أبو حامد الغَزَّالي... الغَوْص السَّرديّ في رِّواية (الغَوَّاص) لريم بسيوني
الرواية والتاريخ:
لاتزال الروائية المصرية الدكتورة ريم بسيوني أستاذة اللغويات بالجامعة الأميركية توغل في عالم التراث والفكر الصوفي برؤيتها السردية ونزعها التاريخي في الكتابة عن شخصيات وأحداث تاريخية سمَّت انتاجها السردي الروائي مؤخرا. وظلت الحقب التاريخية وشخصياتها الجدليِّة تتجلى في عوالمها الروائية بما تضفيه عليها من رؤية تنزعها من سيِّاق التاريخ إلى فضاء السرد المطلق بكل ما يتطلبه من كتابة مستوثقة من أدواتها التحليلية وقدرتها التعبيرية في سياق سردي. وهذا الملحمة السردية التاريخية التي تعددت فيها الاعمال المنجزة وأوصلتها إلى أن تكون من أبرز الأصوات الروائية التاريخية في مُدونة الرواية العربية المعاصرة. وما حققته من جوائز نظير هذه الأعمال تؤكد على تميِّز في الكتابة والبحث في طبقات التاريخ وتفاصيله مدفوعة بشغف تاريخي طموح.
ومع أن، هذا الاتجاه في الخطاب التاريخي الروائي العربي قد هيمَّن على الرواية العربية مؤخرا مع تفاوت في المستوى الفني (الروائي) والأداء السردي بما يفضي إلى استعادة الماضي في شخصياته ممثلة روائيًا. فإذا كان التاريخ بإشكالاته الدينية والتأريخية قد استهوى الرواية العربية كما لو كان انسحاباً من الحاضر وتحدياته الماثلة، والاستغراق في التاريخ وإيحاءاته الجمالية والفنية وتفعيلها بالتالي في متون السرد العربي مجسداً في الشكل الكتابي الروائي المعاصر للرواية؛ أو للدقة الرواية الغربية.
وعلى الرغم من أن جدل الروايات التاريخية وإعادة تحريكها درامياً أو سردياً في أفق الحاضر؛ لم يكن ليخلو نص روائي تاريخي منذ روايات جورجي زيدان في بدايات القرن العشرين إلى يوسف زيدان في القرن الحادي والعشرين. فهذه المنطقة تنطوي على حساسية عالية الوتيرة حادة المساس بين المحظورات الرمزية والدينية للشخصيات التاريخية أو إساءة الفهم بين كتابة التاريخ وإعادة تمثله سرديا، وهو ما يعرف في أدبيات الأدب بالرواية التاريخية Historical Fiction أختصَّ به طائفة من الروائيين وإن لم تكن جاذبته بذات التأثير في الرواية العالمية. وللترُاث العربي وتاريخيه إشكالاته المثيرة للخيِّال احداثاً وشخصيات ما يشد الروائي لخوض مغامرة استكشاف تلك المرحلة روائيا. فما الذي تبحث عنه ريم بسيوني خارج سيرة الغزالي المبثوثة في هذه الرواية عبر أحد وعشرين فصلاً تكوِّن هذه السردية الضخمة؟ أو كما يعتقد الروائي الأرجنتيني بأنه أحيانا الرِّواية المعاصرة تتطلب من خمسمائة إلى ستمائة صفحة لأن نعلم شخصية ما! وكل فصل من الرواية تضيئه اقتباسات الغزالي تمثلاً لأفكاره ومقولاته التي ارتبطت عملياً برؤيته وتجربته الروحية العميقة.
الرواية والشخصية:
شخصية أبو حامد الغزالي (حجة الإسلام) الذي عاش في القرن في القرن الخامس الهجري يعد من أكثر الشخصيات في تاريخ الفكر الإسلامي اسهاماً في الفقه الديني (حياء علوم الدين) والتصوف، وعلم الكلام وفلسفة الأخلاق وما اكتنف حياته من تقلبات من رحلة بحث روحية تأملية عميقة في الشَّك واليقين (المنقذ من الضلال)، ورحلة جغرافية بين حواضر العالم الإسلامي، وتصديه لما يعتبره البعض والفلسفة لهدم الفلسفة (تهافت الفلاسفة)، وكشف خبايا الباطنية (فضائح الباطنية) وغيرها من مؤلفات واتجاهات مذهبية ما بين تقليدية الفقه واتجاهه الاشعري، ومذهبه الشافعي. وشخصية بهذا التناقض أو التعدد في الشخصيات مثيرة في إعادة القراءة في التاريخ أو السرد بقدر اثارتها الفكرية والجدلية في أكثر من مسار مما يجعل الاقتراب منها يقتضي إلماما غزيراً بعدة علوم وخبرة روائية تُمكِّن من التوغل في التراث الديني التاريخي، وهو ما أنجزته الروائية. مستعينة ما أمكنها من أدوات تاريخية تحليلية متحققة من مصادرها المرجعية وتجربتها في كتابة الرواية التاريخية على نحو يطور أحداث التاريخ وشخصياته في اتصال سردي منطقي وإن خالطه الابداع الخيالي المطلوب.
ولعل في العنوان (الغواص... أبو حامد الغزالي) تكمن أهميته الأثر التاريخي بوصفه علامة نصية يمتد إلى النص الروائي مما يوضّح الصلة القائمة بين العنوان كنصّ يحتمل التناص وبنية الخطاب الروائي إلى حدِّ التطابق في القراءة. ولما كان في العنوان (المقدمة) مثلما النص اختزال لنصّ هائلٍ بما يتضمنه من مكونات الخطاب الروائي (الشخصيات، الأحداث، السرد، ...الخ).
في رواية (أبو حامد الغزالي، الغَوَّاص) للروائية ريِّم بسيوني وهي المرة الأولى التي تقترب من شخصية تاريخية على شاكلة الغزالي ما شكل خروجا من الفترة مصر الفاطمية في روايات (أولاد الناس، القطائع، الحلواني) إلى عمق التاريخ الاشكالي للفكر والدين ال كما في كتابها (البحث عن السعادة، رحلة في الفكر الصوفي واسرار اللغة). ثُمَّ إن قراءة الشخصية في الرواية تختلف عنها في بعدها التاريخي الواقعي، وهنا لابد للروائي أن يُفكِّك وينزع عنها ما أحاط بها من هالة ويحيلها إلى المختبر الإنساني بكل ابعادها الانفعالية والعاطفية بما يحلل في ضوء مفهوم التحليل النفسي Psychoanalysis ولكن بطريقة سردية تسمح لها بالتعبير عن الذَّات في قالب سردي يتجدَّدُ بفاعليِّة سردية تأخذ بالمعلومة التأريخية ومعالجتها روائياً في سياق آليات السّرد وشروطه التي تتقنها الروائية.
بعد نقدي:
والنقد الروائي في مقارباته التطبيقية والنظرية لا يماثل النقد التاريخي في بعده الفلسفي (فلسفة التاريخ) ولكن متى ما حقَّق النص الروائي شروطه الفنية والجمالية تدخل العملية التاريخية لا بوصفها أداة مساعدة في التقصي وبما تعنيه المقاربة التاريخية في بعدها الواقعي وليس المجازي كما في النص الروائي. والإشكال الذي يواجهه النقد في الشخصية الروائية Fictional Character التاريخية عادة ما يقترن بموضع الشخصية وتموقها داخل السياق الروائي للأحداث وقدرة الكاتب على تجسيد ورسم ملامحها بما تنطوي عليها من مؤثرات جاذبة للنص، وموغلة في تفاصيلها كشخصية تؤثر في الأحداث بارزة بملامحها الإنسانية بقدر تأثيرها الانطولوجي لشخصية الغزالي في تاريخ التصُّوف بأحوالها في اعترافات (المنقذ من الضلال) بحثاً عن اليقين.
وجاءت شخصية الغزالي في بنية سردية (قوالب) تشكيلية تنطوي على ترجمة شخصية لسيرته Biography وهو من الشخصيات التي تُرجَّم لها على ضوء تأثيره وتبحره العلمي الواسع كما في معهود ترجمات السير لشخصية الغَّزالي في منظومة المؤلفات الدينية كما في تاريخ ابن كثير وطبقات الشافعية للسُّبكي وغيرها من التراجم؛ وليس على شاكلة التصميم الروائي كما في رواية (الغواص). وفي هذه المقاربة التاريخية ترتبط بأنسنة التاريخ في شخوصه البشرية بوصفه مركزاً في الكون Anthropogenic. وقد انطوى مدخل الرِّواية ابتداءً من قصة الغزالي التي ستغير مجرى حياته لاحقاً تلك الحادثة حين واجهه فيها لصوص في الصحراء في طريقه إلى بغداد إلى المدرسة النظّامية. إنها اللحظة التي استدرك فيها إن فقدان حقيبته التي فيها كل علمه وعبر الحوار من خلال الذي دار بينه والمعصري الذي نقلته الرِّواية بأسلوبٍ درامي رائع. ومباغتة السؤال الذي سيحول طريقة اكتساب الغزالي للعلم واستيداعه ذاكرته الفادحة بدلاً عن الأوراق.
ومن هذه البداية يتضح المدخل التاريخي في التتبَّع الاستقصائي للشخصيَّة، وكما في رؤية الناقد جورج لوكاش إن توسيِّع الرِّواية التأريخية وتحويلها إلى صورة تاريخية وجعلها صورة تاريخ التجربة الذاتية ليس لأسباب جمالية، بل اجتماعية وتاريخية. ومن هنا تمكنت الرواية في تفعيل الوقائع التاريخية بشكل تتجدَّد معه شخصية الغزالي بإحياء تفاصيلها الإنسانية، وما ساوره من قلق انطولوجي لازم حياته طالباً وعالماً ومتصوفاً وفيلسوفًا. ومما قاربته الرواية من تاريخ تلك الفترة المؤسسة السياسية (نظام) الملك والمدارس الفقهية التي كانت تموج في بغداد وموقف الغزالي منها ومن احكامها ومجادلاتها. ثُمَّ إن العلاقة بين نظام الملك (السلطة) والغزالي الفقيه (المثقف) أبرزتها الرواية في سياق ما تكون عليها العلاقة الجدلية القديمة بين صراع السلطة والمعرفة فوصفت الرواية العلاقة بينهما: يحبُّ كل منها الآخر ويحذره.
حققت الرِّواية تكامل عناصرها بهيمنتها على ليس حصراً على المرحلة التاريخية التي مسحتها بكل تفاصيلها الاجتماعية والفكرية؛ وإنما حرّكت الجغرافيا كمحيطٍ عبرت عنه أسماء الأماكن من مدن وغيرها (المكان) بما يضيء البعد التاريخي. ورسمت هذه المزاوجة بين المكان والشخصية حوارية أثرت من الرواية داخل نسق انثروبولوجي أبرز أمم وأعراق وديانات ومذاهب وفلسفات كونت ذاكرة ذلك الماضي وأثره الممتد في الذاكرة الثقافية والتاريخية للمنطقة وشعوبها. إنها المشاهدات التي خلقتها الرواية مبتدعة لخلفية تاريخية ومن الطبيعي أن تحكم مسارها بما أنها رواية لشخصية تاريخية.
ومثلما انشغلت الرواية بالحياة العقلية للغزالي إلا أنها لم تهمل الجانب الإنساني مكملة لنصفه الآخر في علاقته مع المرأة التي اقتحمت قلبه وهو المنازع بين حياة متقشفة ونداءات نفسية عميقة الغور وتأمل يغض عليه مضجعه. وتعددت حضور المرأة من جارية إلى زوجة الملك لتضع الغزالي أمام اختبار إنساني بالغ التعقيد
ومع أن الروايات التاريخية دائما تجابه بإشكالية التجسير بين الوقائع التاريخية وما يمكن بناؤه من شخصيات تدخل في صلب البناء الروائي؛ إلا أن في رواية (الغواص) تفاعلات الشخصية مع الأحداث وفق سياقها الواقعي أي شخصيات تاريخية لا متخيلة تتفاعل سرديا بكل ما يشكله السرد الروائي من محددات ومسارات تتطور معها الشخصيات. وبهذا المنحى السردي قد يقترب التكوين الروائي من واقعية إذا لم يتمكن الروائي من تجنب رسمها داخل انساق الواقعية فسيأتي العمل ضعيفا يسرد التاريخ مرويًا لا روائيًا. فبالنظر إلى الشخصيات المحايثة لشخصية البطل Protagonist مثلت حضوراً بأدوارها واسماءها الحقيقة لكنها تماسكت في النص الروائي مستجيبة لتطور الأحداث الذي يعيد تشكليها دورها وقراءته بما يستلزمه التكوين الروائي. فالأمام (الغزالي) بين شخصيات الرواية الأخرى على تفاوت المسافة من جوهر العمل كما لو ارادت الرواية بالتذكر بمدى المؤثرات والظروف الإنسانية التي تسهم في تشكيل هوية الفرد.
في رحلة سردية ممتعة تناولت الرواية (الغواص) حياة شخصية تأريخية أثارت الجدل ولايزال أثرها ممتداً في الحياة الفكرية في أهم محاورها العقلية والنفسية مستقصيا تطورها التكويني الفكري ومحيطة بواقعها الاجتماعي والتاريخي. وبهذا الانزياح السردي تمكنت الشخصية الروائية من الصعود البارز عبر الاحداث التاريخية والسردية في حبكة روائية استغرقت بحثاً جاذباً ما بين الوقائع وإعادة تشكليها على متن السرد. ثم إن الأثر العقلي أتخم الرواية - إن جاز الوصف- لدرجة أن الاستغراق في التفاصيل داخل حكايات الرواية يكاد يطغى على ما عداه من تتابع سردي يقتضي التماسك حتى لا تتسلَّل واقعية الاحداث وتجرد بالتالي العمل من أهم ركائزه الروائية. ولكني أعتقد أن الرواية استدرك ذلك بين الفينة والأخرى في خضم زخم التفاصيل.
0 تعليقات