رواية ستانغولا.. سؤال الذاكرة ومحنة الأجيال
بين هضاب أضرحة وادي بوسلام، حيث قائدة الجوق الجدّة (الحاجّة الطّاووس)، وحلقات التعزام بأسواق السّبت الشعبية بالتلّ السطايفي، ينسج لنا اليامين بن تومي حكاية شخصية الحفيد الإشكالية، المدعو (حي)، يعجنها في لعبة سردية باهرة الجمال، في عزوبة اللّغة وتشييد المعمار، مع شخصيتيْنِ إشكاليتيْنِ أيضا، ارتبطتا بمكان صحراوي إشكالي هو الآخر، المسمّى (رقّان) من جغرافيا الجنوب الغربي للجزائر، و(REGGANE) بأروقة ورفوف الأرشيف الفرنسي من العاصمة باريس، وإن سلّمنا كتابة النص من طرف الحفيد (حي) بلسان سرده، فإن العنوان الذي أعطاه السّارد للأب (ستانغولا) لم يكن عفويا؛ إنما منطقيا يحقّق الكفاية الدالة على معطى النص، بحكم الدور المحوري الذي منحه النص للأب (ستانغولا)، بين ولده الحفيد (حي) ووالده الجدّ (بوشوارب) وقضيتهما الشائكة في مرايا ابن صلبه التائه.
على أيّة حال، هذا الحفيد ما هو إلا راوٍ وباحث تاريخي أكاديمي في أرشيف الاستعمار الفرنسي؛ لكنه في الحقيقة باحث عن ذاته الضائعة بين أبيه ستانغولا، المُخصى بمعتقل رقان، الذي تركه نطفة وديعة في رحم أمه (باية)، ولم يفتح وعيه واتصاله بالعالم الخارجي، إلا على ابن ستانغولا العار (المعتقل)، بعد أحداث الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وما دمّر نفسّه كطفل صغير بريء، رؤية القسوة في الكلام والفعل، على جدّته وجدّه، في أعمال التفتيش شبه اليومية لبيتهم، حتى باتت هذه الأغنية المصاحبة للدقّ المعنّف لباب الدار: (أين ستانغولا الإرهابي الهارب)؟ هي ما يجمّل يوميات طفولته، ولن أتحدّث لك عن ما كان يجرح قلبه من مناداة الأطفال الأنداد: (ولد الإرهابي ستانغولا)! وحرمانه من الوظيفة والترقيات، مع ما لقيه من عذاب نظرة أهل (الدوّار) والجهة.
الأمر لم يتوقّف بالحفيد عند هذا الحدّ من قسوة الاستقلال في سنته الثلاثين؛ بل تعداه إلى أعطاب أخرى قبل الاستقلال بعامين، وما هدّ ذاكرته من أمر جدّه (بوشوارب)، وما لاقاه من وحشية استعمار، عاش بعدها بعاهة مستديمة، تفرق شاربه السفلي حتى عاد أرنبا، تماما في الثلاثين من عمره، كأن هذه العدد الثلاثيني المتكرّر بين الجدّ والأب، نذير شؤم عنده، عندما قُبض عليه بإحدى الأسواق الشعبية، يحترف صنعة أجداده الملاعبية، بعد مقتل أحد الفرنسيين من طرف الثوار، فجاء في لمّة السوق، وإرسالهم إلى رقان من ثكنة عسكرية بقسنطينة، ليكونوا فئران تجارب للقنبلة النووية، ذات فبراير من سنة 1960، الظّاهر أن رقان المقصودة، ليست رقان حبيبتي للفرنسي فيكتور مالو سيلفا؛ وإنما رقان أخرى، مثقلة بأوجاع الذاكرة الاستعمارية والاستقلالية، المتناسلة بين الأجيال، التي لا تستحي، ولا تريد أن تنتهي.
موضوعات الذاكرة والتاريخ في الخطاب الروائي، لها نكهة لا تقاوم، في الكتابة والقراءة والتلقي، لا سيما عندما ترتبط بقضايا لها ظلال بالمسألة، ففي رواية ستانغولا، لا يفرغ لنا السّارد الموضوع معزولا عن مسبباته أو ما يستمدّ منه القوة والفشل، كل ذلك أتى في طرح متزن غير مؤدلج، ولولا أني في حقل الرواية وحفل التخييل؛ لقلتُ بعقلنته!
رمزية الفحولة وخصي الابن:
لم يكن (ذلك الشيء) المقطوع من ستانغولا يوم ختانه، وما لقيه من حفاوة جدّه وجدّته وأمه من قول الزيّان مجازا: (سيكون له شأن عظيم في فراش النساء)! وما سار في جلسات حمقى (الدّشرة) وقوّاليها، من أنه سيتعب النساء، ويتزوج أربعا منهن، ويُنفخ له في النسّل والولد أو ما أصابه من نحس العيّانة الهاشمية، التي تهكّمت عليه في هذا الختان المبين، بقولها (نحّاوه لو)؛ إلا تمهيدا لبتر (ذلك الشيء) بالكامل، من طرف ابن استقلاله المأمور، تحت طائلة التعذيب بالكهرباء في معتقل رقان البائس، بؤس رماد حموديا القنبلة النووية الاستعمارية، التي أريد له فيها، أن يتنعّم في إشعاعاتها وذاكرتها المجروحة أصلا.
لم يكن خصي الابن من أبيه (الدولة) إلا رمزا لأسئلة ناتئة عن ما بعد الاستقلال، (نزعوا مني ما قد أعيش به مرفوع الهامة والرأس ص 8)، (أخذوه مني وتركوني فارغا ونابضا، أحسست أني أصبحت فارغا رهيبا وبشعا ص 93)، (ماذا يعني أن تكون رجلا بلا ذلك الشيء؟ ص 29)، فالسّارد لا يكلّف ستانغولا أكثر مما يطيق، ما دام هذا الأخير، لم يصعد الجبل ويشهر السلاح أو يتورّط في قتل أو ما يؤدي إليه، إنما هو منخرط سياسي في حزب معتمد في الدستور، خاض الانتخابات مع الخائضين، ليجد نفسه مستلاّ من فراش زوجته الحديثة بالزواج، تحت نظرات والده المجاهد (بوشوارب)، الذي حفر أنفاق الثورة بأظافره، ووصّل رسائلها، ودفع الثمن غاليا بنفايات رقان، والجدّة الزعيمة (الحاجّة الطّاووس)، التي تنبأت له بأن يكون مسؤولا كبيرا في الدولة، من يوم ولادته ثقيلا في الحمل والوزن، شرها في الرضاعة والأكل، كعجول (ستانغولا) البرتغالية السمينة.
يبدو الخطاب الروائي مقتنعا إلى حدّ ما، أنه سيأتي اليوم الذي سيعتذر فيه الاستعمار عن فعلته المشينة بالإنسان والأرض؛ لكنه يطرح سؤالا متكرّرا: هل ستلتفت الدولة المستقلّة بشجاعة، للأعطاب التي مسّت الحفيد (حي) ووالده (ستانغولا) ومن اكتوى بجمرتهما، في قضية معتقل رقان؟ وهو ما جاء على لسان البطل ستانغولا (هل تستطيع دولة الاستقلال أن تقدّم لنا اعتذارها على أعمارنا التي أكلتها غصبا؟ ص 9).
نقد الجماعات الإسلامية من الداخل:
يقدّم لنا نص ستانغولا نقدا متزنا للجماعة الإسلامية المتحزّبة، عندما يفكّك تكوينها، وما وقع بين أجنحتها من أعطاب، حيث حكمت جماعة أبي عراق بالمعتقل على ابن الحركة مسعود بن ناصر المتخصّص في الفيزياء الفضائية بالكفر والتصفية، بدعوى قراءتها السطحية للنصوص، وربطها بالتنجيم، وما طرحه النص أيضا لأطراف معتدلة عالمة متعلّمة، من خلال حلقة تلميذ ابن باديس، الشيخ الجيلالي، الذي أكلت كلاب الاستعمار فخذه، ونهبت كلاب الاستقلال ظهره، وما تركه الشيخ بعد وفاته بالمعتقل من أثر في شخصية البطل ستانغولا، كما راجع النص ذات ستانغولا نفسه، عندما يعترف هذا الأخير، أن الحماسة والعاطفة أخذته للترشّح وهو لا يحفظ من القرآن شيئا، لا سيما عندما هرب من المعتقل رفقة يلّف التارقي، ومكثا سنوات بين زوايا توات، يحفظان القرآن والمتون ويتبرّكون ببركة صالحيها العالمين العاملين، كالشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي، والشيخ محمد بلكبير، والشيخ البكراوي التمنطيطي، والشيخ محمود الكنتي، وغيرهم من أهل الأنوار والأسرار.
رمزية الأولياء وارتباطها بمصير ساكنة الهضاب:
يحيلنا النص على أنماط التفكير القبلي بالمجتمعات الهضابية بالشرق الجزائري، التي تتخذ من بركة الأولياء وأضرحتهم توسّلا في رعاية الفرد من العين والحسد وجلب الخير ودفع الشرّ، من يوم مولده إلى ختانه وعرسه وما يتعلّق به في الملمّات والنوازل، وقد جسّدت هذا الدور بكل اقتدار، مولاتنا الزعيمة الحاجّة الطاووس، وما كانت ترجوه لحفيدها ستانغولا، تطوف به تلك الوهاد والجبال، بداية من ضريح سيد الخير إلى روضة سيد العقبي، مرورا بمزار سيد السماحي، نهاية بمرقد سيد بن لونيس.
ملهاة الأسواق الشعبية وحرفة المديح والطب الشعبي:
حرفة التعزّام، ودهن الأجساد بالزيوت والعقاقير، وابتلاع السكاكين من الأفواه، واللّعب بالأفاعي في الأسواق الشعبية الأسبوعية، لم تكن حرفة متناسلة في أجيال آل البوهالي، الغاية منها الاسترزاق فحسب؛ إنما معطى شعبي، يحيل على شبكة من العلاقات الثقافية المعقّدة في المخيال الاجتماعي بمداشر قسنطينة وسطيف وبوسعادة، فالصنعة المتوارثة ما هي في الحقيقة، إلا توظيف لثقافة شعبية متصلة بالأضرحة والأولياء من جهة، والطرق الصوفية من جهة ثانية، وارتباطهما بمقاومة الأتراك الفاسدين، فضلا عن ما يمنحه لنا هذا المكوّن الثقافي الشعبي، من إلقاء نظرة على الطب الشعبي في ثقافتنا الجزائرية، بيد أن اللّوحة المشتغل عليها من أمر هذه الثقافة، صارت عظيمة وذكية، يوم نجا الجدّ (بوشوارب) والأب (ستانغولا) من عقارب صحراء رقان دون غيرهما، بحكم العلاقة الروحية بينهما وبين العقارب من لعبة التعزّام.
كما نجد النص مفعما بالألفاظ المتصلة بالمديح اشتقاقا حسب السياقات، فتارة اسم الفاعل، وأخرى اسم المفعول، وأحايين الصفة المشبّهة وغيرها من المشتقات ذات الصلة بالتمداح، ولعلها أكثر ارتباطا بالأجيال المذكورة، ومن ذلك على سبيل الذكر لا الحصر (أما أبي فكان بعيدا مع بعض المداحة، الذين يقفون على باب الحوش ص 31).
بوسعادة كنقطة ضوء حضارية بالجنوب القسنطيني:
تحضر بوسعادة بقوة في النص، كنقطة ضوء حضارية، تمثّل ذلك في العباءة البوسعادية للحفيد يوم ختانه، وللأب والجدّ يوم زواجهما، وتعدّته إلى من يدخل حظيرة العروبة والإسلام من النصارى والقساوسة، مع ذكر السّكين البوسعادي أيضا، الذي قطع ذلك الشيء يوم ختان ستانغولا، وما يلحق بأغراض العيش من فنون الحياة الاجتماعية.
ملعقة ستانغولا في قدر التوارق:
لم تكن العلاقة المربوطة في الفرار من معتقل رقان، بين ستانغولا ويلّف التارقي، إلا خيطا موصلا إلى خيمة الثقافة التارقية، وما يتصل بالصحراء من عجائبية الجان والعفاريت في فلاة عروق الرمل الخمسة، التي اكتسبت من رمز خميسة التوارق مفتاحا لولوجها، إذ تغدو المتاهة في الصحاري المقطوعة برفقة بعضهما، فرصة للإفضاء، من أن هذا المعتقل ضمّ مختلف الشرائح والأجناس من الجزائريين، بمن فيهم التوارق وأهل اليسار الشيوعي كالسي حمو أمزيان، والكتّاب الملتزمون، الذين لا تربطهم صفة بالجبهة وانخراطها أو صندوقها الانتخابي، كالسي محسن أو حتى المجانين مما يدل على عشوائية الاعتقال، حيث يتقرّب ستانغولا من عالم التوارق بواسطة يلّف، ويجد جبر علّته المبتورة المشيأة، في مخطوط (الجامع العابر إلى أنوار سيد العابر التارقي)، حتى يصير ذلك الشيء عائدا معنى لا حسّا، مما خلق فيه طاقة الهيام، في عشق المرأة التارقية الجميلة الغامضة، ولم يخفِ ستانغولا ذلك حين يقول: (أن تحبك تارقية، معناه أنها سترسمك على ثديها بالحنّاء ص 89)، ومن خلال علاقة ستانغولا بيلّف التارقي، عرف الأول من الثاني، أنه تعرّض للبتر أيضا في إفراغه من لغته التماشقتية، وهي مسألة شديدة الحيوية بالهوية.
الصحراء.. حضور العذاب والخلاص:
إن ظهرت صحراء رقان في النص كبؤرة لجحيم الاستعمار النووي، والاستقلال الاعتقالي؛ فإنها تحضر كمكان للطهارة والاغتسال، وتلمّس البركات والأوراد، فالحمولة التاريخية لتوات مشتغل عليها بإتقان ومعرفة، وهذا ما نلمسه جليا وبلا عناء، من خلال رسالة الحفيد الافتتاحية، إلى والده وجدّه الموقّعة بتاريخ السابع فبراير 2025 من يوم جمعة مبارك، مستأنسا بوصية جدّه لهذه الأرض الطيّبة (أول ما تطأ رجلك أرض أدرار قل: بركاتكم يا سيدي.. رضايتكم.. ربي يتقبل الزيارة ص 5)، (تمنطيط بيت الله الأعظم.. الذي يتجلّى في وجوه مشايخ الزوايا، الذين يرقون الرمل المريض، ويضحكون على السّم الذي ينتشر في المكان ص 136)، (هذه الصحراء كتاب مقدّس، مغموس بالنور ص 137)، (نحن في حمى سيد المغيلي ص 138).
يبدو أن الروائي اليامين بن تومي وُفّق إلى حدّ كبير، في كتابة متخيّل الصحراء، إذ ليس سهلا أن تكون ابن الشمال، وتروم تخيّل نص أو فصل مشهدي درامي ضمن دائرة بؤرة الحدث من فضاء الصحراء، لطبيعة وخصوصية المجتمع الصحراوي في الثقافات والعادات، ونمط التفكير الجمعي المبني على شبكة معقّدة من العلاقات، وقد نجح بعضهم في ترويض هذا الفضاء، رواية ستانغولا تجربة أخرى، تضاف لتراكم محاكاة الرواية الجزائرية مع امتدادها الصحراوى، إلى جانب تجربة رواية أعوذ بالله للسعيد بوطاجين، ولحبيب السايح في رواية تلك المحبة وغيرهما..
النقطة الوحيدة التي تبقى مشوّشة عند المتلقي للنص، هي مكانة الأم أمام دكتاتورية الجدّة الحاجّة الطاووس؛ لكن هذا التشويش سيزول بالمرّة، عند وصول القارئ للصفحة 166 من النص، أين يُرفع عنها الغبن في حضورها الوجداني كأم، الذي ظلّ باهتا أمام هيمنة الجدّة الطاووس.
ستانغولا رواية الذاكرة الإشكالية بامتياز، كتبت على الرمل، مدادها الطين الأحمر، وقرطاسها سعف النخيل، تعدّدت فيها الأصوات، حيث لم يحتكر السارد العليم السرد، إنما منح فرصا كثيرة وبلا شحّ، لصوت الحفيد (حي)، والأب (ستانغولا)، والجدّ (بوشوارب)، والجدّة (الطاووس)، و(يلّف) التارقي، وغيرهم، مما ممنح دمقرطة سردية، لأن يعبّروا عن أنفسهم، وما يصور لوحة حالتهم البرّانية وما يجول بمشاعرهم الجوّانية، كما أن العناية بتأريخ رسائل الحفيد والأب والجدّ وتوقيعها بحسب مرجع أحداث الأجيال، أعطى للتاريخ زواجه الشرعي بالرواية في هذا النص.
جذير بالذكر أن الروائي اليامين بن تومي ناقد أكاديمي بارز، وكاتب مسرحي لامع، له عديد الأعمال النقدية والإبداعية المنشورة، صدرت روايته المدروسة (ستانغولا) عن دار (أدليس بلّزمة) الجزائر سنة 2025.
0 تعليقات