التخييل السردي في رواية " نادي المحبيـن".. للروائي صبحي موسى
أعتقدُ أن السرد الروائي من السرود الإنسانية التي تعتمد على التخييل بشكل واسع، لأن التخييل، يمنح السرد نفسه طريقا للمتعة الفنية، واللذة النصية على حد تعبير الفرنسي "رولان بارث" . لكن يبدو لنا أن الإغراق في التفاصيل يعد جنوحا مباشرا نحو غرس التخييل بقوة في أرضية السرد الروائي، فعن طريق التخييل يمكن للمبدع أن يخترع مساحات واسعة من السردية اللانهائية، حيث تحمل أفكاره المباشرة إلى الدخول في عالم لا مباشر بالأساس ، فالسرد هو اللعب باللغة والحياة معا، حيث تصبح اللعبة السردية ممتعة في اصطياد الخيال للمعاني والأفكار والصور، فتبدو اللعبة السردية محبوكة بقوة، فتنتعش حوصلتها بالحضور والفقد، والاستعادة مرة أخرى.
تجلى ذلك كله من خلال رواية "نادي المحبين" للروائي صبحي موسى (سما للنشر، القاهرة 2022) وهي الرواية الأحدث في مشروع موسى الروائي، حيث اعتمد في بناء عالمه الروائي على اللعب من خلال التخييل السردي المشتبك بازدواجية الواقع، المرتبك، فتتشكل مساحات التخييل من خلال اللعب الذي يمارسه الكاتب في تشكيل أفضية السرد، لأن موسى لاعب سردي مائز، يفتن في طرائق السرد المتنوعة. فقد كتب في كل الفنون الأدبية (الشعر، القصة، الرواية، المقالة) ثم تفرد في الدخول إلى فن الرواية بقوة وخبرة قديمة، منحته القدرة على صياغة عالم روائي واسع في بنية الحياة من خلال التخييل السردي، ولن يقف التخييل عاجزا عن اصطياد أحداث الواقع.
قدم موسى الكثير من الأعمال الروائية المهمة، ومنها" صمت الكهنة، حمامة بيضاء، المؤلف، أساطير رجل الثلاثاء، الموريسكي الأخير، نقطة نظام، صلاة خاصة، نادي المحبين" وهي الرواية التي نحن بصدد مقاربتها.
عنوان الرواية " نادي المحبين"
يطرح عنوان الرواية سؤالا مهما: ما مفهوم نادي المحبين خارج الرواية؟ ولماذا اختار الكاتب هذا العنوان؟ في ظني أن النادي هو مكان للترويح عن النفس ولقاء الأصدقاء وتلاقح الأفكار، والكشف عن تلاقيها أو تنافرها، أو ازدواجيتها؟ وقد تحقق المعنى الذي حاول الكاتب أن يومئ إليه من خلال النادي الذي تتجمع فيها عوالم السياسية والدين والاقتصاد، حيث كان البطل عميلا مزدوجا أسهم في عملية وصول الجماعة المحظورة/ الإخوان إلى الحكم، وهو أيضا من أسقطها. ويأتي الجزء الثاني من السؤال لماذا اختار الكاتب العنوان؟ يبدو لي أن صبحي موسى انشغل بالفكرة الرئسية للرواية حيث حاول أين يصنع تقابلا مكانيا بين مقر جماعة الإخوان في المقطم وبين نادي المحبين ، حيث تتجمع أفراد الجماعة في الأول ، وتتلاقي أفكارهم المزدوجة التي تخلط الدين بالسياسة، أما الثاني: فتتجمع داخله شخصيات تحمل أفكارا خاصة بها، تجمع بين الازدواجية و الفردية، يجمع الكاتب بين الأحداث الفردية التي وقعت على الشخصية المركزية في الرواية عندما كان صغيرا ، فقد تعرض لاعتداء جنسي في قريته، ثم رأى أمه تمارس الجنس مع رجل غريب، في ظني أن هاتين الواقعتين هما الأكثر تأثيرا على نفسه، فأسهمتا في تحديد توجهه الفكري والثقافي فيما بعد .
جاءت رواية نادي المحبين في قسمين الأول بعنوان: "الفقد" والثاني: "الاستعادة"، ويحمل كل منهما دلالات مهمة، فالفقد هو عندما كاد أن يفقد المصريون وطنهم أثناء حكم جماعة الإخوان المحظورة، ذلك العام الذي عانى فيه الشعب مرارة العوز، والفوضى، والضعف والهزيمة. عام الجحيم، ويأتي عنوان القسم الثاني "الاستعادة"، وهو رجوع الوطن إلى أبنائه المصريين، وانهيار الحكم الإخواني الذي وضع الجماعة فوق رقاب الشعب، وصار محمد مرسي رئيسا للجماعة والعشيرة والأهل، وليس رئيسا للشعب المصري بكل طوائفه وملامحه وأهله وأراضيه.
تطرح رواية نادي المحبين سيرة للحياة السياسية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وحتى ثورة 30 يونية 2013، وسقوط الحكم الإخواني، وهي مرحلة ذات أهمية بالغة في تاريخ مصر الحديث، حيث تبدأ الرواية بصوت السارد العليم البطل الذي يدير دفة الأحداث والصراعات، وهو مفكر وأكاديمي مصري، ورئيس مركز ابن طفيل للدراسات السياسية. تنطلق أحداث الرواية من داخل المركز وهي تقنية مكانية / سردية واضحة، يعتمد عليها الكاتب في الكشف عن الفضاءات الذهنية التي تنشغل بها أدمغة البشر، فتقدم الرواية لنا بطلا مزدوجا شاذا، يتردد على أندية المحبين / الشواذ ، ويحقق أغراضه النفسية والفكرية، حيث إن عوالم الشواذ في رواية "نادي المحبين" ــ في ظني ــ ما هي إلا حيلة فنية يريد الكاتب من خلاله الشذوذ الجنسي، وهي عملية فردية لن تضر أحدا، أما الشذوذ الفكري هو أخطر على الوطن، لأنه تفكير جماعي يشترك فيه الناس والمجتمعات، وهو ما كان يعنيه موسى بالأساس ، فالجماعة الإخوانية تحمل فكرا شاذا غير مرتبط بالعقيدة أو التسامح أو المحبة، وهو يخترع دينا فوق الدين المتسامح الذي جاء لمساعدة الإنسان للوقوف والقيام من عثراته الواقعية. حيث اتكأ الكاتب على وصف صورة المثقف المزدوج الذي يحاول التسلق على أكتاف الآخرين لأجل تحيقق هدفه الذاتي، فهو يعمل مع الجماعة وضدها في الوقت نفسه.
طاقات السرد:
تمتلك رواية نادي المحبين طرائق سردية كاشفة، حيث إنها تكشف عن كواليس الحكم الاخواني وعلاقاته المشبوهة بالمثقفين والسياسيين والصحافيين وأصحاب الرأي والفكر، يحقق موسى هدفه من خلال ارتكانه إلى لغة سردية تقول ولا تصف، بل تخاطب الواقع الذي تتحدث عنه، فينتقل الكاتب من السرد الغنائي إلى السرد السياسي والصحافي والاجتماعي فيقول على سبيل المثال : يقول الكاتب في مستهل الرواية :" لا شيء في التاريخ واضح كما نعتقده ، فكل حدث له أكثر من رواية ومصدر " تطرح الرواية العلاقة المتشابكة بين التاريخ من جهة والرواية من جهة أخرى، حيث يبدو التاريخ عبارة عن وجهة نظر المؤرخ للأحداث ، وليست الأحداث الواقعية بطريقة مباشرة، بل تصبح الرواية هي صورة من صور السرد التاريخي غير المباشر، فكل حدث تاريخي مباشر ، نجده بشكل أكثر عمقا في الرواية التاريخية ، لأنها تمثل الحقيقة المتخيلة للأحداث كما ينبغي أن تكون في ذاكرة الرواية. فيستدعي الراوي العليم لحظة مشهدية لتسجيل البعد الرمزي/ التاريخي لصورة العمارات القديمة بوسط القاهرة ، حيث كانت الحياة أكثر إخلاصا مما هي عليه الآن. فيقول:" هكذا قلت: وأنا أعلق عيني على إفريز شرفة العمارة التي أمامي، الإفريز من الجبس المضغوط على هيئة ملاك يطل برأسه على الوجود، هذا النوع من العمائر المنتشرة في وسط القاهرة يجذبني إليه، أشعر بكم كانت الحياة جادة وبها ضمير ، فالصناع المهرة كانوا قد عادوا إلى المدنية العتيقة من جديد ، نعم المهندسون كانوا أوربيين ، لكن الصناع الذين قاموا بتنفيذ التشطيبات كانوا مصريين "(ص9).
حركية الشخوص:
اتكأ صبحي موسى على بناء شخصيات روائية هي عبارة عن مجموعة من الكائنات الورقية التي يخلقها الكاتب في فضاء سردي ذات ملامح واضحة، ونلاحظ أن موسى اعتمد في بناء شخصياته على اختيار أسمائها بعناية وحدد لكل شخصية دورا مهما لا تخرج عنه ومن هذه الشخصيات ( انعام السكرتيرة ــ العلايلي مدير وكالة أبناء الشرق الأوسط ــ وحين النجار مدير المخابرات، وسامر وزير الثقافة ،وناجي وجميل من الجماعة ، وصباح الممرضة التي ظهرت في الاستعادة ، وحامد ، ومسعد منفذ حركة رفض / تمرد ) هذه الشخصيات الأكثر حضورا وتماسكا في بنية الرواية ، أما باقي الشخصيات جاءت في لقطات بسيطة داخل الرواية كشخصية الوزير التركي، تبدو لي هذه الشخصيات الورقية المتخيلة ذات إسقاط سياسي مباشر على الواقع فلو نزعنا الأسماء الحركية المتخيلة ووضعنا أسماء واقعية بدلا منها سنفهم الواقع / الكابوس الذي وصعنا فيه صبحي موسى . وراح الكاتب يرسم شخصية انعام المتناقضة نفسيا فيقول السارد:" أعرف انعام منذ نحو عشرين عاما ، كانت قد فصلت من الجامعة لأسباب لم تُرد أن تخبرني بها على نحو دقيق ، لكنني فهمت أنها أمور مخلة بالشرف كما يقولون ، الشرف في بلادنا لا يتعدى عادة حدود الجسد . الذي هو بالبديهة ملك لصاحبه ، يتصرف فيه كما يشاء ، سواء كان يكرمه أو يبتذله ، فتلك حريته الشخصية ، ولا تعليق لنا عليها ، لكنه في هذه البلاد ملكا للآخرين ، هم الذين يحمونه وهم الذين يبتذلونه أيضا" . (ص14).
الفضاء بين الواقع والمتخيل:
انشغل الروائي صبحي موسي، بعملية تشكيل الفضاء السردي داخل الرواية حيث كان حريصا على طرح صورة البنيات القديمة بوسط القاهرة ومدى دقة الصناع والعمال المصريين في بنائها ورسمها تحت إشراف مهندسين أوروبيين فيقول السارد :" " كنا نجلس على مقهى يتراوح ما بين الكافيتريا والمقهى البلدي ، لا شيء يميزه سوى أنه منذ سنوات طويلة أصبح مركزا لتجمع المثقفين ، ربما كانت بدايته مع بدايتي ، فحين عرفت أقدامي شوارع وسط القاهرة ـ بحثا عن المثقفين / كان هذا المقهى مجرد كرسيين أو ثلاثة على رصيف يرتاح أمامه القادمون لشركات السياحة ومكاتب الصرافة في المكان هذا المكان تحول إلى مركز المثقفين / مربع الشر . "(ص11)
فقد وصف مكان تجمع المثقفين بمربع الشر، وملتقى الأدباء والفنانين / زهرة البستان، وأيضا مركز ابن طفيل للدراسات السياسية / مركز ابن خلدون وصاحبه الدكتور سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. والفنادق التي ينشغل فيها بلقاء حمد ورفاقه، ونادي المحبين الذي تتجمع فيه أجساد الشواذ؟ ومقر جماعة الإخوان بالمقطم، والسجن، والمعتقلات، المهندسين والمنصورية والزمالك. كما تكشف رواية نادي المحبين عن صورة المثقفين في مربع الشر ، فيقول :" أغلبهم أصدقاء قدامى ، وجميعهم من دراويش الثقافة والأدب ، يأتون من بيوتهم كل يوم ليجلسوا تحت اللافتة التي كتب عليها صاحب المقهى " ملتقى الأدباء والفنانين" معتقدين أنه بالجلوس تحتها كل يوم يمكنهم أن يصبحوا كتابا وفنانين ومشاهير ، منهم المهندس الذي ضل طريقه من العمارة إلى الفن والمترجم الذي ضل طريقه من الطب إلى الأدب ".تبدو ملامح التحامل على المثقفين واضحة في رواية نادي المحبين، فليس كلهم ملائكة، أو جهلة، وفي ظني أن موسى حاول تعرية المثقفين بشكل مبالغ فيه ، حيث اعتبرهم مجموعة من الخرتية الذين لا يعملون، وهذه الفئة موجودة بالطبع لكنها ليست الفئة الجادة والمستبصرة لروح الوطن. تكشف الرواية عن كواليس نادي المحبين الذي تلتقي فيه النزعات الشاذة في الرؤيا بحثا عن المكاسب الشخصية، وقد تجلى ذلك في الجزء الأول" الفقد" ليفقد البطل عذريته في لحظات الضعف التي يمر بها ، فيفقد قيمة الوطنية ، ليلعب على كل الأطراف ، الإخوان في مقابل السلطة الحاكمة في ذلك الوقت . ثم تأتي لحظات الاستعادة ، لينتصر الوطن في النهاية مع ثورة 30 يونية، ليتخلص الشعب من الإخوان بعد ذلك ، مستعيدا روح الوطن، محافظا على تاريخه العريق.
.
0 تعليقات