حادثة تبدو عابرة تغيَّر حياة ضابط في الجيش الإسرائيلي، وتكدر عليه أيامه، وتطارده طوال حياته، والمفارق أنها ليست تلك الحادثة الفريدة من نوعها، بل هي حادثة تكررت وتتكرر مع الأسف الشديد بكل بشاعتها ودمويتها ومأساويتها حتى أيامنا هذه، ولكن الكاتب توقف قليلاً لكي يمنح الضحية فرصة ولو من خيال لكي تعود فتنتقم، وتحاكم، وتتأمل المشهد معنا من بعيد، وتكون بالتالي رمزًا ومثالاً للعديد من ضحايا القتل والتعذيب الذين يمارس عليهم العدو الإسرائيلي أقسى أنواعه، منذ بدأت تلك العصابات الهجينة احتلالها لأرض فلسطين في 1948 وما بعدها.

لا تبدأ الرواية من تلك الحادثة رغم بشاعتها ومأساويتها، وإنما تبدأ بنا مع ذلك الضابط بعد أن ظهرت آثار ونتائج ما فعل على مسيرة حياته وأصبحت تؤثر عليه سلبيًا، بل نكتشف أن ثمة حادثة أخرى مختلفة تبدأ بها الرواية وهي محاولة ذلك الضابط بتكليف من الموساد الإسرائيلي قتل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ويفهم أن ذلك كان قبيل وفاته بالفعل في 1970، ثم تنتقل الرواية إلى لحظة الحاضر التي تتوقف عندها وهي محاولته اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن بعد أن وقع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، تلك اللحظة التي يعتبرها موشيه لحظة انهزام وانكسار كبرى. 

هكذا نتعرف في الرواية على ما يسمى بالأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل، ووجهة نظر اليهودية التي تؤمن بالفتل وسفك الدماء بزعم أن ذلك كله تنفيذًا لوصايا الرب، وأن دولة إسرائيل الكبرى يجب أن تمتد من "النيل إلى الفرات" كما يزعمون، لذلك هو يستحضر تلك المقولات والتعبيرات أكثر من مرة، ويعبر عنها مع كل جرائم الإسرائيليين على أرض فلسطين، فهو يستحضر كذلك مذبحة دير ياسين: 

((نفذنا أمر الرب في دير ياسين. كانت أيدينا تحركها إرادة يهوه وأوامره كما سَنَّها في سفر التثنية: " فَضَرْبًا تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلْكَ ا لمدينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَ تَّحرِمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ.تْجمع كُلَّ أَمْتِعَتِهَا  وَسَطِ سَاحَتِهَا، وَ حرق بِالنَّارِ  الَمدينَةَ وَكُلَّ أَمْتِعَتِهَا كَامِلةَ للِرَّبِّ إلِهِكَ." تخلصنا من آلاف من العرب في ذلك اليوم، وأغرقت الدماء الطرقات. أوامر الرب ووصايا موسى كانت أمام أعيننا وهكذا، حررنا الأرض، أرض أبراهام،من مغتصبيها) 

تركز الرواية على ذلك الصراع بين البطل والضباط الآخرين الذين يرى أنهم خانوا تعاليم اليهودية الأصلية، وحصلوا على المجد بل وجائزة نوبل للسلام، فيما تم استبعاده بعد تلك الحادثة واستخدامه في مهمات أخرى مختلفة، حتى بعد وفاة عبد الناصر لم يعترف أحد بدوره، وهاهي كل تضحياته وأفعاله تذهب أدراج الرياح خاصة مع اتفاقية السلام! 

رغم ثراء الرواية بالشخصيات وتفاصيل الأحداث، التي كان من الممكن أن يغرق الكاتب فيها وفي تفاصيل أكثر،  إلا أن الكاتب بقي مخلصًا لتقنيات "النوفيلا" الفنية، فقد أحكم التركيز على شخصيته وحالتها وصراعاتها بين الماضي والحاضر، ورغم ظهور عدد من الشخصيات الثانوية مثل أصدقاءه ورفاق رحلته سواء في الماضي أو الحاضر، إلا أن حضورهم يأتي في الخلفية بحيث لا يؤثر على حالة البطل وأفكاره، بل إن الرواية تعود لعدد من الأحداث التاريخية المؤثرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بعرض عدد من المذابح والحروب، وعددًا من الشخصيات المهمة مثل بيغن وعبدا الناصر وغيرهما، كما يأتي الخيال الروائي حاضرًا بقوة، سواء في الأحلام أو التخيلات التي تطارد البطل من جهة، أو ذلك التعبير المستمر عن أثر الرمال والصحراء في حياة ذلك الضابط بعد الحادثة، منذ بداية الرواية إلى نهايتها التي تحضر فيها العاصفة الرملية وكأنها تطارده حتى النهاية.

(رأى الشبح للمرَّة الأولى حين خرج في الصباح الباكر، قبل ستة أيام ... لكأنّ قوة غامضة دفعته ذلك الصباح للنظر في مرآة السيارة، لا ليرى انعكاس وجهه الستيني المتغضن، بل تلك الصبية الحافية الشاحبة التي ترتدي فستان نوم قصيرًا وتصرخ عيناها باتهام صريح)

وفي النهاية (شيئًا ما كان مختلفًا هذه المرة. كان يشعر بشيءٍ ما يتسلل إلى عقله، ينزلق عبر الشقوق، يخترق دفاعاته النفسية، يتغلغل في وعيه مثل سائل أسود كثيف. وهذا الشيء الغريب المتوغل لم يكن وهمًا، ولا هلوسة، ولا حُل .ًام كان شيئًا آخر تمامًا. كان الحقيقة. الحقيقة التي ظل يهرب منها طوال حياته. الحقيقة التي كانت تلاحقه كظله، تترقب، تصبر، تنتظر لحظة ضعف واحدة لتنقضَّ عليه وتشلَّه) 

تبدو الرواية في النهاية كحلمٍ بعيد المنال، أن تتحول تلك الضحايا إلى لعنة على جلاديهم، وأن تطاردهم كالأشباح في كل مكانٍ بالنهار، وتقض مضاحعهم بالليل، هو حلم بالتأكيد، ولكن بعض أحداث الواقع على صعوبتها تقترب منه، لاسيما في السنوات الأخيرة، فقد تغيّرت الرؤية وتغيّر المشهد، وأصبحت اللعنات والمطاردات تطال صورة إسرائيل التي أرادوا لها أن تكون مثالاً للأمن والاستقرار، فإذا هي تنكشف على حقيقتها، ويتعرّف العالم كله على جرائمها وفظائعها، بل وتتحرك الدول التي تؤمن بحقوق الإنسان بحق إلى تغيير مواقفهم مع تلك الدولة الغاصبة المجرمة. 

تجدر الإشارة إلى أن الرواية تنتمي إلى فئة "النوفيلا" التي احترف الكاتب والروائي  محمد سعيد أحيجوج كتابتها في السنوات الأخيرة، واستطاع من خلالها وبأقل عدد من الصفحات (لا تتجاوز المائة صفحة) أن يركز على فكرته ويعبّر عنها بشكل جيد، وإن كانت "يد من رمال" تنتمي إلى الرواية صاحبة الرسالة الواضحة التي استطاع أن يعبر عنها بفنية عالية، ولم ينشغل فيها بتقنيات كتابة مختلفة أو تجريب قد يبتعد بالقارئ عن المقصد من الرواية وأهدافها، هي رواية تعرض وجهة النظر الإسرائيلية وتسعى إلى تفنيدها وتحلم بمواجهتها ولو من خلال الأحلام والخيالات.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم