صفر فاصل خمسة ... رحلة الحياة والذكاء الاصطناعي!
كثر الحديث عن الذكاء الاصطناعي واستخداماته مؤخرًا، بل وغدا موضوعًا للكثير من الكتابات والأدبيات والدراسات التي تناقش أهميته وما يعرضه من فوضى قد تسيء إلى الأدب والكتابة بشكل عام، من جهة أخرى يغرق الناس كل يوم في سجالات مستمرة لا تنتهي على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي سواء كانت عن الذكاء الاصطناعي وباستخدام تقنياته نفسها، أو كانت حول أي "تريند" آخر يفرض نفسه على الناس فجأة ويصبح حديث الجميع ثم سرعان ما يختفي ليظهر غيره، بين هذا وذاك يتوقف الأديب ليرصد ويتأمل ويحلل، بكل هدوء، هل يمكن فعلاً أن يسيطر علينا الذكاء الاصطناعي، ويفرض علينا طريقة تعامل مع الناس، أو يغيّر حياتنا بالفعل كما يثار؟!
ليس الأمر بعيدًا ولا مستغربًا، فطالما احتل عالم المستقبل وأجواء الخيال العلمي صفحات الكتب وروايات استشراف المستقبل، ورسم الكتاب والأدباء بخيالهم المحلّق آفاقًا وتصورات لعوالم جاءت من أزمان وأماكن أخرى سواء لاحتلال الأرض أو تغيير طريقة حياة الناس عليها، فما الجديد المختلف الذي يمكن أن تقدمه رواية "صفر فاصل خمسة"؟!
تتحدث الرواية عن عمر الذي يعمل مديرًا لشؤون العاملين وهي الوظيفة التي لا يصل إليها الناس بسهولة، ولديه أسرة مستقرة وعائلة، ولكن الملل يبدأ في التسرب إلى حياته، ويفقد "الشغف" تلك الكلمة التي ابتذلت لكثرة استخدامها، ولكنها تعبر عن الدافع لمواصلة الحياة والذي تتحدث عنه كل وسائل الإعلام تقريبًا ويفتقده الكثيرون أيضًا، وهكذا يقع فريسة سهلة لمقاطع "الريلز" كما يسميها على فيس بوك، ويسعى لخوض تلك المغامرة حتى يغيّر نمط حياته الرتيب!
لعل أجمل ما تفعله الرواية أنها تقترب من هذا العالم بحذر، أو لنقل إنها تحاوره وتتفاعل معه بدلا من الاكتفاء برصده الخارجي او إطلاق أحكام عامة كبرى عليه، مثل إنه يسيطر علينا، أو أن مخاطر ذلك العالم كذا وكذا، بل على العكس تمامًا يأخذنا القرملاوي مباشرة وببساطة إلى مغامرة حقيقية وسردية في الوقت نفسه مع بطل روايته . ذلك الرجل العادي الذي يمثل الآلاف بل ربما الملايين من الأشخاص في عالم اليوم.
(مراحل التجربة ثلاثة، ستعيش كلًا منها مدة يوم واحد، فيتشَرَّب العقل الاصطناعي تجربتك بجميع أبعادها، ويصير أكثر إنسانية ووعيًا بالنفس البشرية. إنك تشارك في صنع المستقبل بخوضك هذه التجربة.
ــــ هل جئتُ هنا حتى أتوه وأفقد وأسافر؟
ـــــــ ألا تذهب إلى السينما؟ ألا تُشاهد أفلامًا فتعايش آلام أبطالها وترتعد مع خوفهم وتتأثر بانفعالهم وعواطفهم؟
نعم أفعل ذلك بوصفي مُشاهدًا فحَسْب.
ستعيشه اليوم حقيقةً واقعةً، وغدًا، وبعد غد، ستعيشه في عقلك فقط من دون أن يؤثّر في صحتك النفسية أو البدنية، ولن يكون هناك ألَمٌ من أي نوع مهما حدث)
يأخذنا القرملاوي إلى المغامرة مباشرة، تمامًا كما تفعل معنا مشاهد فيديو فيس بوك "الريلز" بدون مقدمات، لنجد أنفسنا مع بطل الرواية داخل مغامرته، ونتعرف عليه وعلى هواجسه وأفكاره داخل تلك التجربة، بدءًا بمحاولته إنقاذ باتريشيا حتى يجمعهما غرفة واحدة في فندق، ونتعرف على دور كل واحدٍ منهما وما المشكلات التي سيتورط فيها وكيف سيحاول النجاة بنفسه!ّ
هكذا نكتشف مع عمر أن التجربة ليست مأمونة المخاطر والعواقب، ورغم تأكيدات القائمين عليها أنها لن تؤثر عليه، إلا أنه يتأثر بتفاصيل المواقف والأحداث، وتتغيّر أفكاره وهواجسه سواء في علاقته بالفتاة التي معه، أو بزوجته فيما بعد، بل ويسعى إلى إنهاء التجربة بشكل مفاجئ، وفي كل مرة تظهر له مشكلة/ مفاجأة جديدة.
لا يتوقف السارد أو الروائي لتفسير أو توضيح أي مرحلة من مراحل التجربة، أو يعلق عليها سواء من خلال الراوي العليم أو تتلك الشخصية التي تقدم مراحل المغامرة المختلفة، ويترك للقارئ فرصة التفسير والتأويل، حتى أن اسم الرواية والأخوية "صفر فاصل خمسة" لا يتم توضيح معناه وإن كان يشير بشكل ما إلى رمز "النصف" تلك المرحلة الوسطى بين الصفر و"الواحد" المكتمل، كما قد يشير أيضًا إلى النقطة التي يمثلها رمز الصفر بالعربية ورقم خمسة الدائرة المكتملة التي تمثل الكمال، فهذه الرواية والتجربة، وربما الحياة كلها تقع بين مرحلة اللاوجود ومرحلة الكمال التام!
تجربة افتراضية يخوضها البطل، ولكنه يشعر في كل مرحلة ومع كل موقف أنه "حقيقي جدًا" وليس متخيلاً، لدرجة أنه يتهم زوجته بخيانته مع رجل آخر هناك في ذلك العالم "الافتراضي"!! هل نحن في عالم حقيقي أصلاً؟! ما المسافة الفاصلة بين الحقيقة والافتراضي؟! كيف نفصل بينهما ومتى وأين؟!
هكذا تبدأ الرواية بافتراض سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، ومحاولة تغذية "العقل الاصطناعي"، ولكنها تنتهي إلى أنها صورة أخرى لعالم اليوم، فكل التجارب تبدو واقعية وليست افتراضية، وكل المشاعر حاضرة منذ بدأت الرحلة، والتجارب تمر ويمكننا تجاوزها، ولا يزال الناس رغم كل ما يمرون به قادرين على مواصلة التجريب مرة أخرى، أو أنها لعنة بقائهم على قيد الحياة!
تجدر الإشارة إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتناول فيها القرملاوي ذلك الصراع المادي في العالم، وسيطرة أصحاب النفوذ والسلطة سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر التنافس في المسابقات العالمية مثلما قدم منذ سنوات في رواية "دستينو" (2015) حيث كانت تلك المسابقة التي أطلقت في أمريكا كاشفة عن طبائع المشاركين فيها، وعاكسة من جهة أخرى لطبيعة عالم اليوم الذي يقدم فيه الناس المكاسب المادية على التحقق المعنوي، وتضيع فيه القيم والمثل العليا، وهي تجربة تقترب بشكل ما من عالم رواية "صفر فاصل خمسة" بعد إضافة سيطرة وسائل التواصل وما تفرضه علينا من تجارب وخيارات!
ولعل الملاحظة الأبرز في رواية "صفر فاصل خمسة" (بعد مرور السنوات) أن القرملاوي أصبح أكثر قدرة على التركيز، سواء في عرض فكرته أو تناول شخصياته، فالرواية التي لم تتجاوز 160 صفحة، استطاع فيها أن يجذب القارئ لعالمها ويعرض تفاصيل حياة أبطاله ببساطة وإيجاز شديدين، بل وهو في الوقت نفسه يفجر في نفس القارئ بعد ذلك عددًا من الأسئلة التي لاشك ستتبادر إلى ذهنه بمجرد انتهاء الرواية.
أحمد القرملاوي روائي ومترجم مصري، يعمل مديرًا للنشر في دار ديوان، صدرت أول أعماله الأدبية في 2013 وكانت مجموعة قصصية بعنوان "أول عباس"، أصدر خمس روايات، حصلت روايته "أمطار صيفية" على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2016، كما حصلت روايته نداء أخير للركاب" على جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب 2019، وفازت روايته "ورثة آل الشيخ" بجائزة كتارا للرواية العربية 2021.
0 تعليقات