متاهة السرد في "البحث عن مصطفى سعيد" لعماد البليك: شبح الرواية ومرايا القارئ
في عمله السردي "البحث عن مصطفى سعيد" الصادر عن دار إبييدي للنشر عام 2025، يقدم الروائي السوداني عماد البليك متاهة سردية عميقة تستدعي القارئ ليس كمستقبل سلبي فحسب، بل كشريك فاعل في رحلة البحث عن شبح روائي يسكن الذاكرة الجمعية للقراء السودانيين والعرب: مصطفى سعيد، بطل رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح.
غير أن هذا البحث يتنقل عبر حبكة سردية متعرجة لا تسير وفق خطوط سردية تقليدية، بل تتوزع بين التباس الراوي، اضطراب الأزمنة، وتكسر ضمائر السرد، في رحلة وجودية تتصارع فيها الشخصيات من أجل خلاصها، بينما يبحث القارئ عن المعنى.
من فرناندو بيسوا إلى كافكا
من سؤال التلقي لي ككاتب، إلى أفق التوقعات لـ "ياوس وآيزر"، ينطلق النص من سؤال وجودي مركزي: ما الذي يجعل شخصية مضطربة كـ"محمود سيد أحمد" تهرب من وطنها ثم تعود إليه؟
لا تكتفي أسئلة التلقي هنا بتفسير الدوافع فقط، بل تحاول تفكيك الحبكة السردية للرواية عبر مفهوم "أفق التوقعات" الذي يدرس توقعات القارئ أثناء قراءة النص، متسائلة:
هل محمود هو الباحث الحقيقي عن مصطفى سعيد؟
أم أن الرواية تخفي بطلها الحقيقي وتضلل القارئ عمدًا؟
تتضح في فصول الرواية المبعثرة أن الرواية لا تقدّم بطلًا بالمعنى التقليدي، بل شخصية متشتتة بين المدن والذكريات، في سرد أقرب إلى الحلم أو الكابوس، حيث لا يبدأ الحدث من جذوره، بل من منتصفه، كما يقول فرانز كافكا:
"كل ما يحدث لي يبدأ من المنتصف"، كما جاء في عتبة الاستشهاد في النص.
فمنذ الصفحات الأولى، تفصح الرواية عن وعيها الذاتي بطبيعة السرد. عبر اقتباس من فرناندو بيسوا:
"إن شعوري بعدم الرضا عن أشعاري... هو أقسى شعور تعذيب روحي".
تلمّح الرواية إلى لا جدوى الكتابة، وقلق الذات المبدعة، تمامًا كما فشل مصطفى سعيد سابقًا في أن يكون شاعرًا.
في هذا التوازي الذكي بين الاقتباسات والافتتاح، يبدأ القارئ بالشعور بأن مصطفى سعيد ليس سوى استعارة ممتدة، قد لا يكون شخصية بعينها، بل طيفًا يتلبّس الجميع.
أما على صعيد السرد الذي يقوم على منهج الحلم، فيتعمد الكاتب خلط الأزمنة السردية والتنقل بين الماضي والحاضر، وبين ضمير المتكلم والغائب، ليبقي القارئ في حالة من اللايقين.
في الصفحة رقم 6، نقرأ:
"تسقط بعض من نثار الثلج عبر النافذة... لم يكن بإمكانه التذكر، فهو ابن الآن."
الراوي هنا، كالقارئ، لا يتذكر، بل يحاول إعادة ترتيب ذاكرة مفككة.
وفي الصفحة رقم 14:
"عندما عاد إلى الوطن بعد الثورة... اكتشف من الليلة الأولى أنه أخطأ التقدير."
يعكس التبدل في الأزمنة الخيبة والانهيار المبكر لحلم العودة.
من الوهم إلى الكذبة!
تطرح الرواية سؤالًا رمزيًا عميقًا في الصفحة رقم 132:
"ماذا لو أن مصطفى سعيد لم يغرق؟"...
لا يبحث هذا السؤال عن حقيقة بيولوجية، بل عن معنى رمزي يتجاوز الفرد ليصل إلى الجماعة.
تقترح الرواية أن مصطفى سعيد ليس ميتًا، بل متجدد، يولد في كل أزمة، في كل مغترب، في كل سياسي، مثقف، زارع، أو حتى لاجئ. فنحن جميعًا مصطفى سعيد؛ نعيش تناقض الوطن والمنفى، نحلم بالعودة ونلعن الإياب.
في جانب آخر وعلى مستوى المكان فإن الخرطوم تبدو كمتاهة، وهي تنتقل من وهم الثورة إلى كذبة الدولة، فمنذ لحظة عودة محمود سيد أحمد إلى الخرطوم بعد ثورة ديسمبر، تبدو العاصمة كمكان خادع، يفتقر إلى الأمل ويذوي سريعًا.
يتم استقبال الراوي بالهتاف والوعود الكبيرة: البناء، التنمية، الشفافية. لكنه يكتشف أن كل شيء قُسم قبل البدء، وأن الثورة لم تعالج الأمراض بل فضحتها. هنا الخرطوم هنا ليست مجرد مكان، بل استعارة لانكسار جماعي، لا تحتمل أبناءها.
الرواية التي تُقرأ في الحلم
في الصفحة رقم 227، نصل إلى ذروة مفارقة ميتاسردية...
ففي الفصل المعنون "وادي الحمار" في الصفحة رقم 227... كان الراوي يقرأ الرواية نفسها في الحلم... أو ربما في الواقع قبل سنوات طويلة. هنا تتقاطع الحكاية مع الحلم، ويتحول القارئ إلى راوٍ، ويذوب السرد في مراياه.
نحن هنا في قلب متاهة لا تميز بين الكاتب والقارئ والشخصية، نعيش نصًا داخل نص، ونتنقل من الكابوس إلى اليقظة الزائفة. ليختتم النص بصيغة تبئير داخلي تكشف عمق التداخل بين الفعل السردي والوجود:
"كنت غائبًا عن الوعي منذ تسعة أشهر. لكن يمكنني أن أروي ما جرى بدقة..."
تعكس هذه العبارة مأزق الرواية: السرد يدّعي اليقين بينما كل ما يُروى قابل للشك.
خاتمة: في مواجهة الأكذوبة الكبرى
رواية "البحث عن مصطفى سعيد" ليست نصًا توثيقيًا ولا مجرد استدعاء لرواية مرجعية سردية "موسم الهجرة"، حيث توجد اقتباسات كثيرة في النص، لكن لا تعد كملء فارغ سردي.
بل هي رواية عن رواية، عن سرد يبحث عن جدواه في عالم فقد ملامحه.
مصطفى سعيد ليس فردًا، بل ضمير متكلم جمعي، لا يحيا في النهر ولا يموت فيه، بل يسكننا جميعًا.
إنها رواية ما بعد الثورة، ما بعد الكارثة، وما بعد الحقيقة. رواية في مواجهة الأكذوبة الكبرى: أن بإمكان السرد أن يمنح خلاصًا.
في النهاية، لا تبحث عن مصطفى سعيد، بل أبحث عن ذاتك.
نحن أمام رواية تتداخل فيها منظورات متعددة وتعدد فيها ضمائر السرد، تمزج بين ضمير المتكلم والغائب، لتأسيس سردية مشغولة بأسئلة تلقٍ تُغني متاهة النص وتوسع من مساحة القراءة والتأويل.
تلميح: الكركدن... حيلة سردية بصرية
في إحدى الصفحات، تُدرَج داخل النص صورة حيوان الكركدن دون تعليق، ودون أن يقال إن الشخصية تشبهه. هذه الحيلة البصرية تشكل انحرافًا عن السرد التقليدي، وتفتح إمكانًا للتأويل الرمزي. الكركدن، برمزيته الحيوانية، قد يُفهم كمجاز عن الوحشية، أو القوة البدائية، أو العزلة؛ لكن البليك لا يشرح، بل يكتفي بوضع الصورة، في ما يمكن اعتبارها حيلة سردية مفتوحة في رواية معقدة زمنياً، تتطلب جهدًا في عملية التلقي.
ثمة نماذج أدبية سابقة لاستخدام الصور في النصوص، كما عند مارك دانيلفسكي في House of Leaves حيث استُخدمت الصور والمخططات كجزء من البنية السردية النفسية المعقدة. أو عند آرت سبيغلمان في Maus، رواية مصورة تمزج الصور بالنص، حيث السرد البصري لا ينفصل عن الحكي الأدبي.
حين يُدرج كاتب صورة في وسط السرد، فهو يغامر بخلخلة بنية التلقي. فالصورة هنا ليست توضيحية بل رمزية. إن ترك الصورة دون شرح، دون أن تُوظَّف بوضوح في الحكاية، كما فعل البليك، يضع عبء التأويل على القارئ وحده الذي قد يصل لنتيجة ما، أو على العكس تظل الصورة عنده رمزًا كثيفًا يتكثف في صمتها، لتضعنا أمام نظرية رولان بارت حول "بلاغة الصورة"، أو فكرة "الكتابة عبر الصمت البصري".
0 تعليقات