتوتر السياسي والرقابة والحدود، بدأت أتوود تفكّر في شكل السلطة حين تتسلل إلى الجسد، وإلى اللغة، وإلى تفاصيل الحياة الخاصة. من هذه النقطة تشكّل المسار الأول للرواية.
أتوود تروي أن مشروع «حكاية الجارية» قام على مبدأ واضح: كل ما يظهر في الرواية له جذور واقعية في التاريخ أو في الحاضر السياسي. القوانين التي تحكم جمهورية غيلياد، أنماط السيطرة على النساء، آليات المراقبة الاجتماعية، جميعها مستمدة من وقائع شهدها العالم في فترات مختلفة. هذا الخيار جعل الرواية تتحرك في منطقة قريبة من القارئ، حيث يتحول الخيال إلى مرآة مكبّرة لآليات السلطة التي تعمل في الواقع، وتكشف كيف يمكن للنظام السياسي أن يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية عبر خطاب أخلاقي وديني منظم.
في مرحلة البحث، عادت أتوود إلى نصوص تاريخية عن الثيوقراطيات، وإلى أرشيفات تتعلق بحقوق المرأة، وإلى دراسات حول الأنظمة الشمولية. هذا العمل التحضيري سمح لها ببناء عالم روائي متماسك من حيث القوانين الداخلية والبنية الاجتماعية والتراتبية السلطوية. الرواية تشكّلت عبر طبقات: طبقة سياسية تتعلق بإعادة هندسة المجتمع، وطبقة نفسية تتعلق بتجربة البطلة داخل هذا النظام، وطبقة لغوية تعكس طبيعة الخطاب المسيطر في غيلياد.
اختيار الراوية الأنثوية جاء من رغبة في تقديم التجربة من الداخل، من منظور شخص يعيش داخل النظام ويتنفس قوانينه اليومية. البطلة لا تقف في موقع المنظّر السياسي، بل تتحرك داخل فضاء محدود، حيث يتحول الجسد إلى ساحة صراع، وتتحول اللغة إلى أداة ضبط اجتماعي. أتوود تشير إلى أن هذا المنظور منح الرواية قدرة على الاقتراب من التجربة الإنسانية الفردية، من الخوف اليومي، من التكيف القسري، من محاولات النجاة الصغيرة التي تتخذ أشكالاً خفية.
في البنية السردية، اعتمدت أتوود على صوت داخلي متوتر، يحمل آثار الذاكرة الشخصية قبل قيام النظام الجديد، ويقارن باستمرار بين الماضي والحاضر. هذا التداخل الزمني سمح للنص بأن يكشف حجم التحول الذي يطرأ على المجتمع حين تُعاد صياغة القوانين والمعايير الأخلاقية. الرحلة السردية هنا تتحرك بين ما كان وما صار، وبين الحنين إلى حياة سابقة والخضوع القسري لقواعد جديدة.
اللغة في «حكاية الجارية» جاءت مكثفة، مشحونة بالدلالات السياسية، ومحكومة بإيقاع صارم يعكس طبيعة النظام الحاكم. أتوود حرصت على بناء قاموس لغوي خاص بالعالم الروائي، حيث تُعاد صياغة المفاهيم الدينية والأخلاقية لخدمة السلطة. هذا القاموس يتحول إلى جزء من البنية السردية، ويمنح النص طابعاً تحليلياً يوازي السرد الحكائي. اللغة هنا تعمل كوسيط بين القارئ والعالم المتخيّل، وتكشف كيف يمكن للكلمات أن تتحول إلى أدوات سيطرة.
في علاقتها بالقارئ، ترى أتوود أن الرواية تفتح مساحة تفكير حول هشاشة الحقوق، وحول سرعة تحوّل المجتمعات تحت ضغط الخوف والأزمات. القارئ يدخل النص ليواجه أسئلة تتعلق بموقع الفرد داخل النظام، وبحدود المقاومة الصامتة، وبالقدرة على الحفاظ على الذات في ظروف تضييق خانقة. هذا التفاعل يجعل الرواية مساحة حوار بين النص والواقع، حيث تتقاطع التجربة السردية مع النقاشات السياسية والاجتماعية المعاصرة.
أتوود تتحدث أيضاً عن استقبال الرواية عند صدورها الأول، حيث أثارت نقاشات واسعة حول قضايا الجندر، والسلطة، والدين، وحدود الحرية. هذا الجدل منح النص حياة طويلة خارج حدود الكتاب، وتحول إلى جزء من الثقافة العامة، عبر المسرح والسينما والمسلسلات التلفزيونية. مع ذلك، ظل النص الروائي يحتفظ بفرادته بوصفه عملاً يعتمد على البناء اللغوي والسردي العميق، لا على الصورة البصرية وحدها.
في مسار المراجعة والتحرير، أعادت أتوود ترتيب بعض المقاطع، وضبط الإيقاع الداخلي للرواية، وحرصت على الحفاظ على توتر مستمر من البداية إلى النهاية. هذا العمل البنيوي سمح للنص أن يتماسك رغم كثافة الأفكار والموضوعات المطروحة، وجعل السرد يتحرك بخط متصل يحافظ على شدّ القارئ.
تجربة «حكاية الجارية» تكشف تصوراً للرواية السياسية يقوم على ربط البنية الحكائية بالتفكير النقدي. النص يتحول إلى مساحة فحص للعلاقة بين السلطة والجسد، بين الخطاب الديني والسياسة، بين الخوف والطاعة. الرواية هنا تؤدي دوراً ثقافياً يتجاوز التسلية، وتدخل في قلب النقاش العام حول مصير المجتمعات الحديثة.
في خاتمة هذه التجربة، يظهر مشروع أتوود الروائي بوصفه مساراً طويل النفس، يعتمد على مراقبة التحولات الاجتماعية والسياسية، وعلى تحويلها إلى مادة سردية تحمل طاقة تأملية ونقدية. «حكاية الجارية» تظل واحدة من أكثر أعمالها حضوراً وتأثيراً، نتيجة قدرتها على الجمع بين البناء الحكائي المتماسك والطرح الفكري العميق.
وفي إطار التعريف بالكاتبة، تُعد مارغريت أتوود من أبرز الأصوات الأدبية في كندا والعالم. وُلدت عام 1939، وارتبط اسمها بالرواية التي تشتبك مع قضايا السلطة والجندر والبيئة والسياسة الثقافية. صدرت لها أعمال عديدة في الرواية والشعر والمقالة، من بينها «القاتل الأعمى»، «أوريكس وكريك»، و«حكاية الجارية». نالت جوائز أدبية كبرى، من بينها جائزة بوكر، وتُرجمت أعمالها إلى عشرات اللغات. مشروعها الأدبي يتميز بقدرته على قراءة التحولات الاجتماعية وتحويلها إلى سرد يحمل بعداً نقدياً وإنسانياً واسع الأفق.
المصدر:
شهادات مارغريت أتوود عن كتابة «حكاية الجارية» في مقابلاتها الصحافية ومحاضراتها العامة حول الأدب والسياسة والخيال السردي.
0 تعليقات