رواية (الجنقو): رهانات الأدب والسياسة.. هل ينبغي إعادة مناقشتها سرديا أم سياسيا؟
يُعد الروائي عبد العزيز بركة ساكن واحدا من أكثر الكتّاب السودانيين إنتاجا، وأكثرهم حضورا وتقديرا على الصعيد الدولي. وقد نالت روايته (الجنقو: مسامير الأرض) شهرة واسعة، وتُرجمت إلى عدد من اللغات الأجنبية لما تتناوله من موضوعات إشكالية وجريئة. تكشف الرواية عن تصدعات اجتماعية مسكوت عنها ومقموعة داخل المجتمع السوداني، وتزعزع اليقينيات الأخلاقية والسياسية الراسخة من خلال تناولها قضايا شائكة، مثل التهميش، والجنس، والاستقطاب السياسي، والاستغلال الاجتماعي.
يرجع أصل كلمة (جنقو) إلى لفظة (جنقجورة)، وهي تسمية تُطلق على القادمين من غرب السودان الذين هاجروا شرقا للعمل في المشاريع الزراعية. وتنطوي الكلمة أيضا على إيحاء ازدرائي، يوحي بانعدام القيمة أو بالدونية الاجتماعية. وارتبطت اشتقاقيا بالملابس الممزقة أو الرثة، وهو وصف أصبح يُطلق على هؤلاء العمال الموسميين غير المندمجين اجتماعيا، بسبب قسوة ظروف عملهم وهيئتهم الخشنة.
صدرت الرواية لأول مرة عام 2009، وحازت على جائزة الطيب صالح المرموقة، وهو ما شكّل محطة بارزة في المسيرة الأدبية للمؤلف، وتدور أحداثها في الواقع المتناقض الذي يعيشه العمال الزراعيون، إذ ترصد الحياة اليومية لأولئك الذين جُردوا من حقوقهم داخل وطنهم نفسه. وتقدم صورة عن وجود إنساني بالغ القسوة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية السودانية، بما يذكّر على نحو لافت بعصور الإقطاع والعبودية.
والرواية ليست، بأي حال، بيانا يدافع عن حقوق العمال؛ بل هي عمل سردي نابض بالصور الحية، يجسد الحياة الدقيقة لجماعة بعينها ونضالها داخل السياقات التي تتشكل من خلالها هويتها الاجتماعية والاقتصادية وتُعاد صياغتها باستمرار. كما أنها لا تجعل التوترات العرقية محورا رئيسا إلا بقدر ما تكون متجذرة في علاقات الاقتصاد والعمل؛ أي في الانقسام بين الجنقو (العمال) والجلابة (الملاّك)، وبين من يملكون ومن لا يملكون. تلك البينة الاجتماعية التي يبدو فيها التمييز جليا؛ إنها عالم تتبدى فيه الهواجس الإنسانية بصورة خافتة، وتعبر عن نفسها عبر استجابات وجودية متعددة وغير مستقرة.
وتتخلل هذه الديناميات شخصيات الرواية أيضا، فتقدم سردا واقعيا يعج برجال ونساء من لحم ودم، تحركهم الدوافع الأخلاقية وغير الأخلاقية على السواء. ويهيمن على البناء السردي راو عليم، مع إفساح المجال أمام شخصيات محورية مثل ود أمونة، والصافي المثلي، والسجانين، وباعة الخمور، والدجالين، وغيرهم. ومن بين الشخصيات العديدة في الرواية، تبرز ألم قشي بوصفها الشخصية الأقرب إلى الراوي؛ فالعلاقة الدرامية التي تتطور بينهما تكشف عن رابطة إنسانية تتجاوز حدود العرق والدين والحواجز الاجتماعية الراسخة. ومع ذلك، يتعمد الكاتب ألا يجعل السرد متمركزا حول شخصية واحدة، بل يتيح لكل شخصية أن تسهم في تشكيل البنية الكلية للرواية ورؤيتها.
وبمجملها، لا تضفي هذه الشخصيات على النص ثراء وحيوية فحسب، بل تشكل أيضا فسيفساء من الصور الفولكلورية والأنثروبولوجية لحيوات المهمشين وأحلامهم التي لم تجد سبيلها إلى التحقق.
ومن خلال ترجمتها إلى الإنجليزية على يد عادل بابكر، وإلى الفرنسية على يد البلجيكي كزافييه لوفان، استقطبت الرواية اهتمام الصحافة الدولية. وأسهم هذا الحضور العالمي في حصول بركة ساكن على عدد من التكريمات المهمة، من بينها جائزة الأدب العربي لعام 2020، وكذلك حصل على وسام الفنون والآداب برتبة فارس من قبل وزارة الثقافة الفرنسية.
لقد رفعت الرواية صاحبها إلى مكانة أيقونية بين الروائيين السودانيين، ومنحته شهرة واسعة تجاوزت حدود السودان. ومع ذلك، فإن هذا النجاح نفسه يمثل نقطة تحول حاسمة في الحياة السياسية للنص. فقد دخل عنوان الرواية إلى التداول اليومي في الخطاب السوداني، وأصبح متداولا حتى بين من لم يسبق لهم قراءتها، وانفصل مصطلح (الجنقو) تدريجيا عن سياقه السردي والاجتماعي والتاريخي الكثيف ليغدو دالا شائعا في اللغة اليومية يشير، بصورة مبسطة، إلى العالم القاسي لعمال الطبقة الدنيا في السودان.
وفي سياق هذا الانتشار الشعبي، اتسع الأثر النقدي للرواية، لكنه تعرض أيضا لقدر من التحييد. فقد اكتسبت (الجنقو) حضورا غير مسبوق بوصفها رمزا للتهميش والإقصاء، لكن تحولها إلى تسمية دارجة ينطوي على خطر إفراغها من عمقها التحليلي واختزال تكوين اجتماعي معقد في صورة نمطية عن الفقر والقسوة. فما يتداوله الناس لم يعد نقد الرواية المستمر للعلاقات الاقتصادية والتراتبية العرقية وعدم العدالة البنيوية، بل صار رمزا مكثفا يمكن بسهولة توظيفه أو إضفاء مسحة عاطفية عليه، أو حتى تجريده من مضمونه السياسي.
وبهذا المعنى، يشارك نجاح الرواية في مفارقة الاعتراف الثقافي؛ فالآليات نفسها التي تمنح عملا أدبيا مقاوما مكانته المكرسة قد تعمل أيضا على تدجينه. فحين تتحول (الجنقو) إلى استعارة شعبية، يحولها الخطاب العام من فضاء احتجاج شُيد سرديا إلى رمز ثقافي قابل للاحتواء والإدارة؛ رمز يعلن الوعي بالتهميش، لكنه في الوقت نفسه يزيح جانبا الأسئلة الأكثر إقلاقا التي طرحتها الرواية أصلا حول السلطة والطبقة وكيف نتج الإقصاء تاريخيا.
ومنذ صدورها، أثارت الرواية جدلا واسعا. فقد حظرها النظام السابق (نظام حكم البشير) من التوزيع، بذريعة أنها تنتهك المحظورات الاجتماعية وتكشف ما عدّه فحشا أخلاقيا وحقائق سياسية غير مرغوب فيها. غير أن الحظر كان يعكس أيضا قلق النظام من رواية كشفت ما يختبئ في النظامين الاجتماعي والسياسي من عنف وإقصاء ونفاق. ومن هذا المنظور، تغدو (الجنقو) تدخلا أدبيا وسياسيا في آن واحد، إذ تُظهر كيف يمكن للخيال أن يتحول إلى موقع للمقاومة في مواجهة الرقابة والسلطة الاستبدادية.
وفي معظم الأحيان، كان رفض مضمون الرواية نابعا من خلفيات دينية وأخلاقية وثقافية تدّعي الطهر والمحافظة على التقاليد الاجتماعية. وقد ارتبطت الاعتراضات بالقضايا التي تعالجها الرواية، ولاسيما تصويرها للشخصيات داخل واقعها الاجتماعي المعاش، بدلا من تقديمها في صور مثالية أو منقاة أخلاقيا. وفي أحيان كثيرة، إن لم يكن دائما، يقدم السرد الواقع كما هو، في تحد مباشر للخطاب العام المهيمن ذي الطابع الوعظي. ومن هذه الزاوية، لا تُعد (الجنقو) حالة استثنائية؛ ففي رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، يشتمل الفضاء القروي كذلك على أوصاف جنسية صريحة وحساسة، ولا سيما في حكايات بت مجذوب. وتؤكد مثل هذه الاستراتيجيات السردية التزاما أدبيا أوسع بتمثيل الخبرة المعيشة كما هي، حتى حين تهز المعايير الأخلاقية السائدة.
وفي أعمال بركة ساكن الأخرى، ولا سيما (مسيح دارفور)، يتجه الكاتب إلى موضوع ظلّ لفترة طويلة مهمشا من الناحية الجمالية في الخيال السوداني. ففي هذه الرواية يتناول عالم الجنقو، وهم جماعات من العمال الموسميين ينتمون إلى قبائل وُصمت اجتماعيا وُوضعت في مراتب دنيا ضمن السلم الاجتماعي، وغالبا ما تُصور في الخطاب العام على أنها جماعات غير سودانية أو غير عربية أو حتى أشبه بالعبيد. وينحدر هؤلاء في الأصل من مناطق صُنفت سياسيا وجغرافيا بوصفها هامشية، خاصة في غرب السودان والأقاليم الطرفية الأخرى، ولذلك يشغل الجنقو موقعا اجتماعيا حديا تحدده علاقات الإقصاء واللا مرئية.
النطاق السردي والأفق النقدي:
إذا نظرنا إلى الواقع، وجدنا أن الفئات المهمشة في السودان تتألف من طيف واسع من الطبقات والجماعات الاجتماعية، يظل كثير منها غير مرئي سوسيولوجيا، ونادرا ما يندرج ضمن أي تصنيف رسمي. وتشمل هذه الفئات أطفال الشوارع (الشماسة)، وذوي الإعاقة، والمشردين، والمتسولين، وغيرهم من الجماعات المهملة التي تقع خارج دوائر التمثيل السياسي والتصنيف الأكاديمي. وما أنجزه بركة ساكن سرديا لا يتمثل في تصوير التهميش بوصفه فئة سياسية مجردة، بل في تقديم توثيق واقعي لحياة جماعة محددة من العمال الموسميين، يكشف وضعها المعيشي عن تراكب أزمات اجتماعية لم تجد طريقها إلى الحل. ومن خلال هذا التركيز السردي، تفتح الرواية بابا على عديد القضايا المسكوت عنها، التي ظلت طويلا تغذي الجدل المحتدم في الخطابين السياسي والثقافي السودانيين.
ولعل أكثر ما يستدعي المقارنة هنا هو الشغف الملح الذي يميز كتابة بركة ساكن، وما تتسم به من كثافة تلقائية لا تتكلف ذاتها، رغم جسامة الموضوعات التي تعالجها. ففي هذا النثر بلاغة يتردد صداها في مجمل مشروعه الروائي، إذ تصل (الجنقو) بأعماله الأخرى عبر التزام أخلاقي وجمالي مشترك، ومن خلال استكشاف دؤوب لطبقات اجتماعية متعددة داخل العالم البائس للجنقو، تتكشف الرواية بقوة سردية خاصة تجمع بين الاتساع والدقة.
ومن هذا المنظور، تبرز (الجنقو) بوصفها ملحمة جليِّة من أدب التوثيق، ينجح فيها الروائي في رسم الحركة الواسعة والمتقلبة للمجتمع السوداني، وفي الوقت نفسه ينفذ إلى أدق تفاصيل الوعي الداخلي والحياة اليومية. وهذه الحركة المزدوجة بين الجماعي والحميمي تنجز بمهارة لافتة، مؤكدة قدرة بركة ساكن على تمثيل الكلية الاجتماعية دون التضحية بكثافة التجربة المعيشة وملمسها الإنساني.
وتقدم الرواية تصويرا نقديا بالغ القوة لحياة هؤلاء الهشة والمتشظية، فتجسد بكثافة سردية لافتة هشاشتهم، وقدرهم الاجتماعي المفروض عليهم، ووجودهم البائس الذي كثيرا ما لا يجد خاتمته إلا في الموت. ومن خلال هذا التمثيل، لا يكتفي بركة ساكن بإضفاء الإنسانية على جماعة طال إسكاتها، بل يكشف أيضا عن العنف البنيوي المتجذر في التراتب الاجتماعي السوداني.
وكما هو حال المستعمَر عند فرانتز فانون في كتابه (معذبو الأرض)، يعيش الجنقو في عالم لا يقود فيه العمل إلى الكرامة، ولا إلى الحراك الاجتماعي ولا إلى الاندماج السياسي، بل إلى إعادة إنتاج دائمة للتجريد من الملكية والحقوق. فتنقلهم الموسمي وقابليتهم للاستبدال اقتصاديا وقربهم الدائم من الموت، كلها تجسد ما وصفه فانون بأنه الحقيقة الأكثر عنفا في الاقتصاد الاستعماري: نظام لا يعيش إلا باستنزاف الأجساد البشرية، بينما يتنكر في الوقت نفسه لأي فاعلية تاريخية لها.
غير أن بركة ساكن يفارق فانون في نقطة حاسمة. فبينما ينتهي الأفق الثوري عند فانون إلى إمكانية العنف الخلاصي والتحرر الجماعي، تغيب عن (الجنقو) مثل هذه الغائية؛ فالرواية لا تقدم قطيعة تطهيرية ولا تعرّف ذاتا ثورية في طور التشكل، وإنما تعرض تراكما بطيئا لحيوات مهدورة. وبهذا الاختيار السردي، تدفع الرواية تشخيص فانون إلى مدى أكثر راديكالية، إذ تنزع عنه أمله الأخروي في الخلاص؛ فالهيمنة هنا ليست مقدمة للتحرر، بل دائرة مغلقة من الموت الاجتماعي. وبهذا المعنى، تحول (الجنقو) الأنثروبولوجيا السياسية عند فانون إلى واقعية تراجيدية، يصبح فيها معذبو الأرض ليسوا على أعتاب التاريخ، بل أسرى مساره الأعمى.
الخلفية السردية السودانية للتهميش:
يمكن إرجاع إحدى اللحظات التأسيسية في تاريخ الرواية السودانية إلى مطلع ستينيات القرن الماضي مع رواية (إنهم بشر) لخليل عبد الله الحاج، وهي رواية كسرت بصورة حاسمة الأعراف الأدبية السائدة آنذاك، حين أدخلت إلى فضاء التمثيل السردي فئة اجتماعية (العميان) غير مرئية من العوالم السفلية للمدينة السودانية. ومن الناحية التاريخية، لم تعد هذه الرواية مجرد واحدة من أوائل الروايات السودانية المنشورة، بل تجربة مؤسسة في الواقعية الاجتماعية دشنت اهتماما سرديا بحياة المهمشين بعد أن ظلوا طويلا خارج المجال الأدبي.
ومنذ ذلك الحين، ولا سيما مع ازدهار الرواية السودانية في تسعينيات القرن العشرين، واصل عدد متزايد من الأعمال السردية العودة إلى هذه المناطق الاجتماعية المقصاة وإعادة استكشافها. وتشهد روايات مثل (ابن الشمس) لرانيا مأمون، و (قارسيلا) لعماد البليك، وغيرها، عن انشغال مستمر بالبنية الاجتماعية المتصدعة في السودان وما يتجلى عبر هذا التقليد السردي ليس مجرد اهتمام عابر بالتهميش، بل التكوين التدريجي لخطاب روائي ظل يواجه بإصرار تناقضات المجتمع السوداني وتراتبياته وبناه الاجتماعية والسياسية المستترة.
ومع ذلك، لا تمثل (الجنقو) حالة معزولة. فقد جعل روائيون سودانيون آخرون، مثل منصور الصويم في روايته (ذاكرة شرير)، الفئات المهمشة والمجتمعات المستبعدة تاريخيا محورا لأعمالهم. وفي الآونة الأخيرة، أعاد جيل جديد من الروائيين السودانيين قراءة التاريخ الاجتماعي للبلاد بحس نقدي متجدد. ولا تسعى كتاباتهم إلى إثراء متعة السرد فحسب، بل تخوض أيضا تجارب جريئة في تقنيات روائية جديدة تنفصل عن أنماط التمثيل التقليدية. ومن خلال هذا المنعطف الجريء، يحاول هؤلاء الكتّاب النفاذ إلى أكثر طبقات الواقع الاجتماعي عتامة، لا للهروب منها، ولكن لمواجهتها بصدق سردي غير مسبوق.
وعلى الرغم من أن (الجنقو) تبلغ ذروة سردية لافتة بفضل قدرتها الاستثنائية على الارتقاء بعوالم الفئات الاجتماعية الدنيا إلى مستوى فني رفيع، من خلال بناء روائي محكم يتمحور حول شخصيات مختارة وأحداث ذات دلالة رمزية، فإنها تفتح في الوقت نفسه أفقا واسعا من الأسئلة الأدبية والسياسية التي ما تزال بلا حسم. فهي لا تكتفي بتمثيل حياة المهمشين، بل تحولها إلى فضاء للحوار والتساؤل والقلق النقدي، حيث يتشابك الإنجاز السردي والجدل السياسي على نحو لا يمكن فصله.
ومن منظور نظري ونقدي، تدعو الرواية إلى قراءة تتناغم مع التقليد الماركسي، وبصورة أكثر تحديدا مع تصور جورج لوكاتش للواقعية. ففي فهم لوكاتش، لا تروج الرواية الواقعية للأيديولوجيا بصورة مباشرة، بل تكشف البنى الموضوعية للحياة الاجتماعية من خلال المصائر الملموسة للشخصيات العادية المنخرطة في علاقات إنتاج محددة تاريخيا. وبهذا المعنى، تقترب (الجنقو) مما سماه لوكاتش تمثيل (الشخصيات النموذجية في ظروف نموذجية)، حيث تغدو المعاناة الفردية نافذة تكشف كلية العلاقات الاجتماعية.
ومع أن الرواية يمكن قراءتها على ضوء تحليل ماركس لأنماط الإنتاج والاستغلال، فإنها لا تتحول إلى رواية أيديولوجية، بل تظل وفية للمهمة الواقعية المتمثلة في كشف الكيفية التي تتحكم بها البنى الاقتصادية، في صمت، في تفاصيل الحياة اليومية. فالمعاناة الإنسانية والهشاشة الوجودية تحلان محل العقيدة بوصفهما المبدأين المركزيين المنظمين للسرد، وبذلك تنتمي الرواية إلى تقليد الواقعية النقدية التي تكشف الحقيقة الاجتماعية لا عبر الشعارات، بل عبر التجربة الإنسانية المعيشة.
صدام الرؤى:
ولأن (الجنقو) أثارت طيفا واسعا من النقاشات النقدية وردود الفعل العامة، فإن كثيرا من هذه الاستجابات ظل منفصلا بصورة لافتة عن أي فرضية أدبية أو نقدية جادة. فقد صيغ الرفض، حيثما ظهر، بلغة وعظية أخلاقية، عبّرت أقل عن الاعتراض الجمالي، وأكثر عن النزعة القمعية لمجتمع حُرم بنيويا من أبسط الحريات الإنسانية.
ومن هذا المنظور، يكشف الجدل الذي أحاط بالرواية عن هواجس المجتمع وأمراضه أكثر مما يكشف عن الرواية نفسها. فقوة الرواية المقلقة تكمن تحديدا في رفضها إخضاع الواقع لتوقعات الخطابات الأخلاقية والسياسية المهيمنة؛ فهي تقدم ترجمة للحياة الاجتماعية كما تُعاش، لا كما ترغب الجماعات الحاكمة في أن تبدو.
وجاء الموقف الرسمي وفق نمط مألوف؛ إذ صنفت السلطات الرواية بوصفها هجوما هداما على سياسة الدولة، ولا سيما على ترتيباتها الزراعية والاقتصادية التي كانت تخدم بصورة منهجية كبار مالكي الأراضي والمصالح الاقتصادية الراسخة. وقد امتزج هذا التأويل السياسي عمدا بالمخاوف العرقية والاجتماعية الكامنة في البنية الهشة للمجتمع السوداني. وكانت النتيجة حملة من القمع تمثلت في حظر الرواية والتعريض بمؤلفها. وللمفارقة أن هذه الإجراءات القسرية لم تُسكت الرواية، بل ضاعفت من قوتها الرمزية؛ فمحاولة الدولة قمع (الجنقو) أكدت أنها نص ذو خطورة سياسية، وحولت الرواية نفسها إلى لائحة اتهام علنية للبنية السلطوية التي سعت أصلا إلى كشفها.
منذ اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، عادت رواية (الجنقو) إلى مركز الاهتمام بصورة لافتة. فقد أعادت الحرب تشكيل الطريقة التي تُقرأ بها الرواية، وأضفت على بعض صورها القديمة دلالات جديدة لم تكن حاضرة بالضرورة عند كتابتها. وبدا، في ضوء العنف الراهن، أن بعض المشاهد التي كانت تُقرأ في السابق بوصفها تمثيلات أدبية لعالم اجتماعي مضطرب قد اكتسبت فجأة دلالة استشرافية، وكأن الرواية كانت تتنبأ بما سيأتي.
غير أن هذا النوع من القراءة ينطوي على خطر واضح؛ إذ قد يحول العمل الأدبي، بأثر رجعي، إلى وثيقة سياسية تُستخرج منها الشواهد لإثبات صحة موقف أو نبوءة. ومن هنا، فإن إعادة قراءة الرواية في ضوء الحرب لا ينبغي أن تعني إخضاعها بالكامل للحاضر السياسي، بل مساءلة الكيفية التي تغير بها أفق التلقي نفسه، وكيف يمكن لعمل أدبي أن يتغير معناه عندما يتغير العالم الذي يُقرأ فيه.
وتزداد المسألة تعقيدا عند الانتقال إلى (مسيح دارفور)، حيث يصور بركة ساكن الجنجويد في سياق روائي يتجاوز التمثيل المباشر إلى مساءلة جذور العنف الاجتماعي والسياسي. ففي الرواية، لا يظهر العنف بوصفه فعلا معزولا، وإنما يوصفه نتاجا لمسارات تاريخية واجتماعية طويلة، تشترك فيها علاقات السلطة والاقتصاد والعرق والهامش.
لكن بعض هذا التمثيل، في ظل الحرب الراهنة، أعيد توظيفه بصورة مختلفة تماما. فقد أصبح تصوير الجنجويد في بعض القراءات جزءا من السرديات التي تسعى إلى تفسير الحرب وإسناد المسؤليات الأخلاقية والسياسية. وهكذا انتقل التمثيل الأدبي من وظيفته الأصلية بوصفه كشفا جريئا لباثولوجيا اجتماعية خفية إلى توظيفه، بأثر رجعي، بوصفه دليلا يُمنح سلطة شبه نبوئية، حتى بدا وكأنه يؤكد، بل ويضفي المشروعية، على خطاب الدولة القائم على الإبادة.
وهكذا فإن ما كان في السابق تفكيكا نقديا لأسطرة العنف يواجه اليوم خطر التحول إلى أرشيف تبريري؛ أي إلى مستودع سردي لا يجعل الفاعلين المسلحين وحدهم قابلين للإدانة أو الإزالة، بل يمحو أيضا الجذور الاجتماعية التي أنتجتهم.
السياق والخطاب السردي:
وبهذا المعنى، تكشف القراءة المعاصرة لرواية (الجنقو) عن تحول حاسم في سياسات الأدب ذاتها. فلم تعد الرواية تتداول بوصفها مجرد نقد للتهميش، بل أصبحت نصا خاضعا لما يمكن تسميته بالتأويلات الحربية؛ أي نظاما تأويليا تُخضع فيه التمثيلات الأدبية لاستراتيجيات الترخيص الأخلاقي بالعنف. والخطر هنا لا يتمثل في إساءة قراءة الرواية فحسب، بل في تحويل الأدب النقدي إلى ذريعة للعنف السيادي؛ وهي عملية يُجرد فيها السرد من غموضه الأخلاقي وتعقيده، ليصبح أداة في إدارة الموت.
ولا شك أن الرواية حظيت بما تستحقه من تقدير نقدي داخل الأطر المنهجية والنظرية الراسخة. فقد استند استقبالها المبكر إلى معايير أدبية، مثل تقنياتها السردية، وجرأتها الموضوعية، وإسهامها في تمثيل التهميش داخل الرواية السودانية. غير أنه، إلى جانب هذا الحقل النقدي المؤسسي، أخذ يتشكل تدريجيا حقل آخر من التأثير؛ حقل لا ينتمي إل النقد الأدبي بقدر ما ينتمي إلى المجال المضطرب للتلقي السياسي والجدل العام.
لقد أدخل الصراع الداخلي المدمر الجاري في السودان، الذي زعزع بعنف عقائد راسخة، وولاءات مستقرة، ويقينيات أخلاقية، رواية (الجنقو) إلى فضاء جديد من النقاش. ففي هذا المناخ المستقطب، لم تعد الرواية تُقرأ أساسا بوصفها عملا أدبيا، بل وثيقة مشحونة سياسيا، لا يمكن فصلها عن المواقف العامة المثيرة للجدل التي أعلنها مؤلفها، ولا عن الاصطفافات المتباينة بين المثقفين السودانيين أنفسهم. وما هو موضع الرهان هنا ليس مجرد اختلاف في التأويل، بل تحول الرواية إلى موقع رمزي تتجلى فيه أزمة النخبة المثقفة؛ فضاء يُزغم فيه الأدب على أن يحمل عبء إصدار الأحكام السياسية.
وبهذا المعنى، أصبحت (الجنقو) تتداول بين نظامين مختلفين لإنتاج المعنى: أحدهما تحكمه المنهجية النقدية، والآخر تفرضه ضرورات الحرب والارتياب والانقسام الأيديولوجي. ويحدد التوتر بين هذين النظامين الوضع الراهن للرواية، كما يرسم حدود أي قراءة جمالية خالصة في ظل كارثة أهلية.
إن الشكل الروائي لا يخضع ببساطة للواقع التجريبي، بل يتوسطه من خلال جدلية قد تتباعد دلالاتها عن الإطار المفهومي الذي وضعه المؤلف. ومن ثم، لا يتحمل الكاتب مسؤولية التأويلات اللاحقة، سواء جاءت معززة للحدود الأخلاقية أو مزعزعة للاتجاهات المفضلة في الوعي الجمعي.
سوء التأويل السياسي:
فيما يتعلق بالأعمال السردية لبركة ساكن، التي كثيرا ما وُصفت بأنها تمزج بين أنماط الواقعية والسريالية في كل من بناء الشخصيات والبنية السردية، فإن قراءتها أساسا من خلال عدسة موقفه المفترض، المؤيد للدعاية الحربية أو المعارض لها، تمثل حكما معيبا من الناحية التحليلية. فمثل هذه القراءة تخلط بين المنطق الجمالي للنص والموقف السياسي العارض للكاتب، وبذلك تختزل الأدب إلى مجرد امتداد للولاء السياسي.
وعلى الرغم من أن الرواية لا تصوغ بؤس الجنقو في خطاب سياسي مباشر، فإنها تقاوم السلطة مع ذلك عبر أنماط متعددة من النقد. فهي تكشف نفاق سلطة تتبنى وتعيد إنتاج تحيزات ثقافية واقتصادية مهيمنة، متجذرة في أطر عنصرية وتمييزية. وفي نهاية المطاف، يُحاصر الجنقو اجتماعيا واقتصاديا داخل مسارات محددة سلفا، يُعاملون ويُصنّفون ضمنها باستمرار بوصفهم طبقة عاملة ثابتة.
وبعبارة أخرى، على الرغم من استحالة فصل أي كاتب بصورة كاملة عن الأفق التاريخي والأخلاقي الذي يكتب في إطاره، فإنه من غير المقبول بالقدر نفسه إخضاع العمل الأدبي لمعيار سياسي واحد من معايير الولاء أو الخيانة. صحيح أن الكتابة التعبيرية للكاتب تنقل، بالفعل، رؤية إنسانية من خلال إمكانات الخيال السردي، لكن ذلك لا يمنح شرعية لتحويلها بأثر رجعي إلى مواقف سياسية بالمعنى الضيق.
ومن الناحية التقليدية وبالتحديد في النظرية النقدية، فُهم الكتّاب بوصفهم يمارسون شكلا من القوة الناعمة في مواجهة القوة الصلبة للسلطة: تدخلا رمزيا وأخلاقيا يقاوم الإكراه، لا من خلال الاصطفاف، بل من خلال الالتباس والتعقيد وزعزعة اليقينيات المهيمنة.
ولا يمكن تجنب الانخراط السياسي بصورة تامة، لأن الرواية تتناول قضايا تشكلت بعمق بفعل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. ومع أن الجنقو لا ينتظمون سياسيا داخل كيانات سياسية رسمية، فإنهم يظهرون، مع ذلك، بوصفهم موقعا محتملا للتبلور السياسي. فالتشكيلات السياسية حاضرة ضمنيا من خلال إشارات متعددة: التمرد المسلح للجنقو، والإشارات إلى الحركات المتمردة السودانية، ومناورات السياسيين وغير ذلك.
وعلى مستوى البناء السردي، تنغمس فضاءات الرواية في ظروف سياسية أفرزت شكلا من الانغلاق الاجتماعي يكاد يكون حالة استعمارية فُرضت بالكاد خارج إطار التصنيف السياسي الصريح، حتى وإن ظل تحديد هذا الانغلاق دون تسمية. ومع ذلك، لا يرقى هذا إلى حكم سياسي مكتمل التعبير يمكن من خلاله تحليل الرواية حصريا ضمن إطار سياسي ضيق.
ويقدم الصراع بين الجنقو والبنك الزراعي لمحة كاشفة عن صراع طبقي كامن، موضحا كيف تقوّم السلطة الاقتصادية الاستبدادية قيمة الجنقو أساسا بوصفهم أجسادا عاملة؛ أي بشرا لا تستمر قيمتهم إلا بقدر استمرارهم في الإنتاج.
إن قراءة أدب بركة ساكن بوصفه دعاية مؤيدة للحرب أو مناهضة لها تعني إساءة فهم الوظيفة ذاتها للواقعية السردية، التي لا تُملي برامج سياسية، بل تكشف الحقائق والتناقضات وأشكال العنف التي يسعى الخطاب السياسي إلى إخفائها. ومن هذا المنظور، فإن مطالبة الرواية بإعلان ولاء سياسي واضح ليست مطلبا نقديا، بل عرضا من أعراض ثقافة زمن الحرب التي تسعى إلى إخضاع الأدب للامتثال.
إن التقييم الشامل للنقاشات الأخيرة المحيطة بروايتي (الجنقو) و(مسيح دارفور) وللطرائق التي تشكل بها هذه النقاشات الحرب الدائرة، ينبغي أن يفتح المجال أمام أسئلة جديدة ونمط أكثر رؤيوية من الحوار. ويتعين على مثل هذا الخطاب أن يتجاوز المآزق المتكررة وغير المحسومة في السودان المتعلقة بالهوية، والبنية الاجتماعية، والتعقيد السياسي.
إن وضع الرواية في مركز هذه التأويلات المتباينة يتيح وسيلة أكثر صحة وإنتاجية للتعامل مع مفترقات الطرق الفكرية الراهنة في السودان، ويسمح للأدب بأن يؤدي وظيفته فضاء للوساطة النقدية بدلا من المواجهة الأيديولوجية.
وتظل رواية بركة ساكن (الجنقو) التي يُنظر إليها غالبا بوصفها عمله الأهم، استكشافا سرديا وأنثروبولوجيا واسعا ينبثق بجرأة من أعماق الطبقة الدنيا في المجتمع السوداني. وهي تمنح شكلا أدبيا لحيوات متشكلة داخل مرجل اجتماعي قاس تتآكل فيه القيم الإنسانية بصورة منهجية وتُدفع إلى عالم اللا مرئية. وبذلك، تتجاوز الرواية الاصطفافات السياسية الآنية، وتؤكد قدرة السرد المستمرة على توثيق شروط القهر البنيوي واستجوابها وإضفاء الطابع الإنساني عليها.
ترجمة: آدم مريود
0 تعليقات