ما الذي يحمله الفنان من وعود وآمال، وما الذي يستطيع أن يحققه للعالم؟! أين يكمن ذلك السحر الخفي الذي يجعل الآلاف بل والملايين يقفون طوابير ليقرؤوا كتابًا أو يسمعوا مقطوعة موسيقية، أو حتى يشاهدوا فيلمًا سينمائيًا؟! هل يملك الفن مفتاحًا سحريًا يجعله يدخل إلى قلوب كل هؤلاء بالفعل؟! وهل يكون الفنان حامل هذا المفتاح طوال الوقت؟! 

في روايته الجديدة والبديعة (حامل مفتاح المدينة) يمنح أسامة علام بطله الدكتور "شهاب منير" مفتاحًا حقيقيًا يفاجئ بأن لديه تلك القدرة السحرية على فتح كل الأبواب المغلقة، أبواب مدينة كبيرة وخطرة مثل "نيويورك"، هذا ليس مجازًا بالمناسبة، إنه أمر واقعي يحكيه الطبيب البيطري الذي يعيش وحيدًا ويمارس مهنته بكل حرص وأمانة في معالجة آلام الحيوانات، كل ما في الأمر أنه يحصل فجأة على مفتاح ) يفتح كل شيئ تقريبا. باب العيادة، باب محل المقهى المجاور للعيادة، باب شقة الجيران المقابل لشقتى وحتى الخزانة الكبيرة غالية الثمن فى العيادة... جربت المفتاح فى قاعات مغلقة فى متحف المتروبوتان) هكذا تبدو هذه الحيلة الفانتا.ية بامتياز بمثابة الافتتاحية الجاذبة التي تنجح في شد انتباه القارئ لطبيعة المغامرات والمفاجآت التي ستحدث للطبيب من تجربة ذلك المفتاح. 

ولكن ما إن يندمج القارئ في الرواية حتى يكتشف أنها تعد بأكثر من ذلك بكثير،  فالطبيب الذي يرصد ويحكي عن تصرفات جيرانه يفاجئ بوجود شخصيات ثرية وعجيبة في الوقت نفسه، ليست بعيدة عنه، ولا يحتاج من أجل الوصول إليهم إلى مفتاح سحري، حتى وإن استخدمت تلك الحيلة لتلبية طلباتهم أحيانًا، ولكن الروسي صاحب عرائس الماريونيت  "أنطوان"، ورجل البدروم الذي سيصبح اسمه "شهاب السوري" يحملان حكايات وتفاصيل شديدة الثراء والجاذبية، والرواي والكاتب على السواء يتقن كيف يوزّع حكايته بينهما حتى يبقى ممسكًا بتلابيب القارئ، ويصل بنا إلى نهاية هذه الرحلة الشيقة. 

وعلى طريقة مقدم العرض الماهر يبدأ بعدد من الحكايات الثانوية، فنجد حكاية أوزة السيدة أوليفيا، وحكايات عن المرضى الذين يمرون في عيادته، بل وعن الممرضة الشابة التي تفتقد جدتها، ولا يفوته أن يعرض طرفًا من خلفيات بطله النفسية والاجتماعية، لاشك لكونه يعاني من الوحدة ويفتقد ونس الأصدقاء، وبين هذه الحكايات يأتي عرض أطراف من حكايات أبطاله الأصليين إذا جاز لنا أن نسميهم، وهكذا ينسج أسامة علام خيوط حكايته باقتدار، بين مغامرات ومواقف عجيبة يتورط فيها بطله، وبين حكايات تحمل قيمة أو مغزى أبعد من مجرد كونها حكاية أو مسلية. 

ننتقل مع الدكتور شهاب بين حكاياته التي يبدو فيها متقمصًا لشخصية القارئ الذي يتفاعل مع حكاية تروى له، بل ويصرح له الأبطال في رغبتهم في أن يروون له حكاياتهم، ويسمعهم بكل اهتمام، بل تتحول تلك الحكايات إلى مصدر قلق وإزعاج وتهديد له، حتى نفاجئ به يتورط مع صاحب السيرك العجوز الذي يطلب مساعدته، تلك المساعدة التي لم تكن إلا أن يكون هو "المهرج" على المسرح لأول مرة في حياته، ويستجيب الطبيب لذلك الطلب الغريب، ويكون ذلك المشهد بمثابة ذروة هامة في الرواية تتكشف بعده العديد من الأسرار. 

 يتقمص الراوي/الطيب/بطل شخصية المهرج، ويبدو أمام القارئ كأنه كان كذلك من البداية، لعله يشير بشكل غير مباشر إلى ذلك الدور الذي يكون عليه الكاتب أيضًا أحيانًا، ويذكرنا برباعية جاهين البديعة: 

أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جرس/جلجت بيه صحيوا الخدم والحرس 

أنا المهرج قمتوا ليه؟خفتوا ليه؟ / لا بإيدي سيف ولا تحت مني فرس 

هذا هو كل مايفعله الكاتب والمهرج والفنان، يخلص لمهمته الأولى، يحكي، ويسمع حكايات الآخرين، ويسجلها عنهم، يكشف حقيقة غائبة عن الكثيرين، يطلب العدل للمحرومين منه طويلاً هؤلاء المنسيين بين زحام الناس وسيطرة الآلات، لا يبدو أن الأمر يستدعي قلق "الخدم والحرس"، ولكن يبدو أن ذلك يزعجهم أحيانًا بالفعل! 

ورغم ما تمتلئ به "حامل مفتاح المدينة" من أبعاد ورؤى وحكايات ذات طبقات تأويلية متعددة، إلا أن الكاتب يبدو حريصًا على ألا تضيع  بعض أفكاره أو رسالته بين تلك الحكايات، لذلك نجدها تأتي بانسيابية في واحدة من حوارات الرواية: 

(-قلت لك سابقا: الأمور لا تأخذ بهذه البساطة. سأتركك الأن لتكمل حديثك إلى الدمية أو إلى نفسك. لا يهم. لكن مهما كانت الأمور فترفق بنفسك. فالأمور كلها ستتحقق. وتذكر أن القمر المضئ فى السماء سيظل مضيئا بك أو بدونك. لا أحد يستطيع إصلاح العالم. أفعل ما عليك فعله ولا تنتظر النتائج. عليك فقط أن تعتنى بنفسك لأنه لن يعتنى بها سواك.) 

كما لا ينسى أن يضع سطره الأخير بعد تلك الرحلة الشيقة: 

(الحياة إذا ليست قاسية جدًا أو طيبة للغاية. هى حياة علينا فقط أن نعيشها دون محاولات كثيرة للفهم) 

هكذا تبدو "حامل مفتاح المدينة" رواية تتحدث عن حكايات ومواقف غريبة لشخصيات عجيبة، ولكنها في الوقت نفسه تراهن على قدرة "الحكاية" نفسها على إنقاذ هذه الشخصيات من جهة، كما تشير ولو بطرفٍ خفي إلى مهمة الكاتب/الحكاء/ الفنان الذي ينبغي أن يفسح له المجال بشكل أكبر، فهو لم ولن يشكل تهديدًا خطيرًا أبدًا، بل على العكس يحمل لكم قدرًا من تأمل النفس ومحاولة أخيرة ربما للنجاة من كل ما ييحط بهذا العالم الموبوء من شرور وصعاب وآلام! 

ليست المرة الأولى التي يقدم فيها أسامة علام رهانه على الحكايات، والونس الدائم بها، وقدرتها على تجاوز أحلك اللحظات، فعل ذلك من قبل في مجموعتين قصصيتين، "طريق متسع لشخص وحيد"، "وكم مرة سنبيع القمر" بطرائق وأساليب مختلفة وشيقة، وهاهو يواصل التأكيد عليها هذه المرة في هذه الرواية.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم