سرد المنفى والهجرة: 

صدرت رواية (نوريت) عن دار عرب للنشر والترجمة 2026 للكاتب والأكاديمي والصحافي الإريتري الدكتور عبد الرازق كرار عثمان، وتعدُّ أولى إصدارات الكاتب السردية، وقد لاقت أصداء واسعة وسط الأوساط الثقافية عبر مختلف المدن والمنتديات الثقافية. وبما إنها تجربة الكاتب السردية الأولى، إلا أنه لا يجدر أن تحصر ضمن دائرة القراءة الاحتفائية؛ ورِّواية (نوريت) -كأي رواية- في تمثلاتها للزمن والأحداث والمكان في سيِّاق ما تعبر عنه لغتها وتقنيتها الأسلوبية وبالضرورة بنيتها السردية وما تبرزه بشروط الممكنات السردية، يمكن المغامرة بالقول إنها جاءت مكتملة بالشروط والمعاني والآفاق السردية، وقابلة بالتالي إن لم يكن للتشريح النقدي، فمناقشة الأسئلة التي أثارتها في تصاعد أحداثها الدرامية بين اللجوء والمنفى والهجرة وتبدل الهويات، مانحة النص عوالمه المثيرة، التي لا تنفي البعد المأساوي الإنساني في تجلياته الشاخصة، على نحو ما ارتَّسم على فصولها من سرد توثيقيّ يغلب على روايات المنفى والهجرة.

مثَّلت مؤخراً (ثيمة) الهجرة اتجاهاً غالباً في مدونة السرد الأفريقي والإريتري بوجه خاص، انعكاساً لظاهرة الهجرة الواسعة بفعل الحروب والنُّزوح والكوارث الطبيعة والاستبداد السياسي في بلدان غير مستقرة تجابه من أوضاعا انسانية مُزرية. وبالنظر إلى عدد من الأعمال التي أصدرها كتاب أريتيريون تبدو الهجرة والمنفى بشكل لاَّفت، إلى حد كاد أن يكون الأدب الأريتيري أدب منفى Narrative of Exile تشوبه عاطفة نوستالجية على حد تعبير المفكر والناقد البارز الراحل إدوارد سعيد عن المنفى في كتابه صورة المنفى. وهذا ما يلحظ دونما تدقيِّق فاحص في أعمال أبوبكر كهال (تيتانيكات أفريقية)، وحجي جابر (سمراويت)، قبلهما بعقود رواية (المجند) بريادتها التأسيسية للإرتيري غيبريسوس هايلو 1927.  ثُم يواجه الا>ب الإرتيري سرديات الهجرة والمنفى أسئلة الهوية واللغة والذاكرة بوصفه أدباً ينتج في فضاء لغُّوي مغاير كوَّنته سرديات تقيِّم خارج إطارها السيسيولوجي المشروع، بما يعني الحق القانوني لاكتساب صفة المواطنة، أو الحقّ الإنساني في الوجود، وفق منظومة حقوق الإنسان وغيرها من اتفاقيات تعنى بوضعية الإنسانية أياً يكن عرقه ومعتقده، كما يرد في ديباجات تلك الوثائق.

التموقع السردي: 

تبدأ حكاية الرواية التي احتواها أربع وعشرين مقطعاً سردياً (فصل) تتناوب نسج الأحداث في أحد منافي اللجوء لفتاة إرتيرية لاجئة بهوية متحولة في مستشفى بسويسرا تدعى نوريت (المشرقة في التغرينية الارتيرية)، وتتطور الأحداث في بعدين جغرافيين (المكان، الزمان) في إطار كلاسيكي لكتابة النص الروائي؛ بكثافة سردية أغرقت التفاصيل بما جعل السرد يتداعى بكثافة، وهي تقنية مستخدمة بثباتٍ لا يكاد يغادر بنيتها التكوينية. وهذا النمط الوصفي أو التحليلي لمسَّار الأحداث أتَّاح للرواية أن تتعدد فيها صور المنفى وتجليِّاته الثقافية واللغوية والعنصرية مُدمجة في الشخصية المركزية (نوريت)، مُشرحة لأبعادها السيكولوجية، مازجة بين حقائق الواقع المسبقة معطياته والخيَال السردي الخلاّق، مترحلة في الجغرافيا والتاريخ والذاكرة السردية دون أن تنفكّ عن المؤثرات السردية الأساسية في بنية النص الروائي.

نوريت، عنوانا ومحتوى وتفاعلاً سردياً تحرَّكت معها أحداث متصاعدة لازمت حياتها التي تبدأ في إحدى معسكرات اللجوء في شرق السودان، ومن ثَّم تنتهي باللجوء في إحدى دول الغرب (سويسرا)، شهدت خلالها منعطفات إنسانية حادة وقاسية استطاعت الرواية تفكيكها عبر توظيف أدوات سردية مُتقنة. فالبعد المكاني شكَّل حضوره شخوص فاعلين، لما احتواه من وصف تجاوز مألوف (المكان) في النظرية السردية وما يمنح النص أو ضرورة مسحه وما يتناثر حوله من عناصر تُفصِّح سيميائتها وترابطها الدلالي في الخطاب الروائي. جاء المكان في رواية (نوريت) محتوياً على حياتها كما لو كان في بنيته التركيبة ينطوي على حياة (نوريت) بكل ما تحمل دلالته الفاعلة في النصِّ الروائي.  وهذا التفاعل الأيكولوجي بين المكان والشخصية الذي يمنح الشخصية السردية Fictional Character وهويتها مقومات اكتمالها بما يشابه إعادة ترميم للذات في ارتباطها بالمكان. ومن هنا جاء الإغراق السردي في وصف المكان، وما يتفاعل عليه من مؤثرات حيوية في حياة النَّاس، رصدته الرواية برؤية أنثروبولوجية ركزِّت على دقيق التفاصيل ومحتوياتها من عناصر مادية ونسقها الثقافي بما جعلها سردية مكانية مؤنسنة.   

تقنية سردية: 

تقنية الاسترجاع التي استخدمها الرِّوائي – الروائي العليم- التي أضافت مفارقة سردية انبثقت عن إيقاع زمني يستدعي الأحداث في تداخل متحكم به في توازنٍ خلاَّق، جعل من التتابع السردي (استباق، استرجاع) مصدراً استمدت منه الرَّواية طاقتها السردية في تماسك الحكايات المتداخلة داخل النص الرِّوائي. وبينما أطبقت هذه التقنية (الاسترجاع) على فضاء الرِّواية إلا أنها في المقاطع السردية من الثاني عشر إلى الرابع عشر من فصول الرواية، التي تشكل منتصف مساحة الرواية عاود السرد تتابع وتيرته في الزمن المتصل. وربما من وجهة نقدية كان هذا الأسلوب من اختيارات الكاتب أياً تكن الضرورة التي استدعت ذلك.

ومن دون الحاجة إلى تبيان الاختلاف المفاهيمي حول هوية اللاجئ أينما وجد ما بين اللجوء والمنفى والغربة والهجرة والاغتراب على ضوء التعريف القانوني أو الإنساني لوضعيته، إلا أن الرِّواية صَّاغت هذه الهويات المتعددة كهوية سردية مأزومة ومضطربة يحيطها الغموض. وظلًّت هوية نوريت تتغيِّر في أحداث الرِّواية بتغير المكان ودلالاته الرمزية وفقا للسياِّق السيموطيقي في دلالاته الرمزية، فهي (نوريت) لاجئة تلزمها قوانين اللجوء والهجرة في معسكر اللجوء وخادمة في المدينة ودول الخليج بهوية واسم (حواء) وجنسية جديدين، وأخيراً موظفة مصرفية في سويسرا. ويكتشف كيف أن سعَّة الروائي ووعيه بالخطابات السياسية والتحيِّزات الثقافية في رسم هوية شخصية روائية، تعبر عن حقائق بما لا يمكن تجاوزها إلا في حدود ما يمكن أن يبنى سردياً. وهذا هو التسلسل بإشاراته السردية المترحلة كما يرى الفيلسوف والروائي الإيطالي أمبرتو ايكو في كتابه (السميوطيقا وفلسفة اللغة) من أن التسلسل الدلالي هو ما ينتج نصوصاً مستعادة يغذيها التناص.

تبرُّز (نوريت) بوصفها حالة إنسانية تقذف بها الظروف إلى الوجود، تعاني من ظواهر اللجوء والتهميش والغرَّابة في مجتمعات بديلة أو مؤقتة تحت وطأة الضغط النفسي والألم الجسدي. ففي جسدها تجسدت العادات والممارسات من ختانٍ بدائي مشوه لطبيعتها الأنثوية إلى تشوهات سيكولوجية سكنت تجاويف ذاكرتها وعقلها الباطن (مستودع اللاوعي الفرويدي)، إلى خضوعها في مستشفى جنيف الجامعي -حيث توفيت وتجارب الطبيب جوفياني في نظرية تطوير حالة اللاوعي الاختياري متخذة من حالة نوريت حالة الدراسة التطبيقية. بهذا التَّوغل الأعمق في استخدام صيِّغ سردية تَمكن الروائي معزَّزا بالمعلومات والبيانات الموضوعية من تشكيِّل سردي بجعل الرؤية مًشًّعة تشير إلى الصلة الوثقى بين المتخيِّل والذَّاتي؛ ومثل هذه التقنيات السردية ربَّما قورنت بما مثلته أعمال الروائي الروسي الأشهر فيودور دوستويفسكي من تحليِّل البعد السيكولوجي سردياً للشخصيات الروائية.

حاول الراوي -باستمرار- ألا يحيِّد الشخصيات الروائية أو يشكلها مستقلة عن تكوينها البيولوجي والنفسي وطوره المتدرج داخل النص الروائي من حيث موقعها الطبيعي في الحياة، والمٌتخيِّل والسردي. فشخصية نوريت تنتمي إلى منظومة اجتماعية متعددة الوحدات، من وحدة صغرى (أب، أم، أسرة) تقابلها فضاء العلاقات المتشابكة في اللجوء والهجرة والعمل. وعلى الرغم من التركيز السردي Focalization على شخصية (نوريت) بوصفها محوراً سردياً لم تغْب الشخصيات الأخرى في علاقتها بها. ثمة شخصيات شكل حضورها الكثيف رابطة إنسانية في تفاعلها الحياتي (الأب عبد الله، الأم، عبد النور، الخال حامد فطين، نعمات، آنا، أسرة مسز ومستر ديفيس، الطبيب جويل، عشة بائعة الشايّ، السائق يوناس الشيخ سلمان...إلخ)، ثُّم الشخصية التي تخلقت في أحشائها في واقعة إنسانية غامضة ومعقدة نتج عنها آدم وعلاقته بين الأم البيولوجية (نوريت)، ومن ثَّم الأخت والأم الواقعية (والدة نوريت) في صرِّاع شديد في محتواه الإنساني وتعقيداته الدينية والاجتماعية.

وهذا الترابط بين هوية الشخصية والمكان تمددَّ في النص الروائي ومنحه تركيزاً عميقاً، وكشف في الوقت نفسه عن قدرة الروائي ومعرفته العميقة بتفاصيل الأماكن، معرفة توحي بتجربة ذاتية أكثر منها تخييلية اختبرت الحياة فيه. ففي مسار حياة (نوريت) من معسكر اللجوء في السودان إلى البحرين ومن ثَّم سويسرا، يتجلى تاريخ الشعوب ممثلاً في منفى هوية شخصية تكابد معاناة إنسانية يتَّضح معها العمق السردي في تحليل العلاقة مع الآخر على مفهوم دراسات ما بعد الاستعمار.  وهذا الوعي التاريخي والثقافي جعل من الرِّواية متناً شديد التَّوهج في نقد العلاقات المتشابكة في تفاصيل الأفراد حيثما وجدوا في مواقف لم تكن من اختيارهم. وهيمنت شخصية (نوريت) على النص على نحوٍ كاد أن يهمِّش الشخصيات غير الرئيسة، ولكن في الوقت نفسه اختزلتها وعبرت عنها سردياً. وانطوت شخصية (نوريت) أيضاً على تعقيدات مثيرة للتساؤلات الإنسانية الأكثر عمقاً في الوجود البشري والمصير الإنساني الهشَّ، حياة متشابكة وتعقيدات الجغرافيا والهوية والعرق والمنفى في عالمٍ كما رسمته الرواية يحتمل كل تفسير في منظومة البحث الميتافيزيقي وإمكانية التكيف مع الحقائق المتوازية لعالم تفصله حدود قهرية صلبة. 

ولما كان النصّ السّردي في الرواية، وأي خطاب سردي آخر يشتمل على نصوص وألفاظ وصفات توحي بالاختصاص الدلالي واللفظي، ولا سبيل إلى نقلها كما أرادها كاتبها، وهو جدل متجذر في البنية التاريخية للرواية بين استحالة وإمكانية نقل الصور في العالم الموضوعي بين أكثر من طبقة سردية، كما الشأن في السرديات اللغوية وخاصة النصوص ذات الطابع اللغوي الاستعاري.

التزامن اللغوي والسردي: 

جاءت لغة الرواية متسِّقة صلبة تتقوم برَّصانة معجمة ومجازية بالغة الدِّقة في وصفها وإيجازها، وما يثير الانتباه ويحيِّل إلى خلفية الكاتب الأكاديمية استخدامه المنهجي للغة بوصفها أداة لا تقلُّ أهمية عن التصور الكليِّ للنصِّ السردي. وهذا الشمول اللغوي – إن جاز التعبير- حقَّق نصَّاً تماسك من حيث التركيب اللغوي مؤداه لغة رفيعة بالمعني الأدبي واستخدام متقنٍ للأساليب اللغوية في المجاز والإيجاز بالمعني اللغوي البحت. إلا أن هذه الصلاَّبة التعبيرية ومحاولاتها قدر الإمكان الإفصاح عن أسماء الأماكن والإشارات الهامشية الشَّارحة على الطريقة العلمية البحثية، ثير في النص جدل اللغة الحوارية ومدى تطابقها مع سمّات الشخصية في تعبيرها السردي بهذه اللغة الجذّرية ببعدها الأحادي Monolingualism مستوى الاستخدام الفصيٍّح. ولم يعد جدل المستوى اللغوي والشخصية الروائية ذات تأثير في المنتج السردي أو التحليل النقدي الذي تجاوزها إلى النص وكتابة النص.

حاولت لغة الرواية تقديم صورة لغوية -سردية- سمتها العام لغة مبسطة ذات إقاع شعري ودلالي أحياناً، فتركيب الجملة ينساب متقطعاً ولا تخلو من نبرة ساخرة اتساقاً مع أحداث الرِّواية. إنها الصورة التي عبر عنها ميخائيل باختين "... وداخل كل ملفوظ تقريباً، يحدث تفاعل متوتر، وصراع بين كلامه الخاص وكلام "الآخر" كما تتم سيرورة دينامية مما يبدو عليه، إذا اكتفينا بالنظر إلى توجيه الغيري وتعبيراته أحادية الصوت المباشرة.

حاولت الرِّواية البحث عن نموذجها عبر إثارة أسئلتها الإنسانية بمدخل سردي نزَّع فيه الروائي إلى خلق نموذجه السردي دون أن تلزمه مسارات الروايات الأخرى التي قاربت ذات الثيمة؛ مدمجاً عبر رؤيته البحثية وتجربته الذَّاتية وبالضرورة موهبته السردية في بناء بنية روائية أُحكمت مساراتها بما أفضى إلى تحقيِّق مبتغى النصَّ في الإفصِّاح بأقصى احتمالات اللغة والصور السردية المتكونة عنها. وبالتالي أصبح تاريخ روايات (المنفى، الهجرة) تمثل وجهة جغرافية وتاريخية في خطاب العالم الثالث السردي. فمنذ رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) ومكانتها في السردية العربية إلى أبرز الأعمال في الأدب الإرتيري، كما في رواية مواطنه الروائي أبوبكر كهال (تيتانيكات أفريقية) وغيرهما من أعمال، تعيد في كل مرة (رواية المنفى) بحثها عن السمة التي لازمتها بحسب نظرية ما بعد الاستعمار "التمثيل"، وإشكالية لغتها المستخدمة وموضوعاتها في الهوية والعلاقة بالآخر؛ ولكن ذلك لا يلزم أو تنتقص من رواية الهجرة كنافذة بديلة تُطلًّ منها سرديات تستعيد قدرتها على رسم عوالمها خارج هيمنة الخطابات الثقافية الأخرى.

قدَّم عبد الرزاق كرار عملاً روائياً كبيراً في مشاهداته السردية، ومثيراً لإشكاليات وأسئلة المأزق الإنساني الوجودي في حوار متصل مع الأبعاد الثقافية والحقوقية وبنية المعرفة التي تتعلق بالهجرة والمنفى، في عالم مهما تبدت حواجزه منهارة أمام شبكة ترابطية ضخمة إلا أنها لا تزال تقف بقوة في أعتى موجات الإقصاء الذي يمارس ضد الأقليات والمهاجرين. وحقَّقت الرواية ليس على طريق مسوحات البحث الاجتماعي، بل برؤية سردية عميقة لتجربة الهجرة والمنفى، إذ استفاد الكاتب من معرفته – التخصصية- في قضايا العولمة والعلاقات الدولية، وموقع "الإنسان" بين منظوماتها وتعريفاتها المتعددة لهويته وأوضاعه في المواطنة والهجرة والمنفى.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم