التخيل التاريخي في رواية "ميرنامه.. الشاعر والأمير"، لجان دوست
تميزت الرواية التخيلية التاريخية عن غيرها من أنواع الكتابة التخيّلية، بكونها تعلن استنادها إلى حوادث ماضية دونها السابقون، ومن ثم فإنها تستمد وجودها من الدوران حول هذا النص أو النصوص الماضية، مما تكثف صلتها بهذه الوقائع وتضفي على عالمها صبغة مرجعية واضحة ((فهويتها السردية تتحدّد من خلال التنازع بين التخيّليّ والمرجعيّ))، (ريكور،2022: 119)، لتكون نوعاً من السرد الذي ((تثير الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق بالذات)) (لوكاش،1978 :89)؛ باعتبارها (( المادة التاريخية المتشكلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها التوثيقيّة والوصفية، وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية، ورمزية، فالتخيّل التاريخي لا يحيل على حقائق الماضي، ولا يقرّرها، ولا يروّج لها، إنّما يستوحيها بوصفها ركائز مفسّرة لأحداثه، وهو من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المُعزّز بالخيال، والتاريخ المُدعّم بالوقائع، لكنّه تركيب ثالث مختلف عنهما)) (إبراهيم،2011: 5)، ما اصطلح عليه (بول ريكور) بـ (الهُوّية السرديّة)، وهي البؤرة التي يقع فيها التبادل والتمازج والتقاطع والتشابك بين التاريخ والخيال بوساطة السرد، فينتج عن ذلك تشكيل جديد يكون قادراً على التعبير عن حياة الإنسان بأفضل ممّا يعبر عنه التاريخ وحده أو السرد الأدبيّ بذاته، فحياة البشر تُدرك على نحو أسهل وأمتع حين يجري تمثلها بالتخيلات التاريخية(م.ن: 7).
إن التاريخ والسرد يتقاطعان في أكثر من علاقة، وهذا التقاطع يجهز على الثنائية القائلة باختلافهما الكلي، فقوة التاريخ وقوّة السرد تجدان المعنى المشترك لهما في " إعادة تصوير الزمان"، أي بـ "الإحالة المتقاطعة" للتاريخ والسرد، فكثيراً ما يتبادلان الأدوار والوظائف؛ فـالقصدية التاريخية وحدها تصير ذات تأثير تمارسه من خلال إدماجها في موضوعها المقصود مصادر الصياغة القصصية النابعة من الشكل السردي للخيال، في حين لا تنتج قصدية آثارها في التحرّي والفعل التحويلي والمعاناة، إلا من خلال تبنيها بطريقة متناظرة مصادرها الصياغة التاريخية التي تقدمها محاولات إعادة إنشاء الماضي الفعليّ، من هذه التبادلات الحميمية بين إضفاء الصفة التاريخية على السرد القصصي، وإضفاء الخيالية على السرد التاريخي، يتولد ما نسميه بالزمان الإنساني الذي هو ليس سوى الزمان المروي (ريكور،2022: 149).
رواية (ميرنامه- الشاعر والأمير) رواية تخيلية تاريخية تتناول حقبة تاريخية عاش فيها الشاعر والعالم الكوردي الكلاسيكي (أحمد خاني)، وهو المؤسس لفكر الأدب الكوردي، وللقومية الكوردية أيضا، تدور أحداث الرواية في بلدة بايزيد التي تعتبر الخط الفاصل بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية تعكس حياة الكورد في تلك المدينة وفي الحقبة التاريخية، يتميز أسلوب الرواية بالشعرية السردية التي تتناول الأحداث الماضية وتسترجعها بأسلوب تخيلي روائي، معتمدة على الخيال الروائي في تشكيل خطابه الإبداعي.
تسرد الرواية بأسلوب السرد التسلسلي التشويقي عن الفترة التاريخية التي عاش فيها "خاني" على لسان رواة يصل عددهم إلى عشرين راوياً، كل راو شخصية من شخصيات الرواية التي عاشت مع خاني وسردوا عن ذكرياتهم وعلاقتهم معه.
رواية مكتوبة بلمحة تاريخية كما يطلق عليها (بول ريكور) الهوية السردية والمقصود منها العلاقة التي يمثلها ويجسدها النص من خلال إقامة صلة بين الخيال والتاريخ كحقيقة واقعة، ويعمل على خلق نسق بينهما عن طريق الحبكة السردية، والهوية التاريخية عند ريكور تقترن بالسرديات التاريخية، أي الطريقة التي جرى فيها سرد حقبة تاريخية معينة، تختصر عادة بوجهة النظر الإيديولوجية، إذ تكون الطريقة السردية مقصودة لتبرير فعل ما أو لطمس حقيقة معينة.
صنفت الرواية ضمن السرديات التخيلية التاريخية، لأنها تعرضت لشخصية كلاسيكية، وأحداث ماضية ووقائع حقيقية، لكن بتقنيات الأسلوب الحديث من حيث توظيف الرواة المتعددة، وتوظيف اللغة الحية التي تناسب هذه الحقبة من حيث القوة والمتانة في توظيف التراكيب، واستخدام الأساليب الإيحائية كرمز المطر الذي يهطل حبراً أسوداً بعد موت خاني التي تدل على غضب الطبيعة على موته، وكذلك رمز للمثقف الذي تميز عن أقرانه بثقافته الموسوعية الأدبية والدينية والاجتماعية، هناك ثيمات متناقضة تبرزها لتصور الرواية للقارئ عدم المساواة والتفاوت الذي تعرض لها الكورد باستمرار الرواية مثلث هذه الثنائيات الضدية: الحب والكره، الأنانية والتواضع، والخيانة والإخلاص، الأعداء والمخلصون، برزت الرواية وجهة نظر خاني في خلق الوعي القومي الكوردي، والسعي منذ ذلك الوقت لتحرير الكورد من سجن الفرس والترك الذين كانوا على مرّ التاريخ يعملون في سبيل تحقيق أهدافهم ومرامهم، عاتب الراوي على لسان الأمير ميرزابيك قائلاً: ((لو أصغى إلى الأمير لجعلت من بايزيد دار علم كبيرة يأتي إليها الطلبة من أطراف كوردستان الأربعة ليدرسوا فيها، لو أطاعني لجعلت بايزيد تنافس تبريز وأصفهان وإسطنبول)) (جان دوست،2011: 188)، تناولت الرواية الأفكار الموجودة عند خاني بأسلوب سردي رمزي، تمثلت رؤية خاني في تأكيده على اهمال الملوك الأدب والشعر والثقافة ولم يعيروا له اهتمام، يقول خاني في قصيدة ((مع أن قلب خاني موطن للكنوز / إلا أن أحداً لم يسأل عن جواهره)) (مم وزين،2020: 39).
تدخل الرواية في نطاق السرد التتابعي والتوثيقي الخيالي لحقبة تاريخية عاش فيها الخاني، والأحداث ذات الصلة بالمجتمع الكوردي هي ما تصنع الخصوصية الفنية لهذه الرواية التاريخية التخيّلية، والشخصية الرئيسة المثقفة والعالمة ولا سيما خاني تمثل دوراً مركزياً في العالم الروائي، استعان الروائي "جان دوست" بخبرته وموهبته الشعرية في سرد الأحداث، وقد امتزجت فيها الموهبة الشعرية بالتجربة السردية التاريخية والوثائقية، وارتفاع المُخيلة في الرواية مردُّه إلى تزامن الموهبتين عند الروائي الشعري والسردي في التعبير عن القضايا الكبرى التي تتعلق بالإنسان الكوردي المضطهد والمظلوم في كل زمان ومكان.
جان دوست:
شاعر وكاتب ومترجم كوردي، يكتب باللغتين الكوردية والعربية، ولد في مدينة (كوباني) التابعة لمحافظة حلب سنة 1966، له اسهامات في التأليف والترجمة من اللغة العربية إلى الكوردية وبالعكس. ساهم في تطوير الأدب الكوردي، وكان حريصاً في ترجمة النتاجات الكلاسيكية الكوردية منها ملحمة (مم و زين) للشاعر الكوردي الكلاسيكي (أحمد خاني).
المصادر والمراجع:
- التخيّل التاريخي- السرد والإمبراطورية والتجربة الاستعمارية، عبد الله إبراهيم، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2011.
- الرواية التاريخية، جورج لوكاس، ت: د. صالح جواد كاظم، ط2، دار الشؤون الثقافية، 1986.
- الرواية والتاريخ- بحث في مستويات الخطاب في الرواية التاريخية العربية، نضال الشمالي، ط1، عالم الكتب الحديثة، 2006.
- الزمان والسرد-الزمان المروي، بول ريكور، ج3، ت: سعيد الغانمي، دار الكتاب الحديث،2022.
- مم زين - قصة حب من الأدب الصوفي، أحمد خاني، ت: جان دوست، ط1، دار خطوط وظلال، 2020.
- ميرنامه -الشاعر والأمير، جان دوست، مرجعة وتحرير: كامران حوج، ط1، أبو ظبي للثقافة والتراث،2011.
0 تعليقات