تلفحنا رواية "سنوات المغر" بوهج إبداعيّتها منذ إطلالتنا الأولى عليها فتغوينا بإعادة السفر فيها وترغمنا على قراءتها مرات أخرى. إنها رواية لا يكتفي القارئ بالاطّلاع عليها مرة واحدة وإنما لا بدّ له من معاشرتها حتى يتسنّى له الفوز بشفرات تعينه على فك بعض مغالقها والسير باطمئنان بين جزر المتن الروائي وصحاريه مقتفيا آثار "غريب" ذلك الفتى الأصهب الذي تناوبته الرزايا من كل صوب فارتحل في المكان والزمان بحثا عن العمل في الظاهر وعن إثبات الذات باطنا. ما إن ينهض واقفا حتى تصفعه الأقدار مرة أخرى فيجد القارئ نفسه متلهفا إلى نهاية الرواية التي أعلنت –للأسف-عن موت غريب. وهو في كل مرة يخوض تجربة إثبات ذاته ووجوديته داخل هذا العالم بالبحث عن هويّة اكتسبها قوّةً وأضاعها فعلاً أوراقا لا تعني شيئا في حكم منطق الأشياء لكنّها كل شيء في عرف الدولة والمجتمع. هكذا هو الإنسان ورقٌ وأرقامٌ في دفاتر. وتولّى سرد الحكاية رواة مختلفون فتعدّدت الأصوات فيها.

   إنّ تقنية تعدّد الأصوات كثيرا ما التجأت إليها رواية ما بعد الحداثة رغم أنّ اجتراح المصطلح كان أقدم من ذلك إذ اتّفق المشتغلون بالأدب والمنشغلون به أن الناقد الروسي "ميخائيل باختين" هو أول من نحت مصطلح "تعدّد الأصوات" في الرواية عند دراسته لأعمال الروائي "دوستويفسكي". ويعني هذا المصطلح فيما يعنيه أن الأحداث لم يعد يرويها سارد واحد فقط هو العليم بها والموجّه لها والمسيطر عليها بما أنه ظل المؤلّف في النص الروائي. لقد تعدّد الرواة في رواية ما بعد الحداثة فأصبحوا مجموعة من الأصوات المختلفة عن بعضها البعض. كل صوت منها يحمل وعيا ذاتيا خاصا به ومستقلا عن المؤلّف. فتغيب المركزية بذلك وتتعدّد الحقيقة التي تكون تفاعلا بين وجهات نظر مختلفة ناهيك عن دور القارئ الذي يتغير موقعه من الاستهلاك الكلّي لما يقرأ إلى صنع المعنى وتأويله وبذلك تتحوّل الرواية من فضاء إملائي للحقيقة إلى فضاء حواري تُفتح فيه الاحتمالات وتطرح الأسئلة بصورة متجددة دائما. تتحوّل الرواية بفضل تعدّد الأصوات من بحيرة راكدة يغترف منها القارئ المعاني يعيش حالة من الطمأنينة إلى نهر جارٍ يكون القارئ مساهما في تدفّق معانيه وتجدّدها الدائم عبر التأويل المستمر. وهو ما يلاحظه قارئ رواية " سنوات المغر" بيسر إذ   توسّلت مؤلّفتها مريم الزرعوني كما أشرنا سابقا بتقنية تعدّد الأصوات فيها. في "سنوات المغر" الكلّ يسرد حكاية " غريب" إلا غريبا نفسه هو المحكيّ عنه دون صوت له. إنّنا لا نكاد نسمعه. لا نعرف وجهة نظره هو إلا نزرا قليلا من خلال حوارات مقتضبة. اختارت الروائية أن يكون صوت الشخصية الرئيسية خافتا في مقابل تنوع وجهات نظر رواة أفعالها والمخبرين عن أحوالها. ولم تكتف بذلك بل نوّعت الأصوات مما زاد من تسلّق الرواية درجات إضافية في سلّم الإبداع والتجنيح بها في عالم من الفانتازيا التي تذهب بالقارئ بعيدا لتبقيه قريبا من الواقع. واقعيّة سحرية هي. مفارقة لا تصحّ بميزان العقل ولكنّ الجمال الأدبي يطلبها حثيثا. لقد قُسّمت الرواية إلى 34 فصل (كلمة الفصل من عندنا لأنّ المؤلفة اكتفت بذكر عنوانٍ دون تحديد الفصل أو رقمنته) فإنّ الراوي يختلف من فصل إلى آخر ويمكن أن نفصل بين نوعين من الرواة: نوعٍ أوّل ينتمي إلى عالم البشر ويتضمّن جوديث وديفدسن والعمة غاية والأم سهيلة وبكر والعرّاف وعناية خاتون والخضر ومنيرة والراوي الخفي ( نوعه غير محدد لكن يمكن أن نضيفه إلى عالم البشر بحكم العادة) ونوعٍ ثانٍ لا ينتمي إلى عالم البشر ويتضمّن السّدرة ويوم الأحد والمقبرة والمرآة والحجر والمركب والفونوغراف واللاندروفر والطائرة.

   لقد منحت مريم الزرعوني أحقيّة الحكي إلى المكان والزمان والأشياء. أنسنتها فتكلّمت وسردت وأحسّت فضحكت وتألمت ثمّ أخبرت عن حكاية غريب من وجهة نظر الأشياء. وأن يتعدّد الراوي في روايةٍ دليل عن خروج الرواية عن المألوف وتحرّرها من سلطة الراوي الواحد ودكتاتوريته بل إنّ في ذلك علامة على القطع مع الكلاسيكية وتغيير في دور المؤلف والقارئ معا من باث كليّ ومتقبّل كلي إلى متحاورين يتجادلان المعنى ويؤسسان لرؤية للعالم تقوم على العدالة والديمقراطية. ولكن أن ينزع الراوي عنه لبوس البشرية ليلتبس بالأشياء فذاك إمعان في تشريك الآخر غير البشري في تحديد مصير العالم واتّصاف المؤلّف بالحيادية المطلقة فيترك القارئ وجها لوجه مع الأشياء يقتبس منها وجهة نظرها إلى الأحداث فتصله الحقيقة من منابع مختلفة ليستطيع أن يحكم عادلا مع الشخصية المتحدّث عنها إما تعاطفا واتّباعا لخطاها أو كرهًا لها وتصريفا لنهجها. كما إنّ الأشياء عندما تتحوّل من مجرّد ديكور يتأثث به المتن الروائي إلى راوٍ فاعل فيه وشاهد على أحداثه ومشارك فيها فإنّها تتأنسن فتكتسب ذواتا مستقلّة تطوّر الحبكة السردية.

    إن اعتماد الأشياء في الرواية بماهي ساردة تضيف إلى الرواية حيوية بنيوية من جهة وتساهم في بلورة الدلالة الكلية للرواية من أخرى. وتزعم هذه الورقة النقدية أن تتّبع كل ذلك فتركّز على الأشياء-الراوية وتسأل عن تموقعها من الشخصية الرئيسية ومن السرد عموما وتبحث في أهمية "فانتازيتها" داخل متن الرواية. وتربطها بغيرها من الفصول كلّما دعت الحاجة المنهجية والدلالية إلى ذلك:

السدرة الملّاسية

تقف السدرة شاهدة على حدث موت الأم. إنه الحدث الرئيسي في هذا الفصل الذي هزّ كيان الطفل غريب ويكتشف القارئ تأثيره فيه في باقي فصول الرواية. تستغل المؤلفة طبيعة السدرة المتميزة بالامتداد رأسيا وأفقيا لتتولّى مهمة السرد فالشخصية تظهر تحتها وهي المطلة على البيت من النافذة مما يجعلها تراقب أفعال الشخصيات وتصف أفعالها بكل تفصيل " أخذ نبقة وحاول أن يدسّها في فمها.... همّت (امرأة من الحاضرات) بالأصهب تزيحه عن أمّه وتضمّه إليها وتلتقط ما اجتمع في يده". ونتبيّن من خلال سردها أنها الوحيدة غير المشاركة في الأحداث لذلك تكون هي الأوْلى في نقل الوقائع بكل اتّزان وتؤدة خاصة وأنّ حدث الموت مصاب جلل يتطلّب نقله بصدق وأمانة الكثيرَ من التعقّل وعدم التذبذب في السلوك والكلام رغم أنّ الراوية/ السدرة لا تخفي تعاطفها مع غريب وبالتالي بثّ مشاعرها الجيّاشة إلى القارئ بأن جعلت غريب مثلا هو الوحيد غير المدرك لحقيقة الموت. إنه يتحدث مع أمه كأنها نائمة في أمل طفولي ساذج " وسط وجوم النساء وإشفاقهن كان غريب في معيّة الجسد (جسد الأم) لا يدري أنّ الروح استكانت من آلامها تاركة حلاوة العالم وعرجت إلى الملكوت بغير رجعة" ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ حدث الموت لم يكن هو المسرود الأول في خطاب السدرة لكنّنا قدّمنا تحليله لأهمّيته في بناء خطابها وبقيّة تعرّجات كلامها ماهي إلا تمهيد للحديث عنه  فلقد بيّنت السدرة قبل ذلك بلوغها مرحلة من العمر " كنت حينها قد غادرت توا عودي الأخضر وصار لي جذع خشن متخشب " تكتسب من خلالها رجاحة العقل تجعلها تتحدث عن الموت وتتّعظ بالموت وتعظ به غيرها وتمدّ القارئ بنظرة بعض من الكائنات الحية إلى الموت فيرى الموت بعينٍ غير عين الإنسان. وقد يتفطّن إلى دورة الحياة التي ألمعت إليها الراوية من خلال تعاقب الموت والحياة واشتراك الإنسان والأشياء في ذلك فالحَمل الذي أودى بحياة الأم كان هو الحِمل الذي استثقلته السدرة حينها. الأولى ماتت به والثانية وهبت الحياة به لغيرها. فكان غريب يطعم من نبقها ملتذّا به فكأن لسان السدرة يخاطب الأم بأن ترتاح في قبرها لأنّ لغريب أمّا من الطبيعة ستكفل عيشه. إنها السدرة. وسيلاحظ القارئ حضور السدرة واقعا في الأحداث فيما بعد أو في أحلام غريب ذكرى من ذكريات الطفولة حتى بعد غرقه فموته.

وقت الكسل

تولّى مهمة السرد في هذا الفصل "يوم الأحد " وأعلن منذ البداية عن ذاته بحضور ضمير المتكلم "أنا" "أنا يوم الأحد بلغة أهل جزيرة أبي موسى أنا وقت العطلة الأسبوعية في شركة أكسيد الحديد يطلق أهل الجزيرة اسما آخر على التراب الأحمر يسمونه المغر كما أن لي اسما آخر أيضا يسميني ديفدسن وبقية الآسيويين على الجزيرة سنداي صار غريب يعرفني باسمي الأجنبي". يعرّف يومَ الأحد نفسه من خلال هذا الشاهد مجموعةٌ من الكيانات الإنسانية فهو يوم عادي عند بعضهم وهو يوم عطلة ولهوٍ عند آخرين وكأن الزمان لا يمكن أن يتحدد إلا من خلال رؤية الإنسان إليه فوجوده منشدّ إلى إحساس الإنسان به. ثم يختار الراوي دور المراقبة ويمعن في تفصيل أفعال من يراقبهم فيقسمهم إلى ثلاث مجموعات. تضم الأولى العمال المنغمسين في اللهو واللعب وتضم الثانية المهندس ديفدسون وإن شاركهم في بعض لهوهم فإنه انحاز عنهم طبقيا بأن كلّف بعضهم بغسل لباسه بماء حلو وأما الثالثة فمثّلتها شخصية غريب بانزوائه وحيدا يخط أسماء أفراد عائلته في إشارة إلى الحنين الذي يتّقد داخل نفسيته إلى الدفء العائلي المفقود. ولئن كانت أفعال العمال غريزية تنحو إلى اللعب واللهو فإن أفعال غريب تبدو في البداية عبثية على غير منهج مضبوط تُظهر قلقا ما " يمسك بيده عصا يحثو بها السيفة ويقلّب بها الأصداف الفارغة" لكن سرعان ما تتحول إلى فعل كتابة " وربما كتب بها (العصا) بعض الأحرف والكلمات كتب اسمه بأحرف عربية متفرقة (غ ر ي ب) كتب بمحاذاته اسم أبيه (ص ا ل ح) كتب بعدها اسم أخته (آ م ن ة) وصلت الأحرف حذاء قدميه امتلأ الفراغ بين يديه قام وكتب اسم أمه أعلى الحروف المتناثرة (س ه ي ل ة) " كل الكلمات المخطوطة أسماء لعائلته إنها العودة إلى الهوية الأولى. بحث في الجذور حيث الأصل. والإنسان دون أصل فاقد للتوازن شاعر بالتيه أبدا. ولكنّ غريبا رغم تيهه المتواصل كالطير يحنّ إلى الوكر الأول رغم إساءة أبيه إليه لذلك جاءت الأحرف مفكّكة تعبيرا عن تلك الإساءة أو ردّ فعل عليها. وبعد التركيز على أفعال غريب يشير الراوي إلى لقاء بينه وبين ديفدسن يتبادلان فيه التعارف من جديد عن طريق تعلّم لغة الآخر التي تلعب دور الوسيط في تمتين عرى الصداقة بينهما ناهيك عن أنّ وجود غريب بالقرب من ديفدسن ذكّره بابنه مما قدح شرارة الذكريات عنده فانبرى الراوي/ يوم الأحد يصف مشاعر الأبوّة الجيّاشة التي غمر به الإنجليزي غريبا " كأنّ أبوته القاصرة التي ما هنئ بها  غير ثلاث عشرة سنة عمر ابنه الغريق تجد الآن طريقها للنموّ والتمدّد من جديد ذلك الحزن الطافح المشوب بالحمرة يتحوّل الآن نهرا رقراقا يفيض على الضفاف ويغمر ذلك الفتى الأصهب طوعا أو عنوة"

أهل المقبرة

أضافت المقبرة إلى دورها الأصلي وهي أن تكون مكانا قد يؤطّر الأحداث دور الراوي فانتقلت من الجمود إلى الأنسنة وانتقلت معها الرواية من الواقعية إلى الفانتازية. بدأت المقبرة سردها بالتأكيد على اتّصافها بأهم صفة تميّز بها الإنسان وهي الكلام قالت " سأتحدث ولو على الورق" إعلان عن بداية السرد ودعوة للمتقبّل إلى الانتباه إلى خطاب هام تفصح عنه رغم أنّ الآخرين لا يعتنون به لأنهم لايرون إلا الجانب السطحي منها وصفة السطحي هنا تشمل المكان والفكر. فكأنّ المقبرة تتهم الإنسان بالتقصير في فهمه لما تحتويه المقبرة من أسرار وعِبر وتدعوه إلى تدبّر عالمها للاتّعاظ. ثم تنبري الراوية/ المقبرة تكشف ما في جوفها فإذا به عالم آخر يوازي العالم خارجها ولا يماهيه. إنّ الزمان فيها مثلا يتحدّد وفق المكان. زمان يسير خطّه رأسيا " البشر هنا يعيشون طبقات السابقون في الأسفل والمتأخرون هم الأقرب إلى السطح " يتقارب زمانان كانا في الحياة الدنيا متباعدين إذ نجد صيادا يتخاصم مع جندي برتغالي جاء قبله بأربعمائة عام. كما إنّ المقرة تحتوي الحقيقة الكاملة التي كانت مضللة خارجها فسردت قصة المرأة التي قتلت جنينها والناس يحسبونه سقط فاقتربت عظامه منها في حركة لا يدرك القارئ منها هل الجنين قد عفا عن أمه أم إنه يعمّق جراحها بتذكيرها بجريمتها. ولا بد من الانتباه أيضا في الفصل إلى انفتاحه على عالم الأسطورة فالنباتات في المقبرة أصلها إنسان تحوّل نباتا مثل شجرة السمر التي كان أصلها الأم والجنين وكذلك كان الجد القتيل أصلا لنبات الدفلة. والمقبرة في كل ذلك تنبّه الانسان الى وجود حقائق خارج تفكيره فليس هو الوحيد الذي يتميز برؤيته للعالم إنّ هنالك من يشاركه في ذلك.

مرآته

إنّ هذا الفصل هو الوحيد الذي يُفتح فيه السرد بعبارة واضحة " أخرجني من كيسه" كانت المرآة في وضعية لا تسمح لها بالسرد ثم انطلقت في ذلك لما وجدت الظروف ملائمة للرؤية كما اُختتم السرد بعبارة "أعادنا في كيسه" هنا ينتهي دور المرآة بماهي راوية وكل الأحداث التي تلي ذلك في بقية الفصل يتولى روايتها حسب اعتقادنا راوٍ خفي يقبع خارج الأحداث.

إنّنا سنتولى إذن تحليل النص الواقع بين هاتين العبارتين باعتبار أن الأحداث فيه مسرودة من طرف المرآة. إنّ المتأمّل في ذلك سيلحظ أنّ المرآة تبادلت المهام مع الإنسان إذ أوّلا قامت بمهمة السرد وثانيا أصبحت هي التي تتأمل الإنسان لا العكس. فالقارئ يتعرف على غريب من خلال قول المرآة ولا يراه في المرآة ذاتها والمرآة  في العادة تنقل إلينا نسخة موجودة في الواقع. إنها الوهم المقابل للأصل بينما تحوّلت في هذا الفصل إلى ناقلة للحقيقة كما هي بل إنها انغمست فيها فأوّلت ما يوجد وراء الحقيقة إذ بيّنت أنّ غريبا كانت له الرغبة في التسريع في علامات الكبر عنده وكأنه يستعجل الانتقال من الطفولة إلى الرجولة وما يحمله ذلك من دلالات إثبات لوجوده المهتزّ أصلا وتثبيتا لهويّته المفارقة لهوية أبيه الذي انفصل عنه فيصل به الأمر إلى البصق على صورته رفضا للذات الموجودة وبحثا عن أخرى منشودة تجعله أقل غرابة في محيطه. إنّه يرى نفسه من خلال المرآة لكنّ القارئ يراه بعين المرآة فهي تنقل صورة لغريب لا يعرفها القارئ وليست مجرد انعكاس لصورته.

ليت الفتى حجر

يعلن الحجر منذ البداية عن أنسنته بأن جعل لنفسه إحساسا يضاهي به إحساس الإنسان " كوني حجرا لم يمنع ذلك من تمكن الإحساس مني جرحتني سكين غريب في مواضع خمسة كان أوغرها في رسم اسم أمه" تعبير عن التألّم المادي رافقه تألم معنوي لما أحست به الشخصية من غرابة وحزن إذ ينقل لنا الحجر مدى الكآبة التي يعيشها غريب من خلال التسرب داخل الذات وكشف الحلم الذي يراوده والمتمثل في غرقه في البحر رغم محاولة أمه وأخته الفاشلة في إنقاذه ويكون ذلك استباقا للأحداث لأنّ القارئ سيكتشف في نهاية الرواية موت غريب غرقا. إنّ ما كان حلما في هذا الفصل يغدو حقيقة في نهاية الرواية. الحلم تحقق ولا يتحقق الحلم إلا للصالحين فالحجر يعتبر أنّ غريبا أحدهم. بل إنه ينصهر معه لتجاوز موقف المواساة إلى موقف الاشتراك في المأساة. تحوّل الحجر إلى الصدر الحنون الذي تتكئ عليه الشخصية تعويضا عن صدر الأم المفقود. كما عمّم الحجر المأساة لتكون شاهدا على تاريخ البشر من خلال تاريخ الحجر لذلك جيء بقصة الفتاة التي قتلها عشيقها بتهشيم رأسها على الحجر. إنّ تاريخ الحجر هو تاريخ المأساة ترافقه عبر الزمن وعكس ما يظن الإنسان أن الحجر صلب لا يلين أمام المآسي ولا ينفعل بها نجده يعبر عن مآسيه من خلال تاريخه المفعم بالألم واستعماله كلمات تدل على ذلك من قبيل (ألمي، الصهير، ارتطمت، لطمتني، اصطدمت بي.) في هذا الشاهد الذي يسرد فيه تاريخه " لم تكن السكين ألمي الأول فقد خبرته بادئ الأمر في ذلك التحول من الصهير المتدفق من باطن الأرض حينما ارتطمت بالماء ثم تعاقبت عليّ الدنيا لطمتني الأمواج بعدها دهورا واعتمل فيّ الملح حتى أكل مني أكثر مما ترك واصطدمت بي السفن ردحا من الزمن"

خشبة

يفتتح المركب سرده للأحداث بالإعلان عن نفسه في خضم جنسه فيبرز ضمير المتكلم الجمع "نحن" لافتة تشير إلى تعميم الخطاب على بني الجنس فما يجري على المركب الواحد يجري على بقية المراكب. هكذا يكون الخطاب أكثر مصداقية ويتحول المركب من وحشة السفر إلى ألفة التموقع النوعي. " قدرنا نحن المراكب التطواف بالأحمال بين بنادر ولجج تحت شمس لا تعير لتغيير الفصول اهتماما تظل مسترسلة في صبّ حرورها هلّ نجم سهيل منذ شهرين ولكن الظهيرة هي الظهيرة ربما اعترتها بعض النسائم في حركتها تعوّل في تبدّل الفصول على الليالي أكثر من النهارات فنشعر أنّ للتغيير معنى " مهمة السفر دائمة عند المراكب لا خيار لها في تغييرها بل إنها صنعت لذلك فالقدر هو من تحكّم في مصير المراكب أو ما عبّر عليه المركب ذاته بالمصنوعين عند محاولته المقارنة بين الإنسان وما يصنعه إذ أشار إلى أنّ الإنسان له كامل القدرة والإرادة لتغيير مصيره لذلك فهو محكوم بفعل الاختيار أما " المصنوعون" فإنهم عاجزون عن تغيير قدرهم. هكذا أقام المركب مقابلة بين الإنسان وغيره ليستغل ذلك في تقسيم بني البشر طبقات ملمّحا إلى أنّ انتماء الفرد إلى طبقة بعينها ليس قدرا محتوما عليه بقدر ما هو اجتهاد منه ومدى سعيه لذلك. لقد قسّم مجموعة الركاب إلى موسورين تفرّدوا بالنصيب الأرفه من أشياء المركب ليستغلوها في تظليل أنفسهم عن الشمس وبالتالي السفر في رفاهية وراحة لا يشعرون خلاله بكدر. أمّا المجموعة الأخرى التي سمّاها المعدمون (ومن بينها غريب) فهم في العراء تلفح وجوههم أشعة الشمس يتصارعون على الظل الطبيعي أو يستغلون ماء البحر للتبريد مع تحمّل آثاره الجانبية. إنّ هذا التقسيم للجنس البشري كان من وجهة نظر المركب. إنّ الأشياء تنظر إلى زوايا الحياة الإنسانية في نقد للمجتمع المبني على طبقات متفاوتة فرغم أن المكان واحد: المركب والمصير واحد وهو نقطة انتهاء الرحلة فإنّ الاختلاف حاصل بين بني البشر وقد يكون اختلافا إيجابيا يدفع الإنسان إلى التطور وقد يكون سلبيا فيخلص إلى الصراعات والحروب.

كما إنّ قارئ هذا الفصل يلحظ بيسر أنسنة المركب من خلال إحساسه بالزمان والمكان. أما فيما يخص المكان فهو شاعر بالتحول بين الليل والنهار وما يجب أن يكون في أحدهما وكيفية التعامل معه لمواجهة مخاطر والوصول إلى بر الأمان وأما فيما يخص المكان فإنّ المركب يستعرض سلطته المعرفية عن البحر فيدرك نواياه ويتسلّل إلى بواطن تفكير البحر ليستطيع التعامل معه من خلال اختيار مكان الرسوّ دون الاقتراب إلى الشاطئ كثيرا ودون الابتعاد عنه.

الفونوغراف

يعلن الفونوغراف عن نفسه راويا للأحداث واعيا بما يفعل فيشير إلى أنّ وظيفته هي الشهادة على ما سيحدث ومن خلال هذا الفعل " وكأني أتـيت لأشهد ما سيحدث" يوجه الراوي خطابه إلى المستقبل وينبئ بما يدور فيه من أفعال سمتها الصراع. فالشهادة عادة ما تكون مطلوبة بين شخصين في حالة صراع وهو ما حدث فعلا فغريب في هذا الفصل يدخل للمرة الثانية في حياته في صراع مع والده وكان السبب في هذه المرة الأخ الأصغر الذي آثر العمل في الدكان عن الدراسة بما أنّ أباه ملّكه إياه في غفلة من غريب. خلاف أدّى إلى شجار فانتهى بطرد غريب مرة أخرى من الحضن العائلي رغم التضحيات التي قدّمها من أجلها إنه من أعاد الحياة إلى دكان أبيه بعد احتراقه لكن في المقابل احترق هو من داخله بأن وجد نفسه لا يملك شيئا إذ إنّ الأب اختار أن يكتب الدكان باسم ابنه الأصغر. وإضافة إلى دوره الاقتصادي فإنّ الدكان يلعب دورا هوويا فكأنّه امتداد للأب وتجذير له بعد رحيله عن الدنيا. اعتراف من الأب أنّ من سيخلفه اسما ومكانة هو عبد الله الابن الصغير أما غريب فسيكون غريبا دون منبع يرجع إليه.  كل ذلك كان أمام نظر الفونوغراف شاهدٍ يبدو محايدا وفي حياده خدمة للسرد وتوجيه للقارئ حتى يتّخذ موقف التعاطف مع غريب. لكن هذا الحياد كان في الظاهر فقط فالفونوغراف ولئن ربطته بغريب علاقة وئام بما أنه هدية من صديقه ديفدسن فإنّ موقف الأب صالح منه كان متوتّرا وصل إلى حدّ تحريمه لذلك ارتأى الفونوغراف أن يكون في صفّ غريب فلبس في الظاهر لبوس الحياد وأوهم المتقبل بمصداقية إخباره عن الأحداث وواقعيتها وأن ما كان قد جرى حقا.

لاندروفر

لم تعرّف لاندروفر بنفسها وإنما انغمست في السرد مباشرة بجملة عربية معتّقة " العمر عفار من عدو" تحث على الهروب مما يمكن أن يقلق الذات والعفار هو الغبار الناجم عن سرعة الهروب والنجاة ولكن العفار عند اللاندروفر لا يتوقف لأنها دائمة الهروب في حركة عبثية لا تتوقف جيئة وذهابا بين مدينتين أو أكثر. تناولت السفر من جانبه السلبي فإذا كان الشيء يعافه بهذه الطريقة فما بال الإنسان إذن. توحّد بين الشيء والإنسان " أرتجّ بالقدر الذي يجعل الأحزان تتخثّر في الجوف وتطفو تمثل للعيان مهما استمات المرء في الاستتار كشجرة تختض فتطفو قطع الدسم على سطح اللبن" فلا يدرك القارئ عن أيّ أحزان تتحدث اللاندروفر هل أحزانها أم أحزان راكبيها فتكون بذلك الإشارة واضحة إلى الحالة النفسية التي تمر بها الشخصية الرئيسية بعد هروبها من العائلة نحو مصير مجهول بزاد قليل وأمانٍ مفقودة. حالة من الاكتئاب أدت بها إلى فعلين فيهما إلقاء ما بالداخل إلى الخارج الأول تقيّؤ علّه رمز لنسيان الماضي والثاني تجربة في الجنس قرفها غالب على لذّتها. هكذا يحاول غريب عبثا نسيان الماضي وبُرءا من حروق معنوية لذعته. هذه الحروق ذكّرت اللاندروفر بما هي راوية في حروق الاب عندما نقلته سيارة أخرى إلى المستشفى. كلاهما (الأب والابن) محترق والفارق الوحيد كامن في نوعية الحروق بين الجسدية والمعنوية.

737

تفتتح طائرة البوينج 737 سردها بخطاب حجاجيّ تدافع به عن ذاتها وما يماثلها من صنفها إذ تقول " رغم ما يشاع عن المشاكل الفنية في محركات وبرامج تشغيل الطائرات في الفئة التي أنتمي إليها إلا أنني سأثبت لكم في هذه الرحلة ما ينفي كل ذلك" ينبني هذا الشاهد على الاستدراك وبالتالي نلحظ خطابين الأول يشير إلى المشاكل الفنية لهذا النوع من الطائرات يفنّده الخطاب الثاني المنافح عن أهلية تلك الطائرات وينحاز صاحب الأطروحة طبعا إلى ذاته منذ البداية بوصف الخطاب المناوئ بكونه إشاعات. ويبقى السؤال لماذا البدء بهذا الخطاب الحجاجي المتعلّق بقدرة الراوية على الطيران. القارئ الحصيف يتفطّن إلى وجود أمر ما وراء إدراجه وتثبت له النهاية ذلك فهي تؤكد سقوط الطائرة في البحر فكأنّ الطائرة منذ البداية تبعد عن ذاتها مسؤولية السقوط ميكانيكيا وهو ما تثبته الأخبار الصحفية التي أشارت إلى أن سقوط الطائرة كان بفعل قنبلة. هكذا إذن اختارت الراوية هذا الخطاب الحجاجي لتنتقل في ما بعد إلى الاهتمام بصفاتها الميكانيكية المتطوّرة واصفة نفسها بأنها وعاء لتسجيل حالات الإنسان المختلفة" لو قدّر لكم الاطلاع على صندوقي المنيع لغمرتم بسيل الوجوه المسجلة تتفاوت التعابير من ابتسامات وقهقهات إلى نوبات ضحك هستيري أما الأحزان التي شهدتها فلا أستطيع تذكّرها كلّها" تدرك عن قرب ما لا يدركه الإنسان عن ذاته فيصبح مفضوحا أمام الشيء الذي يتعامل معه عكس ما يعتبر الإنسان نفسه من كونه مطّلعا على الأشياء مكتشفا لها عليما بأسرارها.

ثم تعرج إلى الحديث عن الشخصية الرئيسية فتبيّن توتّر غريب رغم شخصيته الهادئة المعروف بها سابقا وتمعن في وصفه مركزة على تضييعه لحافظة أوراقه الشخصية. إنه مفهوم الهوية يعود من جديد إلى الأحداث فيصبح حالة مرضية عند غريب يضطرب بسرعة كلما شعر بفقدان محفظته. هذا الاضطراب يسهم أيضا في تطور حركة السرد إذ أدرك القارئ أنه استباق للحادث في نهاية الرواية.

ونستخلص من كل ما رأينا أنه بتحليلنا للفانتازيا من خلال الرواة نتبيّن أنّ رواية ما بعد الحداثة لا تقرأ قراءة سطحية واحدة، بل تحتاج إلى إعادة القراءة لفكّ شفراتها نظرا للتعقيد

الناتج عن تشظّي السرد وتعدّد مساراته، ما يجعل القارئ مشاركًا في بناء المعنى. فتتحوّل الرواية من فضاء إملائي إلى فضاء حواري مفتوح ويمكن أن نسجل النتائج التالية:

1/ ترتكز الرواية على تعدّد الأصوات بل تتجاوز ذلك إلى جعل تلك الأصوات تنتمي إلى عالم خارج الإنسان فتتحقق أنسنة الأشياء ممّا يقوّي حضور الفانتازيا داخل الرواية

2/ الاعتماد على الأشياء والزمان والمكان في سرد الأحداث توسّع أفق القارئ تأويليا وتبقيه قريبا من الواقع لأنها تعالج قضايا واقعية مثل الهوية والعمل والحب

3/ تخلّت الأشياء في رواية سنوات المغر عن دورها الديكوري لتضحى شاهدا حيّا على الأحداث أكثر صدقا في الكثير من الأحيان من الإنسان فالمقبرة مثلا تكشف حقائق مخفية وتحولت المرآة من دور الانعكاس إلى دور التأويل

4/ عبر وجهة نظر ما هو غير إنساني لعالم الإنسان يتعرّى الغلاف الأخلاقي للإنسان فتصبح أمراضه واضحة من بينها التفاوت الطبقي والظلم وانحياز الآباء لأبناء دون آخرين

  5/ تتماهى الأشياء في كثير من الأحيان مع الإنسان فتتألم لألمه وتحزن لحزنه مما يرمز إلى أن المأساة قدر مشترك بين الإنسان والعالم

6/ تفكّك رواية سنوات المغر مركزية الإنسان من خلال تقنية تعدد الأصوات فلم يعد هو الوحيد الحامل للحقيقة والمدرك لها

7/ لئن اشترك الرواة في كثير من الوظائف الدلالية في الرواية فإن كل واحد فيهم اختص بدلالة

   

الراوي

الوظيفة الدلالية في النص

السدرة

شاهدة على الموت، تمثل "الأم البديلة" من الطبيعة.

يوم الأحد

يبرز تباين الطبقات الاجتماعية والحنين للجذور.

المقبرة

كشف الحقائق المخفية وكسر حاجز الزمان (الواقعية السحرية).

المرآة

مراقبة رغبة الشخصية في القفز فوق الطفولة لإثبات الذات.

الحجر

الصدر الحنون البديل، والشاهد على تاريخ المآسي البشرية.

المركب

تعرية الفوارق الطبقية بين (الموسورين) و(المعدمين).

الطائرة 737

خطاب حجاجي يدافع عن "الآلة" ويراقب اضطراب الهوية.








 


 

 



   

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم