بعض الروايات يجعلك تغوص في عالمه وتستكشف خباياه، وبعضها الآخر يحلق بك في آفاقٍ رحبة من الخيال سواء الفانتازي أو التاريخي، ولكن بعضًا آخر يجعلك تتلفت حولك، يستحضر بحكاياته وتفاصيله ذكرياتك وحكاياتك الشخصية، لا يجعلك تتعاطف مع أبطال حكايته فحسب، بل يجعل منهم جزءًا من روحك وكيانك، كأنهم أصدقاءك، فيستوقفك مع كل حركة وفكرة وإشارة لتقول حتى أنا مررت بمثل تلك التجارب، وحتى أنا حدث معي ذلك! 

ربما يكون استخدام تيار الوعي في الكتابة الروائية واحد من أسباب اندماج وتماهي القراء معها، ذلك أن القارئ يكون شريكًا لبطل الرواية وأفكاره وهواجسه، يرى العالم من خلاله ويتأثر به، وإذا كان الأمر كذلك في تيار الوعي، فإن استخدام تقنية "الرسائل" يقرّب تلك الأفكار والهواجس والانفعالات بشكل أكبر، ففي الرسالة يشعر القارئ بأن الحكاية موجهة إليه، حتى لو كان ثمة مرسل إليه حقيقي أو افتراضي، ولعل هذا أحد أسباب نجاح هذا النوع من الكتابة، بل وانتشار كتب "الرسائل الأدبية" سواء بين الكتاب أو حبيباتهم. 

في روايتها "أفلام الظهيرة" الصادرة مؤخرًا (2025) عن بيت الحكمة للثقافة، تستعين الروائية إنجي همّام بأكثر من تقنية وأسلوب سردي، لكي تورط القارئ في عالم روايتها وتجعله جزءًا من تفاصيل ذلك العالم الثري الجميل، منذ البداية بالتعرف على أقسام الرواية الثلاث (مكاتيب الرضا، ظل رجل، بورتيه ذاتي) ثم الجملة المقتبسة من هيرمان هيسه (العزلة تعني الحرية..) ليجد القارئ نفسه داخل حكاية البطلة وجد التي تبث أطرافًا منها لحبيبها "محمد" ومن خلالها نتعرّف على شخصياتها وعالمها شيئًا فشيئًا، فهي ـ كما ستبدو ـ ناقدة سينمائية تتنقل بين المدن وتشاهد الأفلام وتحكي له عن كل فيلم، يبدو في البداية أنها في رحلة سفر تحكي تفاصيلها حتى تعود، لكن القارئ يكتشف أنها تعود لكن الرسائل تتواصل، وفيها يبدو كل ما تفكّر فيه من علاقات بين الأفلام والأماكن والأشياء، والمقارنات التي تعقدها بين الأماكن على اختلافها وبين الماضي والحاضر، ندخل معها في تفاصيل علاقتها بالفن والحياة وذلك من خلال مونولوجات طويلة تعبّر فيها عمَّا تحبه وتفضله وتعبر عن ذلك بشكل مؤثر. 

محمد فوزي وزمن الفن الجميل

لا يقتصر حضور الزمن الجميل على لوحة الغلاف التي اختارها المصمم بعناية، من مشهد يبدو أساسيًا في وعي البطلة، حيث بدايات تعرفها على عالم السينما في صغرها، وهي الحكاية التي تحكي تفاصيلها لصديقتها في رسالة، حينما تذكر مشاهدتها لفيلم "حياة أو موت" وأثر تلك الفتاة التي تحمل زجاجة وتدور بها في شوارع القاهرة على أفكارها وتكوينها، ويبدو منها ذلك الحنين للزمن المؤثر تفاصيل حياتها بعد ذلك، بين أفلام ذلك الزمن الأبيض والأسود، وشخصياتها وأبطاله، تقول: 

(أمّا السينما فرأيتها على ركبتي "فافي" للمرة الأولى، عن يمين طاقم الاستقبال الصغير  بالطابق الأرضي، ثمة ستار أخضر زيتوني، لم أكن أعلم أن وراءه شيئًا، جذبته وهي تحملني على ذراعيها، ودخلت بي، شاشة كبيرة في غرفة مظلمة، كان يجب أن أخاف لكني لم أفعل، صمتُّ في صدرها وحسب، بعد ثوانٍ كنت أرى أبطالاً بحجم أهلي على تلك الشاشة، ليس أولئك المنمنمين في شاشة جدي الصغيرة أو شاشتنا الأكبر بقليل، كان فيلم أبيض وأسود، عماد حمدي ومديحة يسري، وطفلة صغيرة لم أعرف اسمها في ذلك الوقت، عرفت فيما بعد أنها ضحى أمير التي سأحب كل أفلام طفولتها، لم تكن هناك حكاية، طفلة صغيرة تجوب شوارع القاهرة فتجعلني أجوب معها، وقعت في غرام السينما وغرام السير، محبة الشوارع الفسيحة ووسائل المواصلات التي اختفت عندما جئت أنا لهذا العالم، ذلك التروماي العتيق وتلك البنايات الطيبة، وعشقت أطفال السينما في ذلك الوقت، عشت مغامراتهم جميعًا) 

بل يحضر ذلك الزمن في شخصية مهمة، حيث ترجئ  الكاتبة مفاجأة القارئ بمن هو "محمد" المخاطب في رسائل الجزء الأول حتى تتحول رسائلها إلى صديقتها ليلى، لنكتشف أنها تتحدث عن "محمد فوزي" الفنان الذي رحل عن عالمنا منذ سنوات، ولكنها لا ترى أي غضاضة في أن تكتب له تلك الرسائل، وتحبه، وتتبع خطواته وتحكي لصديقتها حكايته، وربما حينها ندرك لماذا كانت تشير إليه في الرسائل باعتباره "الحبيب الغائب" دائمًا، تستحضر في عدد من رسائلها أطرافًا من سيرة فوزي ومشواره الفني، من وجهة نظر محبة، بين أفلامه وتميزها وألحانه وأغانيه، وكيف كانت ترى فيه خير معبر عن ذلك الزمن وعن الجمال على الإطلاق، ما بين قصة حياة فوزي وأحلام البطلة التي ترسمها حوله باعتباره حبيب غائب، وبين تفاصيل حياة فوزي وما فيها من عقبات ومشكلات أفضت في النهاية إلى وفاته المأساوية يدور السرد من خلال الرسائل إلى صديقتها ليلى التي تعد بمثابة كاتمة أسرارها، حيث نتعرف من جهة أخرى على علاقتها المضطربة بزوجها حافظ، منذ بداية الزواج حتى اللحظة التي شعرت فيها أنها لا تحبه، بالإضافة إلى علاقتها بالصديق السوري ورد، ومشاركته بعد الأفكار الخاصة بعالم السينما والأفلام. 

ما بقي من الحكاية

هكذا تبدو الحكاية بين ما تبوح به لحبيب افتراضي في مكاتيب الرضا، وبين ما تحكيه لصديقتها في الجزء الثاني، لكن يبدو أن ثمة تفاصيل خاصة تحب أن تبثها إلى ابنتها فيكون الفصل/الجزء الثالث من الرواية بعنوان "بورتريه ذاتي"  تعود فيه للماضي لتحكي في رسائل خاصة لابنتها نهاوند (وتأمل الاسم) ما لم تذكره في الرسائل السابقة، للبدايات  

(حتى مع السياسة بدأت من الفن، كان لصيق عمري كاملاً، دعيني أعود للوراء قليلاً، لن أطيل، فقط لأخبرك أن كل شيء أصله الحلم، فتى أحلامي الأول كان "فهمي عبد الجواد" ومن بعده "علي طه" من السينما قبل القراءات، ثم توحدت معهما بعد سنواتٍ قليلة، صرت أنا فهمي وعلي، لم يعد يكفيني فيهما صورة المحبوب بل صورة نفسي، هكذا دخلت السياسة من بوابة نجيب محفوظ، وسينماه القديمة، مرتي الأولى أيضًا كانت بنقابة السينمائيين، في الجمعة بدأت الحديث بها، كانت انتفاضة متكررة في فلسطين والصدى بالقاهرة، كالمعتاد، فلسطين قضية عمري، لم يبدأ الأمر في ذلك الوقت، بل قبله بكثير، منذ كنت طفلة تشاهد أطفال الحجارة في مثل عمرها في نشرات الأخبار وعلى صفحات الجرائد، لازمتني القضية منذ طفولتي التي تمنيت فيها السفر إليهم والعمل على إنقاذهم..) 

هكذا تحضر السياسة بوجهها الكئيب حينًا والحزين أحيانًا في رسائلها فنجد حضور ثورة يناير 2011 مع صديقتها، ويأتي الحراك السياسي الذي سبق تلك الثورة في رسائلها مع ابنتها بشكل خاص، يمتلئ بالألم، حيث مظاهرات الصحفيين وما حدث للصحفيات بشكل خاص من إهانات، والإضرابات وما تلاها من تحولات، كل ذلك يبدو كنوع من التوثيق لتلك الفترة العصيبة من حياة البطلة من جهة وتبدو فيها راغبة من جهة أخرى في توعية ابنتها بشكل مباشر.  

في النهاية استطاعت إنجي همام أن تغوص بنا بين ذكريات بطلة روايتها ومواقفها من الحياة وتفاصيلها، بين السينما والأغاني، بين الأدب والكتابة التي تؤكد بين كل فقرة وكل رسالة كيف تعتبرها حياة خاصة جدًا، كما تمكنت من الاستفادة بمحتوى العديد من الأفلام والمشاهدات السينمائية المختلفة لترسم صورة شديدة الجمال لبطلتها وجد وعالمها، وتبقى تلك الرسائل بمثابة طريقتها المثالية للبوح ولخلق الحياة التي تود أن تعيشها، وتنتقل فيها بين الماضي والحاضر، وتؤسس من خلالها حياة أخرى أكثر جمالاً، رغم ما فيها من آلام ومنغصات.  

تجدر الإشارة إلى أن إنجي همام روائية وناقدة، حصلت على دبلوم النقد السينمائي، وعملت بالصحافة الثقافية، أسست "المركز العربي للثقافة والفنون" عام 2009، مارست العديد من الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية وورش العمل للأطفال والشباب. صدر لها ثلاث روايات منهم "بالقرب من الحياة" و"في الليل على فراشي" وغيرها.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم