يحكي الروائي الياباني كنزابورو أوي الحائز جائزة نوبل للآداب سنة 1994 في روايته "اقتلعوا البراعم، اقتلوا الأولاد" حكايات مجموعة من الفتيان المراهقين من فتيان إصلاحية في منطقة قصية تم إجلاؤهم في زمن الحرب إلى قرية جبلية نائية ليتعرّضوا للنبذ والإقصاء والتهميش في أعقاب انتشار وباء الطاعون، ويصور المآسي التي يتعرضون لها وكيف أنّ الحياة تقسو عليهم بشدّة وتنضجهم قبل أوانهم، في إشارة إلى القهر الذي يمارسه الناضجون عليهم والإهمال الذي يعاملونهم به.

يصف كنزابورو أوي في روايته (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ترجمة ديمتري أفييرينوس 2022) الزمن حينها بـأنّه كان زمن قتل. ويضيف بأنّه كانت الحرب، وكأنها طوفان طويل، قد أرسلت جنونها العميم فطفح على تلافيف مشاعر الناس، وتسرّب إلى كلّ تجويف من تجاويف أجسادهم حتى آخرها، في الغابات والشوارع، وصولًا إلى السماء. ويصف أنّه في معظم الأيام كانت النيران من الغارات الجوّية تشعل السماء فوق البلدة أو تلطّخها بدخان داكن.

يشير كنزابورو أوي إلى أنّه في ذلك الوقت، حين يفقد الراشدون صوابهم ويطلقون العنان لجنونهم في الشوارع، تكفي الإشارة إلى هوسٍ غريبٍ بحبس أولئك الذين ارتكبوا جُنَحًا تافهة، بمن فيهم مَن يُقدَّر بأنهم أصحاب ميول إجرامية.⁠

يصوّر كيف أنّه مع اشتداد الغارات الجوية، ومع بدء ظهور أعراض استفحال الداء، بدأ أهالي نزلاء الإصلاحية باسترجاعهم، لكنّ أكثرهم لم يأتِ لاصطحاب أولادهم السيّئين المزعجين. لذا فإن المأمورين، وقد استحوذ عليهم الإصرار على التمسُّك بغنائمهم، خطّطوا لعملية إجلاء جماعي للأولاد.⁠

ظلم مركّب:

يطرح الروائي إشكالية الظلم المركّب الذي كان يقع على عاتق الفتيان في الإصلاحية، وواقع أنهم كلّما قاموا بمحاولاتهم المتكرّرة للفرار، كان يقبض عليهم من جديد كبارٌ معادون في القرى والأحراش والأنهار والحقول ويعيدونهم أقرب إلى الموت منهم إلى الحياة.

يحكي الكاتب أنّه في أجواء الحرب المحتدمة عمل كبار مستغلّون على تشغيل الفتيان في بعض الأعمال، وهُدّدوا بأنّ كلَّ مَن يُقبض عليه وهو يسرق، أو يوقد نارًا، أو يشاغب، سوف ينهال عليه القرويون بالضرب حتى الموت. وقيل لهم بأنّهم يجب ألا ينسوا بأنهم هناك مجرَّد حشرات، وأنّه مع ذلك، سوف يتمّ إيواؤهم وإطعامهم. وعليهم أن يتذكروا دومًا أنهم ليسوا في تلك القرية سوى حشرات لا نفع منها.‏

يرسم مشاهد للعنف الذي كان مستشرياً ومتفشّياً، حيث العنف يتحوّل إلى وباء، أو يتسبّب به، ويقال إنه إذا كان الأمر وباءً، عليهم أن يضعوا الموبوئين في مستشفى للحجر الصحي. كما يقال إنّه سيكون الأمر فظيعاً حين يأخذ بالانتشار، وإنه سوف يقتل الجميع. ويكون الردّ من بعضهم بأنه ليس هناك مستشفى للحجر الصحي، ليس عندهم هذا الصنف من الأشياء، ويلحّ آخر بأنّه عندما يتفشّى الوباء في القرية بأسرها، لن يكون هناك أي مهرب من المواجهة والحجر، وإنه سوف تفرُّ القرية برمَّتها.

يستذكر الراوي أوقاتاً سابقة تفشّت فيها أوبئة، يقول إنّه حين تفشّى الكوليرا، مكث الناس في قريتهم مدة ثلاثة أشهر، وتراه يقول إنه قبل عشرين سنة، في غياهب التاريخ، كان القرويون قد لاذوا بالفرار، متخلّين عن الضحايا المتألّمين المتأوّهين، وذاك الناجي، القريب منه بما يكفي لشمّ رائحة جسمه، يكلّمه.‏

يوغل الروائي في الوصف بطريقة مميّزة ويروي كيف أنّه في ضوء القمر الرمادي الكامد المائل إلى الزرقة، كانت هيئاتٌ شبحيّة تتقدّم في السير ببطء، منحنيةً تحت عبء الأمتعة الثقيلة على ظهورها. كان الأطفال والنساء والشيوخ، ناهيك بالرجال الراشدين، يحملون على ظهورهم رزم الأمتعة ويمسكون صررًا بأيديهم. تلاهم صوت العربات ذوات الدولابين تسحق الحجارة، والماعز والمواشي تسحبها النسوة. كان ضوء القمر يضفي على وبر ظهور الماعز الناتئة الخشن الأبيض مسحةً من اللمعان الرطب، تاركًا أثرًا مماثلًا على رؤوس الأطفال.⁠‫

يواصل وصفه ويصوّر أنّه كان الحشد يصعد الطريق كتلةً واحدة، ورجلان مسلَّحان ببندقيتين يتبعانه في المؤخرة، لتأمين الحماية على الأرجح، لكنّ الأمر بدا وكأنهما يقودان القرويين كالرعاة نحو وجهة مجهولة، بما يشبه اقتياد المواشي إلى المسلخ. سار القرويون بخطًى متثاقلة في صمت مطبق، مَحْنيي الظهور. وبعد نزوحهم، بدا الطريق والبيوت الصغيرة على امتداده رهيبة الخواء في ضوء القمر.‏

يصل الفتى الراوي إلى لحظة إنهاك من واقع الأسى والقهر، يقول إنّه وجد نفسه منهكًا ومهزومًا، ووحيداً تمامًا. رفع يديه عن شقيقه الذي ظنّ أنّه مات، واحتضن ركبتيه خافضًا رأسه. كان المعطف الذي يغطيه قد احتفظ برائحة الجثة، تاركًا لديه انطباعًا مبهمًا عائمًا. فكّر بكل ما أوتي من قوّة بغسل المعطف في النهر حين يأتي الفجر وبتجفيفه في ريح جنوبية. كان في حاجة إلى التفكير في أمر ما بكل ما أوتي من قوة. لم يشأ أن يفكر بأنّه متروك.‏

العزلة التي تفرض على الفتيان في القرية تجعل منهم موبوئين وإن لم يكونوا كذلك، تراهم يبقون بعيدين عن الاختلاط بالآخرين، يتمّ استخدامهم فقط من دون دمجهم مع غيرهم، وهنا يصف الراوي أحواله وأحوال رفاقه بأنه كان في نظرهم كل شيء في مثل برودة العصيدة وقوامها، يرفض الذوبان برفق. ويضيف بأنّه فكر، وهو يجري عائدًا إلى رفاقه، كم الطريق بعيدة حقًّا عن الرقّة والدفء، ومثلها الأشجار عديمة الأوراق، ومبنى المدرسة، ورفاقه المقرفصون، الجاثمون كالبهائم.‏

يلفت الراوي كذلك إلى أنهم في تلك الأوقات كانوا ساخطين من مماطلة الوقت العنيدة ومن الصمت المغلّف للوادي، فبدؤوا يشعرون بالتعب، وكانوا يتوقعون أمرًا ما. كلُّ ما من شأنه أن يرمّم سلامتهم وعنفوانهم كان مرحَّبًا به، بما في ذلك عودة القرويين حتى. كانوا قد اقتحموا بيوتهم ونهبوها واحتلوا أماكن معيشتهم، لكنهم ما عادوا يعرفون أصلًا إن كانوا يكرهون أولئك الذين تخلوا عنهم أم لا.‏

يكتسب الفتيان خبرة الكبار في الحروب، يتحملون مسؤوليات جساماً، ذلك أنّهم من الخبرة التي اكتسبوها حين دفنوا جيف الكلاب والقطط والجرذان وغيرها، كانوا يعلمون أن عليهم جعل الحفرة ذات عرض وعمق لا يستهان بهما لدفن جثمان بشري. لذا بعدما وضعوا جثة على الأرض، ملفوفةً بالبطانية بإحكام، هرعوا لمساعدة بعضهم بعضاً.

وباء مرعب:

يشدّد الروائي كنزابورو أوي على لسان راويه أنّه درج اليابانيون الأقدمون، وقد روَّعتهم فكرة بعث أمواتهم إلى الحياة، على طيّ أطراف الجثث وتكديس ألواح حجرية هائلة الوزن فوق قبورهم. حيث يقول الراوي نحن أيضاً دسنا على التراب لتسويته بأقدام دبَّت فيها القوة خشية أن يقوم صديقنا، الذي كان رفيقًا لنا ذات يوم، حيًّا من تحت التراب ويثور هائجاً في القرية التي تُرِك فيها الأطفال وحدهم معزولين.

لا يغلق كنزابورو أوي باب الأمل نهائياً، بل تراه يشير إلى أنّه حينها كان في الخارج، ثمّة فجر جديد كلّ الجِدَّة، نقيٌ كلّ النقاء. كان الثلج قد تكدَّس وغطّى الأرض، مُسْبِغاً على الأشجار منحنيات ملساء أشبه بأكتاف الوحوش، وكان يشعّ ألقًا شاسعًا. غير أنّ طبقات الثلج الكثيفة كانت تمتصُّ كلّ صوتٍ آخر. وكان بطله وحده تمامًا في عالم واسع، وكان الحب قد وُلِدَ لتوهّه. تأوَّه من فرط اللّذة وترجّح ذهابًا وإيابًا. ثم، مثل عملاق مبتهج، خرّ على ركبة واحدة، عاضًّا شفتيه، وبعينين مغرورقتين بالدمع، حدَّق إلى الثلج في الخارج.

يبدأ الفرح بالتسلل إلى نفوس الفتيان المعزولين الذين يواجهون قسوة العالم وحدهم، يبتهجون حتى يكادون ينذهلون عن أنفسهم وهم يصنعون مصائد على غرار مصيدة فتى معهم، ويتمكن شقيق الراوي من الظفر بطريدته، ومن ثمّ تصير تلك الفريسة في الحال بؤرة إعجاب كلّ صياد وحسده.

يعود الوباء ليلقي بظلاله على القرية، يكون التوصيف قاسياً، حين تسمع كلمة الطاعون تتناهب الخشية الجميع. يحكي كنزابورو أوي كيف أنّ كلمة ⁠‫‏طاعون نشرت من فورها فروعها وأوراقها وجذورها، بالطول وبالعرض، في أنحاء القرية كلّها، عاصفةً كالزوبعة بكل شيء، ساحقة في طريقها الجميع، خرجتْ من حلق أحدهم صياحًا، وصارت للمرة الأولى واقعًا محسوسًا في تلك القرية حيث تُرك أولادٌ وحدهم. شعر بها الراوي تهيّج الفتية الجالسين حول النار، متسبّبة في ذعر مفاجئ.‏

يمضي الراوي للقول إنّه سار وهو يعوي كالوحوش، ذارفاً دموعه على الثلج. كان الماء القذر المتسرّب عبر نعلَي حذائه المهترئ المتشقّقَين ينقع أصابع رجليه المتقرّحتَين من فرط البرد والرطوبة ويثير فيها حِكَّة ملحَّة للغاية، لكنه استمات في غرز حذائي في الثلج حتى الكاحلين، عازفًا عن الإتيان بأيّ محاولة لمدّ يديه إلى أسفل وحكّها. فلو انحنى لما أمكنه قط أن يستقيم منتصبًا ويأخذ في السير مجددًا.‏ ثم تراه يقول إنه جثا على الثلج وبدأ يجمع منه بأصابع متجمّدة، مخدَّرة. كان شقيقه قد تخلَّى عنه، وحبيبته الأولى تلفظ أنفاسًا لاهثة. شعر بالوباء يُغرِق القرية بقوة رهيبة كالوابل، فيقبض عليه، ويطفح حواليهم، ويتركهم غير قادرين على تحريك ساكن. كان في طريق مسدودة، وكل ما كان بوسعي أن أفعله هو الانحناء على الأرض في طريق ليلية حالكة وجمع الثلج القذر، وهو ينشج.‏

يكون انتشار الوباء قاسياً، إذ يظهر قوَّته البهيمية، يُعمِل في الأطفال المتروكين قهرًا وسَحقًا. كان الفجر كالحًا، ومن الصباح إلى وضح النهار كانت القرية في الوادي قاتمة، ختم عليها ضبابٌ داكن. أذابت الشمس التي اخترقت طبقة الهواء شبه الشفاف الكثيفة الثلج الوسخ الذي تحوّل إلى مستنقعٍ موحِل. يعزل الفتيان في كوخ بائس. يقول أحدهم يائساً متأسّفاً على حالة الاحتراب التي سادت حينها بين اليابانيين أنفسهم: «إنهم يقتتلون، لقد خبَّأناه، لكنّ اليابانيين يقتلون بعضهم بعضًا. الشرطة العسكرية ورجال الدرك والفلاحون المسلَّحون برماح الخيزران؛ رهط من القوم يطاردون مَن فرَّ منهم إلى الجبال ويطعنونهم حتى الموت. لست أفهم ما يفعلون!».‏

يروي كنزابورو أوي أنّ بطله الذي كان على وشك أن يُطرَد من محبسه، من الطريق المسدود الموصد دونه، لكنّه في الخارج سيكون حبيسًا أيضًا، لن يتمكَّن من النجاة بنفسه أبدًا. في الخارج، كما في الداخل، كانت أصابع غليظة وأذرع خشنة تنتظر في صبر أن تهرسه وتخنقه.‏ لكنه ما كان يدري ماذا يفعل للنجاة عبر الغابة الليلية، فارًّا من القرويين المتوحّشين، والخلاص بروحه. لم يكن يدري حتى إنْ كان سيقوى بعدُ على الجري مدّة أطول. يقول عنه إنّه كان مجرَّد طفل، منهَك، غاضب حتى الخبل، دامع، يرتعد من البرد والجوع. فجأةً، هبَّت ريحٌ، حاملةً صوت خطى القرويين تدنو وتدنو، فتطبق عليَه. نهض، مطبقًا على أسنانه، وارتمى في العتمة الحالكة بين الأشجار والأَجَمات الأحلك.⁠‫

تعريف بالمؤلف:

كاتب وروائي ياباني (1935 – 2023) حاز جائزة نوبل للآداب سنة 1994، وأعلن عندها اعتزاله ليعتني بابنه المريض، ومبرّراً بأن ابنه هو الذي سيتابع المسيرة من خلال مؤلفاته الموسيقية. يُعدّ أحد أبرز ممثلي جيل ما بعد الحرب في الأدب الياباني. ترجمت مؤلفاته إلى لغات عالمية عدّة. التحق أوي بجامعة طوكيو عام 1954، حيث درس الأدب الفرنسي وبدأ بكتابة المسرحيات. حظي بشهرة واسعة في الستينيات من القرن الماضي بعد نشره كتاب "ملاحظات عن هيروشيما".






0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم