مجانين أم كلثوم .. فصول من سيرة الحب وآلام الفراق!
خمسون عامًا مضت ولاتزال أم كلثوم حاضرة بين الناس، ليس بأغانيها فحسب، وإنما في سطور الكتب وبين فصول الروايات، لعله من حسن الحظ أني اطلعت مطلع هذا العام على عدد من الكتب والروايات التي دارت حول سيدة الغناء العربي وكوكب الشرق، وحاولت استلهام سيرتها ومسيرتها تارة بشكل واقعي صرف ومرات أخرى بشكلٍ خيالي محض، وفي كل الأحوال كان يتجلى ذلك التأثير الكبير وذلك الأثر الذي لايزول لأم كلثوم.
وهاهو الروائي شريف صالح يطل علينا في روايته الجديدة الصادرة مطلع هذا العام عن الدار المصرية اللبنانية بعنوانها الملفت (مجانين أم كلثوم) ليحكي لنا طرفًا من سيرة حياة بطل روايته المخرج المسرحي جلال الذي وقع في غرام أم كلثوم منذ صباه، واستطاع أن يكون واحدًا من أفراد جمعية سرية تضم محبي أم كلثوم أو "حراس الست" كما أطلقوا على أنفسهم، تلك الجمعية التي كانت والدته واحدة من مؤسسيها، وجمع بين أفرادها الشيخ والقسيس في آن واحد، وسعوا من خلالها أن يوثقوا كل ما يتعلق بأم كلثوم منذ بدايتها وحتى وفاتها.
لكن الرواية لاتتوقف عند أفراد تلك الجمعية الذين يمكن اعتبارهم "المجانين"، ولكتها تنطلق إلى أطرافٍ من حكاية أم كلثوم نفسها ومسيرة حياتها منذ كانت طفلة بسيطة في قرية طماي الزهايرة إلى أن انتقلت للقاهرة وأصبحت منافسة قوية لمغنيين ذلك الزمان، حتى أصبحت أهم مغنية في مصر والعالم العربي كله، بموازاة ذلك تحضر حكاية بطل الرواية جلال وعلاقته بزوجته منذ بدايتها حتى تعثرها بعد إنجاب بناته الثلاث، وكيف تنتهي تلك العلاقة بالهجر والطلاق والنزاعات والاستغلال المادي والمعنوي، ويبقى في الخلفية صوت أم كلثوم يصدح (أنا وانت ظلمنا الحب)!
من خلال تقنية تيار الوعي، وعبر ثلاث مسارات رئيسية تقوم رواية "مجانين أم كلثوم"، حيث تبدأ بحكاية جلال ووالدته وبداية علاقته العاطفية بأم كلثوم وحبيبته وسام على السواءـ، ثم يسير السرد شيئًا فشيئًا ليكشف لنا تطور العلاقتين معًا، وبينهما تحضر أم كلثوم بأغنياتها وسيرتها وأطراف من حكايتها بشكل سلس وانتقالات سردية محسوبة بدقة، إذ تأتي كلمات الأغاني أحيانًا لتكون خلفية موسيقية لحالة بطل الرواية أو عرضًا لواحدة من مشكلاته، أو يعقد مقارنة ما بين أم كلثوم وزوجته أحيانًا، وهو في كل الأحوال ينتصر للحب ولأم كلثوم، فيما تتوالى على حياته المشكلات والعقبات وتذوي حياته بعيدًا!
يقول جلال: (كنتُ ضحية تقديس أم كلثوم المفرط لمعنى الحب، فهي لا تغني كي تشرح لنا معناه، بل تعتبره مقدسًا ونحن من نسيء إليه بتصرفاتنا. ليست المشكلة فيه بل في المحبين أنفسهم، ولأنها أمنا جميعًا علمتنا كيف نحب وكيف نتقبل الألم. لا تحدث الفواجع بين حبيبين ما زالا حرين طليقين بل بين حبيبين مقيدين داخل قفص الزواج. بعدما تُكتب ورقة التملك وحسن الاستغلال المتبادل. ورقة السيطرة والقيد التي تسمى زواجًا. الورقة التي تعطي الحق للظنون والخصام والعناد والهجر. الاثنان في فراش واحد لكن "الخطوة بينا بلاد".. و"بردت نار.. وقادت نار")
لعل أجمل ما تقدمه الرواية هو ذلك التوقف والتأمل النقدي أحيانًا لمسيرة أم كلثوم ومشوارها الفني، وشريف صالح يقدم ذلك بانسيابية ووعي شديدين، إذ يبدو حريصًا ألا يطول به المقام في تناول الجوانب الفنية لعالم أم كلثوم، فيسعى للربط بين ما يعرضه من ذلك العالم وبين أبطال روايته، سواء كانوا أفرادالجمعية أو بطل الرواية نفسه، وفي كل مرة يشعر القارئ بذلك الانتماء لعالم أم كلثوم أكثر من أي شيءٍ آخر.
تتناول الرواية علاقتها بالملحنين الذين تعاملت معهم من الموجي والسنباطي إلى بليغ حمدي والقصبحي، وخصوصية كل واحد بل وحكاية بعض الأغنيات أيضًا، كما تتوقف عند اختيار الكلمات وحكاية أحمد رامي معها ذات الخصوصية التي يعرفها الجميع، وكيف كانت كلماته معبرة عن حاله وعلاقته بها من حين لآخر، وعلاقتها بالقصبجي الذي يضفه بأنه بجماليون الذي بث فيها من روحه وعبقريته حتى تضاءل أمام حضورها،كما يتوقف عند أدوارها السينمائية خاصة فيلم وداد وعايدة، حيث يرى أن فيلم عايدة كان محاولة طموحة تمجد بها مصر نفسها عقب ثورة 19، وضمنًا تمجد أم كلثوم نفسها، فهي "عايدة" الأميرة الحبشية، وهي أيضًا الفلاحة التي تجني القطن، البارّة بأبيها، والمتفوقة في دراستها، والمطربة الصاعدة. استحضرتْ غريمتها الشهيرة فتحية أحمد في دور ثانوي جدًا، كأنها تنتقم منها بذكاء.
وهكذا بين حكاية أم كلثوم وتقلبات حياة جلال يحضر ذلك التأمل لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، لاسيما أننا إزاء مثقف من طرازٍ خاص، يعمل مخرجًا مسرحيًا، ولكنه يعاني في علاقة بزوجته أستاذة الأدب العربي التي تفرض حضورها وسيطرتها عليه، بل ويتطور الأمر إلى حد استغلاله ماديًا ومعنويًا، بل تشويه صورته واتهامه بالخيانة، فيما هو "عاشق يسرح في ملكوت الست"، يفكر في الحب ويتأمل حوانب الحياة على اختلافها، ويرضى بأقل ما يمكن أملاً في أن يعيش بسلام!
كما تحضر ثورة يناير، ويظهر السرد ذلك الفارق والتفاوت في التعامل معها بين من يحاول أن يفهم التحولات المجتمعية المحيطة وبين من يسعى لاستغلالها والاستفادة منها من خلال اللقاءات والمظاهرات، تلك الفوارق التي تظهر في النهاية طبيعة العلاقات الإنسانية وتعقيداتها على السواء كما تحضر لحظة كورونا وتأثيرها على المجتمع، وتكون وسيلة مختلفة للتفكير في الموت المفاجئ من جهة والتعامل مع الكوارث الطبيعية من جهة أخرى، كل ذلك يحضر في السرد ببساطة وانسيابية، يجعل القارئ متفاعلاً مع بطل الرواية وحكايته قادرًا على فتهم مواقفه ودوافعه، بل والتأمل معه في تفاصيل الحكايات في الحياة وارتباطها بالشعر والغناء:
(( من عادة الشعر أن يخجل ويتوارى، لكن أم كلثوم ثبتته أمامنا فأي شِعر مهما بلغت عظمته لن ينال الخلود إلا حين يسكن صوتها ويصبح طربًا بفضل صوتها أمسكنا الشعر في قلوبنا ولم نفلته نقشناه على الفصوص والخواتم والحقائب والأكواب الخزفية واللوحات والقمصان القطنية البيضاء جمل كثيرة غادرت قصيدتها وعاشت وحدها تشاركنا ألفة أيامنا. "وأبات أنعي. أنا ودمعي"، "والعاشقين دابوا ما تابوا"، "سوف تلهو بنا الحياة وتسخر. فتعال أحبك الآن أكثر"، "أروح لمين وأقول يا مين"، "ياما عيون شغلوني لكن ولا شغلوني" اكتسبت جمل الشعر هيبة الحكمة المقدسة وجريان المثل السائر، أحاطت بنا على الجدران والأيقونات مثل كلام الأنبياء))
تبقى إشارة أخيرة أن شريف صالح استخدم في الرواية تقنية جديدة وهي الهوامش على جانب الصفحة، تلك الهوامش التي كانت تعرض لرسائل جمعها محبي أم كلثوم أحيانًا، أو يتناول فيها تفاصيل من الحكاية التي تأتي في المتن، وفي ظني أن الهوامش كان يمكن أن تضمن في متن الرواية، ولن تعيق القارئ، خاصة أن السرد يعتمد على ذلك الانتقال الذكي بين الحكايات المختلفة سواء بين الماضي والحاضر ، أوبين حكايات أم كلثوم وحكاية بطل الرواية، أو حتى حكاية أفراد جمعية أم كلثوم في الوقت نفسه.
في النهاية استطاع شريف صالح أن يقدم رواية ممتعة وشيقة، وأن يجعلنا نستعيد أغنيات أم كلثوم مرة أخرى بطريقة مخلتفة، وأن يكشف عن جوانب من سيرة وحياة أم كلثوم، وأن يجعل القارئ في النهاية واحدًا من هؤلاء المجانين المحبين للفن والجمال، الساعين للبحث عنه مهما ساءت أحوالهم أو تعقدت ظروف الحياة بهم.
0 تعليقات