مقدمة:

تهتمّ هذه الورقة البحثية بمناقشة بعض القضايا السوسيولوجية، التي نجد لها حضورا في رواية "الطانفا" لـلروائي الصدّيق حاج أحمد، هذه الرواية الجديدة التي تضاف إلى مشروعه السردي، ضمن متخيّل الكتابة عن الصحراء، بوصفها فضاء سرديا مختلفا، يستمدّ خصوصياته وممكناته من الجغرافيا الصحرواية في الجزائر وامتدادها بدول السّاحل الإفريقي، مما أنتج متخيّلا سرديا مختلفا، ينصهر فيه فضاء الصحراء مع العمق الإفريقي للجزائر والمتمثّل في دول السّاحل الإفريقي وما بعدها من تخوم بلاد الزنج، مما يمنح لهذا المشروع السردي أبعادا ثقافية وحضارية واقتصادية ودبلوماسية متنوعة وثريّة، فتحت أعيننا على رؤية سردية جزائرية استثمرت الممكنات الجغرافية للجزائر، بوصفها البوّابة المتوسطية لإفريقيا، ومدّت جسور التواصل الإفريقي، عبر حوار ثقافي في المنجز السردي المتنوّع للروائي الصدّيق حاج أحمد.

في رواية "الطّانفا" يقدّم لنا الكاتب رحلة سردية جديدة باتجاه مختلف، من الجنوب الجزائري إلى دول السّاحل الإفريقي، بخلاف رواياته السّابقة، التي أخذت الاتجاه العكسي، من السّاحل الإفريقي إلى الجنوب الجزائري، حيث نقف على شخصية التاجر"محمد البركة" المدعو "بوغرارة"، الذي يسلك هذا المسار في رحلات تجارية متعدّدة، يؤسس من خلالها اسما تجاريا كبيرا، بدأه من مقايضة تمر واحات توات بالسّلع الإفريقية المختلفة، ليتحول إلى رجل أعمال معروف، يتنقل بين دول الساحل، وتصل تجارته حتى جزر الكاريبي، فقد أسّس شركة مختصة في بيع القماش الإفريقي "BWA"وأصبح يلقّب "بوغرارة شيكور الطّانفا في لفريك"، وتحقّقت فيه نبؤة أحد الشيوخ الذين زاروا القصر الذي يقطن فيه "بوغرارة" ،حيث التقط جملة الشيخ وإشارته له بأنه المعني بجملة"دواء الجرب القطران ودواء الزّلط السودان"، فبدأ بوغرارة في تجميع التمور التي دشّن بها أول رحلة ناجحة إلى بلاد السودان(دول الساحل الافريقي وما جاورها)، لتتولى بعدها المبادلات التجارية الرابحة، وتنشأ إمبراطورية القماش، وتتمدّد في دول إفريقية، وأخرى في أمريكا اللاّتينية، فيصبح بوغرارة شخصية تجارية مرموقة، تتداولها الألسنة في القصر بإعجاب شديد من بعد سخرية كبيرة، ويصبح طموح تجّار إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التعامل معه والاستفادة من عروضه التجارية الرابحة، فهو في محل إقامته بين المدن الإفريقية المختلفة، يحظى بسمعة كبيرة، يتوافد عليه الكبراء والأعيان، وينهل من سخائه كل من جاء إليه.

تنقل لنا الرواية أن "بوغرارة"رسم حياة جديدة له، بعد ازدهار تجارته في  دول الساحل، وأصبح قليل العودة إلى قصره بتوات، بعد أن استخلف ابنه "السيموح" وأشركه مع صاحبه "بولنوار"على تجارته هناك، ليستقرّ بشكل نهائي في"قاو" شمال مالي، وبعدها  "نيامي" عاصمة النيجر، وغيرهما من المدن الكبرى في الساحل الإفريقي، حيث تزوّج بـ"ميناتو الهوساوية" التي أنجبت له بنتا اسمها "قمرتو"، وأصبحت هذه الزوجة بمثابة وكيل تجاري للشركة التي أسّسها، لما تمتلكه من مؤهلات وتنوّع لغوي، مكّنها من مضاعفة رأس مال الشركة وإعطائها بعدا عالميا وتوسعا تجاريا كبيرا، اصطدم بعد سنوات بظروف غير مواتية، تمثّلت في مرض الزوجة مديرة الأعمال، وما ترتّب عليه من انشغال بوغرارة بها، وانفاق أموال ضخمة، في سبيل شفائها، مما ترك للشركة عرضة للخسارة تلو الأخرى، حتى اضطرّه الحال إلى بيع الشركة، وإعلان إفلاسها، وبيع كل العقارات والممتلكات، والعودة إلى القصر التواتي، بعد أن دفن زوجته الثانية، وترك ابنته الوحيدة منها، في ذمّة امرأة سنغالية؛ لأنها رفضت العودة معه، خاصة بعد ما أصابها من أزمة نفسية حادّة من نظرة أعمامها في هجنة لونها واختلاط دم القبيلة، لقد عاد بوغرارة لتوات مكسورا كما تقول الرواية. 

تؤرّخ الرواية لأحداث هذه القصة، بفترة زمنية هامة بالنسبة للجزائر، وبقية الدول المستعمرة في إفريقيا، حيث كانت مرحلة الستينيات من القرن العشرين، بداية لزوال الاستعمار، وتحرّر الدول الإفريقية، ومنها الجزائر، فزمنية الرواية تقع في الفترة ما بين نهاية الخمسينيات، وتستمرّ حتى أحداث أكتوبر 1988 في الجزائر، وهذا ما جعل النص ينقل لنا بعضا من الأحداث التاريخية الهامة، حول الجبهة الجنوبية لثورة التحرير بالصحراء، مع الإشارة إلى أسماء تاريخية عسكرية وسياسية، أشرفت على هذه الجبهة، وهي تعطينا صورة واضحة عن إسهامات سكّان الجنوب في دعم الثورة، من خلال إمداد الأسلحة والعتاد الحربي، وجمع التبرعات، وخلق متنفّس للثورة من الجنوب الغربي، حيث نقف على جهود بوغرارة في تمرير السلاح بشاحنتهـ وإدخاله إلى الجزائر، ودعمه المالي الكبير للثوّار، ولقادة الجبهة، وهنا تكون الرواية بمثابة وثيقة تاريخية، تصحّح كثيرا من المفاهيم والقناعات المغلوطة، وتبرز دور ساكنة الصحراء في خدمة الثورة المباركة، وفق ما هو متاح بالنسبة لهم، وتبرز فطنة شيوخ  القبائل والزوايا، الذين عارضوا بشدّة مشروع فصل الصحراء، على الرّغم من الإغراءات المقدّمة لهم من فرنسا، لقد أثبتوا انتمائهم للوطن ووحدته، وأثبتوا أنهم أحفاد الإمام المغيلي العالم المجاهد.

ضمن هذه السّردية الاقتصادية والتاريخية والانثروبولوجية التي نجدها في رواية الطّانفا، تحاول هذه الورقة البحثية تتبّع ما يصطلح عليه بالمعنى السوسيولوجي، من خلال رصد وتحليل وتفسير البنيات الاجتماعية في هذا النص، الذي يعطينا ملامح سوسيولوجية واثنولوجية هامة، حول مجتمع الرواية، خاصة ما يتعلّق بحضور المرأة في هذه المجتمعات التقليدية، وعلاقة الفرد بالقبيلة والأرض.

ثلاثية الفرد والأرض والقبيلة:

تأخذ علاقة الفرد بالأرض والقبيلة في المجتمعات التقليدية، طابعا أقرب للقداسة، فالنزعة الفردانية في المجتمعات القبلية، تتراجع كثيرا لصالح الكل القبلي، مما يجعل  من هذه الخصوصية علامة فارقة في التمييز بين المجتمعات التقليدية والحديثة؛ ذلك أن السّمة الأساسية للأزمنة الحديثة كما يرى "مافيزولي" في كتابه "زمن القبائل" "Le temps des tribus" هو ابتداع مفهوم الفرد، الفرد المستقل، الذي لا يقبل التجزئة (مافيزولي، 2024، صفحة 186)، فالقيمة تتحقّق في وجود الفرد، بخلاف المجتمعات التقليدية أو المجتمعات الفيّضية "The over flowing" التي تتأسّس على سلطة الجماعة، ومفهوم الحسّ المشترك والتضامن بين الأفراد، (دومون، 2006، صفحة 41)،حيث إن أهم خاصية في هذه المجتمعات بالنسبة لهولاء الأفراد هي الجماعة وعلاقتهم القوية بها، وقدرتهم على التواصل معها، وربما هذا ما أعادت إحيائه المجتمعات المابعد حداثية حاليا، وفق أنماط وصور قريبة من الماضي، حيث أصبحت بدورها مجتمعات فيّضية، تجاوزت الفردانية بعدّها شرطية الحداثة الأساسية.

في رواية الطّانفا نجد ملامح هذا المجتمع الفيّضي، متجسّدة في قصور توات بمنطقة أدرار، حيث تطلعنا الرواية على عدد من الإشارات السّردية، التي تقدّم القصر بوصفه بنية اجتماعية تقليدية، من خلال تصوير مجموعة العلاقات بين أفراده، والإطار  النّاظم لهذه العلاقات، ويكون بوغرارة بمثابة الفاعل السردي و الاجتماعي المحرّك للعملية السّردية وللبنيات الاجتماعية بالقصر، فعبر علاقات بوغرارة داخل القصر وخارجه نستشفّ طبيعة المجتمع التواتي، وبنياته الاقتصادية والثقافية وحتى النفسية، من خلال تفاعل كل مكونات القصر مع شخصية بوغرارة، سواء في إقامته بالقصر أو بعد رحيله وتجارته في دول السّاحل الإفريقي، يبقى بوغرارة الفاعل الأساسي في مجتمعه.

تمنحنا رحلة بوغرارة التجارية فهما واضحا لعلاقة الفرد التواتي بالقصر، هذه العلاقة التي لا يأتي النص على ذكرها مباشرة، بيد أنه يمكن أن نستشفّها من سيّر الأحداث الروائية، فالنجاح الكبير الذي حقّقه في تجارته، التي اعتمدت شكلا اقتصاديا تقليديا، عبر أسلوب تبادل السلع، عبر مقايضة التمور بالسلع الإفريقية المختلفة، وصولا إلى تأسيس إمبراطورية قماش الطّانفا، كان منطلقه نبوءة الشيخ في القصر، ومنتهاه يشبه كثيرا ما يعرف أنثروبولوجيا بأسطورة المنحدر "The descent myth" التي هي فكرة رمزية في المجتمعات التقليدية، تعتبر بمثابة حتمية تاريخية، ترى أن صعود الإنسان مرتبط لا محالة بالسقوط والتعثّر، ثم النهوض من جديد، فبوغرارة في رحلته خضع لهذا المنظور الثقافي، وكان جزءا داخل النسق الاجتماعي، واستجاب لشروطه، وتأقلم مع متطلباته.

نجد في هذا النص السّردي تجسيدا لمنظور سوسيولوجي حول طبيعة السكان الأصليين، يكاد يتّفق حوله كل علماء الاجتماع في العالم، فيما يخصّ المبادئ الأنطولوجية للمجتمعات التقليدية، فقد كتب عالم الاجتماع النيجيري "أكنسولا أكيوووو" "Akinsola akiwowo" بحثا بعنوان "مساهمات في سوسيولوجيا المعرفة في الشعر الشفهي الإفريقي" نشره في المجلة المرموقة "أنترناشيونال سوسيولوجي" "Internaational sociology" التابعة للجمعية السوسيولوجية الدولية، تناول فيه شعر اليوروبا (مجموعة عرقية تستوطن غرب نيجيريا)، وقد خلص من خلال دراسته لهذه النصوص الشعرية، إلى مجموعة نتائج، تبرز بوضوح خصائص المجتمعات الإفريقية التقليدية، ويذكر من بين هذه الخصائص: (كونيل، 2020، صفحة 145)   

  • وحدة الحياة الاجتماعية هي حياة الفرد أو كينونته أو وجوده أو سماته.
  • الفرد المادي "الجسماني" أساسا ،لا يمكنه أن يستمرّ دون جماعة "مجتمع محلي".
  • الحياة الاجتماعية لمجموعة من الكائنات الفردية، تستمرّ بروح التضامن، فأي شكل من التجافي الذاتي بغرض السعي نحو هدف أناني محض، هو خطأ أو خطيئة أخلاقية. (كونيل، 2020، صفحة 147)

هذه الخصائص نجد لها أثرا واضحا في رواية "الطّانفا"؛ بل يمكن القول إنها تنطبق حرفيا على مجتمع الرواية، فخروج بوغرارة من هذا النّسق الاجتماعي الفيّضي القبلي، ودخوله إلى نسق جديد، نتج عنه ظهور شخصية بوغرارة الفردانية، المتمثلة في رجل الأعمال، الذي يمتلك عقارات وسيارات فارهة، وحتى طائرة خاصة، ويتنقّل بين المدن والموانئ والمطارات، بحثا عن الكسب المالي والصفقات المربحة، هذه الصفات لا تتوافق تماما مع النّسق الأول، الذي هو نسق تنصهر فيه كل الخصوصيات والممكنات والمواهب في بوتقة الجماعة/القصر، ويعتبر كل تفكير خارج هذه القاعدة معاداة للقيّم الاجتماعية المقدّسة، وخروجا عن الجماعة، التي تأخذ شرعيتها من الدين والعرف، وتمتدّ في المجتمع عبر ميكانيزم التنشئة الاجتماعية، مما ينتج عنه ترسيخ سلطتها القاهرة والمستمرّة في التاريخ.

إننا نعثر في النص على إشارة حاسمة، تثبت طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع القبلي، فبداية الأزمة التي حلّت بـ"بوغرارة" ارتبطت سرديا مع لحظة انقطاعه التّام عن إقليم توات، فبعد أن نسي تماما القصر، وتخلّف حتى عن زواج ابنته "البتول" بـ"زيد القدّام" ابن صديقه بولنوار، بدأت القصة تأخذ منحى دراماتيكي، أفلست فيه الشركة، وفقد فيه بوغرارة الزوجة الجديدة  واستعصت حالة ابنته النفسية، وطفق يبيع أملاكه، فكأنها لعنة القصر حلّت به، لقد"عاد بوغرارة لتوات مكسورا" (الصديق، 2025، صفحة 211) هذه العودة الخائبة والمكسورة في النص، هي بيان واضح على مدى تحكّم روح الجماعة في الأفراد داخل المجتمعات الفيّضية، وأن مصائرهم ومآلاتهم إليها، وأن كل محاولة للتنصل من الولاء لهذه المجموعة مصيره العودة المكسورة، فالنص ينقل لنا هواجس بوغرارة، من سخرية ساكنة القصر وألسنتهم الحادة في الحديث عن عودته المأزومة؛ لكنه لا يمنح له حلولا أخرى غير العودة الإلزامية للقصر، فلم يمنعه رفض ابنته الوحيدة والمريضة للعودة معه، على اتخاذ هذا القرار الحتمي، وتركها هناك، فهي ابنة بوغرارة خارج العضوية الجبرية والزواج الداخلي، حسب توصيف"غيدنز" وتطبق عليها آلية الاستبعاد، ولا يمكنها الاندماج (غدنز، 2005، صفحة 315) في مجتمع القصر، لذلك كان لزاما عليه أن يتركها ويعود منكسرا  وخاضعا للسلطة الاجتماعية في القصر، حيث تمثّل العودة طلبا للعفو، وهذا ما ينقله النص، فبوغرارة وجد التضامن والقبول الاجتماعي، والدعم المادي من خلال ما تدرّه تجارة ابنه "السّيموح" من أموال تأخذ مباركة وشرعية القصر؛ لأنها لم تخرج عن  محدداته، بخلاف تجارة والده، وهذا ما يحقّق له إعادة الاندماج في الجماعة، فالنص ينقل لنا عودة بوغرارة إلى واحته، وجلوسه على الأرض التي ولد فيها.

المرأة في ثقافة صحراء توات:

قد لا تختلف كثيرا صورة المرأة في المجتمع التواتي عنها في بقية المجتمعات التقليدية، التي تخضع لتصورات القبيلة، من سلطة أبوية مطلقة، وممارسات ذكورية، وأحكام عرفية تخضع للتصنيفات الجندر، فالمجتمع في توات، ينتمى إلى نسق اجتماعي أكبر، تختلف فيه بعض التفاصيل، أما جوهره فهو ثابت، يختزل المرأة ضمن تصنيفات مورثة تصنّف المرأة في خانة الجسد، والعار، والضعف، والحجب.

في رواية الطّانفا تحضر المرأة بأشكال مختلفة، وهذا راجع لقدرة المرأة على حمل التمثّلات المختلفة لأنساق المجتمع، فحضورها الجسدي أو الثقافي و الرّمزي يخلق مجالا واسعا للتأويل، كما أنه قادر على رصد التحولات الاجتماعية في النصوص، وهذا ما يتحقّق في هذا النص السّردي، حيث يمكننا من خلال تتبّع المسار السّردي للمرأة أن نفهم طبيعة المجتمع والتحوّل الحاصل في النظر للمرأة بين مجتمع القصر/توات، ومدن السّاحل الإفريقي، التي تنقّل بينها بوغرارة، فهي تمنحنا مؤشرات عالية الدقة، فوضعيتها داخل العملية السّردية، تكشف طبيعة التفاعلات بين النّسق الاجتماعي، وسلطة القبيلة، وفضاء المدينة الرأس مالي، الذي انتقل إليه بوغرارة.

إننا نعثر في هذا النص على صور متعددة للمرأة، وكل صورة تمنحنا فهما سوسيولوجيا مختلفا، إذ نجد المرأة الأم في القصر، والمرأة الزوجة، والبنت بشكل أقل، ونجد خارج القصر في مدن الهجرة والتجارة بالنسبة لـبوغرارة، المرأة الإغراء والمرأة الزوجة، وفي كل هذه الصور نجد المعنى السوسيولوجي الذي نستطيع من خلاله فهم طبيعة المجتمعات في اختلافاتها وخصوصياتها.

فالمرأة الأم في هذه الرواية تمثل الحضور المركزي للمرأة في المجتمعات التقليدية والذكورية، ذلك أن الأم تأخذ مكانة تبجيليّة تعوضها عن وضعها كزوجة، وتمتلك فوق ذلك قدرة تأثيرية على الأولاد (لابورت، 2004، صفحة 78)، فقولها مطاع وأمرها مستجاب، فبوغرارة في هذا النص، يمتلك علاقة  روحية  قوية تربطه بأمه، تقترب إلى حدود القداسة، حيث نعثر في النص على جمل كثيرة تؤكّد هذا الحكم، فخروجه من القصر واجتيازه الصحراء، ونجاح تجارته، كلها من بركات أمه العالية ودعائها له، فهو يستحضرها في كثير من المواقف، حتى أن عودته إلى القصر بعد الإفلاس، وما لقيه من حياة كريمة في بيته، وتجارة يديرها ابنه السيموح تحفظ كرامته بين الناس، هي من دعاء والدته، الذي ألهمه أن يترك بعض أمواله لابنه ويمنحه شاحنة ويجعله شريكا لصاحبه بولنوار، لقد خُتّمت الرواية بالإشارة إلى هذه الدعوة الصالحة من الأم "إنّ ما اُلهم به(محمد البركة) المدعو بوغرارة، يوم منح ابنه الجمل وما حمل، قد تكون هذه الفطنة المانحة سببا في نجاته من نوائب الدهر وشماتة حمقى القصر، ختم هذا المؤول قوله بردّ ذلك، إلى نلك الدعوة الصالحة من أمه العالية رحمها الله" (الصديق، 2025، صفحة 214).

هذه الاشارات في النص تؤكّد مركزية الأم في ثقافة توات، وامتلاكها هالة من السلطة والنفوذ، الذي ينقلها من حالة المرأة الزوجة الخاضعة كليا لسلطة الرجل، إلى نقيض ذلك ضمن هذا النّسق الاجتماعي، وعادة ما تأخذ أم الذكور هذه القوة أكثر من أم البنات، التي تكون أقلّ في التأثير والقوة، ومن ثم فإن هذا النفوذ مرّده إلى سلطة الذكورة ذاتها، حيث تمنح ما يشبه المكافئة للأم، التي تقوم بدور  أساسي في عملية التنشئة الاجتماعية الذكورية للأبناء، وتعيد إنتاج هذه السلطة في المجتمع.

نجد في رواية الطّانفا مشهدا سرديا وجملة على قدر كبير من الأهمية "الزعيم يمشي لمّو" (الصديق، 2025، صفحة 47) هذه الجملة التي ردّدها سكّان القصر لـبوغرارة وهو يذهب للعودة  بأمه من "حفرة الرّابطة" التي هي مكان تذهب إليه المرأة التي يتوفى زوجها يوم نهاية عدّتها، حيث تخرج من القصر في وقت العصر وتذهب إلى هذا المكان الذي يشبه الحفرة، ويأتى أحد أبناءها ليعود بها إلى القصر  بعد ذلك،ف ي حركة تحمل دلالات سوسيولوجية متعدّدة، فالخروج من القصر هو تشّييع للمرأة الزوجة، والعودة للقصر مع الابن الذي تُلحق به صفة الزعامة، هو إعطاء مكانة جديدة للمرأة بوصفها اُمًا من لدن السلطة الذكورية.

كما نقف في النص على صورة المرأة الزوجة بين ثقافتين ونسقين اجتماعيين، الزوجة الأولى "لالاّهم" ابنة شيخ القصر، والزوجة الثانية خارج القصر "ميناتو الهوساوية" وهذا ما يمنحنا شبه مقارنة بين وضعيتين سوسيولوجيتين للمرأة، فالمرأة التواتية في القصر يمنحها السرد مجموعة صفات نسائية من غيرة وشك وخوف، وهذا أمر طبيعي، كما أنه يخلع عليها صفات الوفاء والصبر والتحمّل والمقاومة، فبوغرارة قبل رحلته الأولى وتقتيره في النفقة من أجل كراء الشاحنة، واجهته لالاّهم بالصبر والتقشّف، كما أنها على الرغم من خوفها من هذه الرحلة والمغامرة التجارية المحفوفة بالمخاطر، لم ترفض ذلك أو تعترض؛ بل كانت هادئة لينة" تعدّ مبخرتها" وتعبث بضفائرها (الصديق، 2025، صفحة 59) وفي كثير من هذه الأوصاف، نجد أن السرد انتصر للمرأة التواتية وأنصفها، ولعلّ أهم مشهد في ذلك بعد عودة بوغرارة مكسورا ومفلسا، وكيف كان موقف لالاّهم ؟،فانقطاعه لسنوات طويلة، وزواجه الثاني ، لم يُخّفت جذوة الوفاء والمحبة الصادقة "فأما زوجته لالاّهم ذات الستين سنة، على دقّها لباب الشيخوخة، نصبت بخّارها كالعادة، غير مكترثة بما فات" (الصديق، 2025، صفحة 212) وبمقابل ذلك نجد المرأة/ الزوجة خارج القصر،"ميناتو" وهي تعطينا تصورا مختلفا تماما عن المرأة في القصر، فهنا نحن أمام زوجة متحرّرة من سلطة الزوج المطلقة، تملك حق الرفض والاعتراض، كما أنها تشارك في بناء وتطوير رأس المال، عبر إدارتها شركة بوغرارة، فهي سيّدة متعلّمة، وتتقن فنون الترويج، وتمتلك لغات متعدّدة، مكّنتها من توسيع المجال التجاري للشركة، إنها تمنحنا صورة واضحة عن نسق اجتماعي مختلف تماما عن النّسق التقليدي في القصر، فهي أنموذج للمرأة في مجتمع السوق، كما يرى "ألان تورين" تظهر بوصفها ذاتا فاعلة متحرّرة من قيود المجتمع التقليدي، غير أنها تتعرّض لما يسميه ضغط التسليع الجنسي (تورين، 2011، صفحة 314) فهي المرأة وفق البراديغم الرأسمالي وقيمتها ترتبط بمدى قدرتها على الإغراء، ومن ثم فهي تحضر بوصفها جسد وقيمة تسويقية، ولذلك نجد في هذا النص أن وصف الجسد والإغراء ارتبط بالنّسق الاجتماعي الجديد لبوغرارة خارج القصر، فالرواية لا تقدّم لنا أي وصف جسدي أو جنسي لنساء القصر، وبخلاف ذلك نجد بوغرارة يصف المرأة التي جاءت لخدمته في "قاو"، وصفا مستلاّ من قاموس الأرض التي ينتمى إليها، من خلال تفاصيل جسدها "طافت عينه بتضاريسها القتّالة، كانت تظهر من الخلف، كأنها جبل، نحتته الرياح قليلا من أعلاه وعوادي الزمن من أسفله، حتى استحال حوضا واسعا عند المنتصف" (الصديق، 2025، صفحة 152)، فالسرد هنا يتوافق مع القيّم الجديدة للمجتمع الجديد مجتمع السوق، وهذا ما لا يتحقّق في مجتمع القصر، الذي تكون المرأة فيه موضع الحجب، غير أننا لا نعثر على أي إشارة لطابع أخلاقي قيّمي في علاقة بوغرارة بزوجته "ميناتو"، إنها علاقة أشبه بالصفقة التجارية للطرفين، والالتزام الأخلاقي فيها مرتبط برأس المال في تعاظمه أو تراجعه، فقوة الشركة ارتبطت بقوة وصحة ميناتو، وكذلك ضعف الشركة وإفلاسها ارتبط بمرضها وموتها، بخلاف علاقة بوغرارة بزوجته الأولى لالاّهم، التي هي علاقة وفاء والتزام أخلاقي، خارج الحسابات التجارية.

خاتمة:

لقد انتصر السرد لمجتمع القصر، وأعطى لنا فهما دقيقا للمعنى السوسيولوجي، الذي أبان على قوة ونفوذ مجتمع القصر على أفراده، ومدى ارتباط مصائرهم به، فهو يمتلك سلطة روحية وأخلاقية، تعزّزها العلاقات الاجتماعية بين المنتمين إليه، فهو يمنحهم الحماية والشرعية، ويجعل كل خروج عنه بمثابة نهاية لكل فرد فيه، فقصة بوغرارة، ورحلته التجارية في دول السّاحل الإفريقي، وبروز ملامح الفردانية فيه، ثم ما ترتّب عن ذلك من إفلاس وخسارة وعودة منكسرة للقصر، تقرأ تأويليا من المنظور السوسيولوجي، على أنها تأكيد على سلطة القصر ومركزيته في المجتمع التواتي الصحراوي.

 

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم