في  رواية إندلنج “الناجي الأخير” تقدّم ماريا ريفا نصًا مركزيًا متشابكًا يتجاوز التصنيفات السهلة؛ فهي ليست رواية حرب بالمعنى التقليدي والسائد، وليست عملًا بيئيًا محضًا، يبدو أننا مع كتابة هجينة حاولت مزج السرد الروائي بالوثيقة والتأمل الذاتي، لتفحص ضعفنا الإنساني في عالم تتقاطع فيه الحرب، والانقراض البيولوجي، والاقتصاد الاستغلالي. يستعير العنوان مصطلح إندلنج، الذي يطلق على آخر كائن حي من نوع مهدد بالانقراض، ليغدو استعارة كبرى تشمل الإنسان والحيوان والمكان والذاكرة معًا. وربما يكون السؤال الأهم الذي يحكم الرواية ليس: كيف نموت؟ ولكن: ما معنى أن نبقى؟ وما الثمن الذي يُدفع مقابل هذا البقاء؟

ثيمات الرواية

لو تأملنا النص جيدًا سوف نلمس ثيمات عديدة متشابكة ولعل من أبرزها: ثنائية الانقراض والبقاء، حيث توازي الكاتبة بين اختفاء الحلزونات النادرة التي تدرسها ييفا، وتآكل أشكال الحياة الإنسانية تحت وطأة الحرب والنزوح في أوكرانيا. الحرب هنا ليست خلفية وديكورًا وجذبًا للتعاطف، لكنها تظهر كقوة تشويه للذاكرة والزمن والحياة، خاصة في فضاء خيرسون، حيث يتحول البقاء اليومي إلى فعل مقاومة صامت. إلى جانب ذلك، تفضح الرواية الاستغلال الجسدي والاقتصادي عبر تصوير صناعة وكالات الزواج الدولية، وتصور بشاعة هذا النظام الذي يبيع الوهم والعاطفة في سوق غير متكافئة.

كما تحضر العزلة والهوية ونشعر أنهما شرطين وجوديين، حيث نتعايش مع شخصيات محاصرة داخل “قواقعها” النفسية أو الجغرافية، تظل عاجزة عن الانفلات، فيما تتآكل الروابط العائلية والإنسانية تحت ضغط الغياب والخوف.

ربما أن شخصية ييفا تشكّل العمود الفقري للنص. فهي عالِمة أحياء أوكرانية تعمل في مختبر متنقل لإنقاذ الحلزونات المهددة بالانقراض. تمكنت الكاتبة من تصوير انعزاليتها، حدّتها، ونظرتها غير الرومانسية للموت، وكل هذا يعكس علاقة عملية وقاسية مع العالم، لكنها في العمق تنطوي على حساسية عالية تجاه الكائنات الهشة، وكأنها ترى في مصيرها انعكاسًا لمصيرها الشخصي. ييفا تعيش حرفيًا داخل “قوقعتها”، مختبرها/منزلها، لتغدو نقطة التقاء بين العلم والعالم الأخلاقي المأزوم، خصوصًا حين تتقاطع حياتها مع ناستيا وخططها الملتبسة.

تحضر شخصية الكاتبة بوضوح في بنية الرواية؛ إذ تلجأ في الجزء الأخير من الرواية إلى ضمير المتكلم، وتدمج مواد توثيقية ومقابلات وتأملات ميتاسردية حول جدوى الكتابة في زمن الكارثة. هذا الوعي الذاتي بالسرد يعزّز الطابع الهجين للنص، ويضع القارئ أمام كتابة تسائل نفسها بقدر ما تسائل الواقع.

تعتمد الرواية على تقنيات سرد متعددة: بنية تعددية الأصوات، تقطيع زمني ومكاني، لغة علمية مجازية تستعير من البيولوجيا قاموسها، وإدماج وثائقي يلامس التحقيق الصحفي. ومع تقدم الفصول، يشتد الإيجاز، وتتحول المقاطع إلى لقطات خاطفة، كأن التجربة نفسها تتفتت أيضًا تحت ضغط العنف الذي يتطور ويتوحش في زمن الحرب.

ومن هنا، يكتسب عنوان الرواية دلالته العميقة: إندلنج “الناجي الأخير”، هو كائن يبقى وحيدًا بعد أن يختفي عالمه. النجاة ليست دومًا خلاصًا مريحًا، قد تكون عزلة نهائية، ووعيًا مؤلمًا بأن البقاء نفسه شكل آخر من الفقد والضياع.

رواية من كاتبة في بداياتها الروائية تصل إلى البوكر

شكّل ترشيح إندلينج، وهي التجربة الروائية الأولى للكاتبة الأوكرانية ماريا ريفا، للقائمة الطويلة لجائزة البوكر البريطانية 2025 حدثًا لافتًا ومهمًا في المشهد الأدبي، فالرواية جاءت من كاتبة في بداياتها الروائية، ولكننا أمام نص يقترح نموذجًا سرديًا غير مألوف على معايير الرواية الأولى. هذا الترشيح فتح بابًا واسعًا للنقاش النقدي والإعلامي حول طبيعة العمل، وحدود التجريب، ومعايير “النضج” الروائي، والسياسات الثقافية التي قد تُميّز وترفع نصًا ما من دولة بعينها، وقد تكون ثمة أسباب للترشيح تتجاوز معايير الإبداع والأدب الخالصة.

الانطباع الأول الذي هيمن على التلقي النقدي كان قدرًا من الدهشة الممزوجة بالترحيب. بعض المراجعين توقفوا عند حقيقة أن لجنة البوكر، المعروفة بحذرها النسبي تجاه الأعمال الأولى، اختارت نصًا لم يكتفِ بسرد حكاية، بل غامر في الشكل والبنية. اعتُبر هذا الترشيح مؤشرًا على تحوّل نسبي في ذائقة الجوائز الكبرى، باتجاه الأعمال التي تلتقط توتر اللحظة الراهنة، حتى لو جاءت من أصوات لم تُختبر طويلًا في الرواية. بعض النقاد ذهبوا إلى القول إن الرواية تبدو وكأنها كُتبت بوعي كاتبة مخضرمة، أكثر منها مبتدئة، من حيث السيطرة على المادة وتعدد مستويات القراءة.

اتجه مسار نقدي ثانٍ إلى التركيز على فرادة الموضوع بوصفه عنصرًا حاسمًا في جذب الانتباه. فالرواية لم تتعامل مع الحرب بوصفها خلفية درامية مألوفة أو مثيرة للشفقة والتعاطف، ولم تتعامل مع البيئة كقضية مستقلة، بل إن الأكثر إبداعًا هو هذا النسج بينهما، وخلق علاقة استعاريّة تجعل مصير الكائنات الصغيرة المهددة بالانقراض مرآة لمصير البشر في مناطق التهميش والعنف والحروب. مثل هذا الاختيار منح النص بعدًا يمكن القول إنه أخلاقي وإنساني لافت، ويسمح كذلك بأن يُقرأ بوصفه شهادة على عالم يتآكل من أطرافه، وليس فقط من مركزه، عالم تتآكل فيه اللحظات الحياتية الصغيرة السعيدة. هنا رأى مؤيدو الترشيح أن الرواية تنحاز بوضوح إلى أصوات لا تحظى عادة بمكانة مركزية في الأدب العالمي.

في المقابل، لم تخلُ ردود الفعل من تحفّظات نقدية. بعض الكتابات رأت أن الرواية، خاصة في نصفها الثاني، تميل إلى التفكك البنائي، وأن تراكم المقاطع والمواد الوثائقية يربك القارئ الباحث عن خط سردي أكثر تماسكًا.

كما أُخذ عليها أحيانًا ميلها إلى خطاب مباشر في نقد منظومات الاستغلال، وهو ما اعتبره بعض النقاد إضعافًا للبعد الجمالي لصالح الموقف السياسي.

مع ذلك، فإن إندلينج، من وجهة نظر العديد من النقاد، تمثل بداية قوية وغير تقليدية لمسار روائي واعد. ترشيحها للبوكر هو تكريم مبكر، ويظهر كذلك كأنه رهان على صوت جديد قد يطوّر من نفسه بأعمال أخرى مستقبلية.

ييڤا وكائنات تموت بصمت

ييڤا ليست بطلة تقليدية، ولم تُقدَّم كشخصية خلاصية أو مثالًا أخلاقيًا جاهزًا ولا صاحبة معجزات، بل هي كائن إنساني هشّ، يعيش في منطقة رمادية بين الشك والخوف والأمل. ما يحركها ليس وهم إنقاذ العالم، بل إصرار عنيد على إنقاذ حياة صغيرة، شبه غير مرئية، حياة لا يلتفت إليها أحد: حلزون، أو مجموعة حلزونات، بالكاد يُعترف بوجودها. في هذا الإصرار يتجلى جوهر شخصيتها، وفيه أيضًا تنكشف تناقضاتها.

ييڤا تعرف أكثر من غيرها أن مشروعها قد يكون محكومًا بالفشل. تشكّ في جدواه، وفي قدرتها على الاستمرار، وفي معنى أن تُكرّس حياتها لكائنات تموت بصمت. ومع ذلك، حين تلاحظ حركة حلزون في بيئة آمنة، أو ترى بيوضًا جديدة تتكوّن، يمرّ فيها فرح خافت، فرح لا يشبه الانتصارات الكبرى، لكنه يشبه تنفّسًا إضافيًا مُنح للعالم. هذا الفرح الصغير هو ما يبقيها حيّة، وهو في الوقت نفسه ما يجعل خسارتها مضاعفة حين تموت هذه الكائنات.

حزن ييڤا على موت الحلزونات ليس حزنًا عاطفيًا صاخبًا دراميًا، بل حداد علمي وإنساني بارد المظهر، عميق الأثر. تتبادل التعازي مع باحثين حول العالم عند فناء نوع كامل، كما لو كانوا ينعون شخصًا عزيزًا. وهنا يتحوّل الانقراض إلى حدث شخصي إنساني، وليس إحصائيًا، ويصبح العلم شكلًا من أشكال الحداد.

من خلال ييڤا، تكشف الرواية وجهًا مظلمًا من عالم المنظمات البيئية الدولية وما يحدث فيها: تمييز فجّ بين كائن “قابل للتسويق” وآخر غير جذّاب بصريًا. تُدلَّل الباندا، وتُصرف عليها عشرات الملايين، بينما تُترك كائنات أخرى تموت لأن لا صورة جذابة لها، ولا قدرة على إثارة تعاطف المتبرعين. هذا الظلم البيئي ليس بريئًا، بل هو مشبع بالبهرجة، وجزء من الفساد والانتقائية الأخلاقية.

ييڤا، وهي تواجه هذا كله، لا تصرخ ولا تنظّر، تحاول أن تكشف لنا عبر فعلها اليومي معنى العدالة المفقودة. إنها شخصية ترى العالم كما هو: غير عادل، انتقائي، صاخب حول ما يلمع، وأعمى تجاه ما يتلاشى بصمت. وفي تمسكها بحياة صغيرة، تُدين عالمًا كاملًا.

خاتمة

في إندلنج لم تُستدعَ الحرب ولم يتم تصويرها كحدث صاخب مكتمل الصورة، بل هي أقرب إلى حالة وجودية تتسلّل إلى الأمكنة وتعيد تشكيلها من الداخل. المدن، القرى، المختبر المتنقّل، البيوت المؤقتة، وحتى المساحات الطبيعية، كلها تتحوّل إلى مسارح هشّة لأسئلة البقاء وحلم الحياة. المكان هنا كائن حيّ يتأثر، يشيخ، يحزن ويتآكل، تمامًا كما شخصيات الرواية. خيرسون، وسواها من الأمكنة، تُقدَّم كفضاء معلّق بين ما كان وما لم يعد ممكنًا، حيث يصبح العيش وكل لحظة حياة فعل مقاومة يومي، بلا بطولة ولا شعارات.

الحرب في الرواية ليست فقط ثيمة، نحن أمام صورة وسؤال مفتوح. صورة تتجلى في التفاصيل الصغيرة؛ عزلة، انتظار، خوف مكتوم، وموت قبيح. وسؤال يتكرر بأشكال مختلفة: كيف يمكن للحياة أن تستمر وسط هذا التآكل؟ وما الذي يستحق أن يُنقذ حين يصبح كل شيء مهددًا؟

من خلال هذا السؤال، تضعنا الرواية أمام مقارنة غير مريحة بين مصائر البشر والكائنات الصغيرة التي قد يعتقد بعضنا أن فقدانها ليس كارثة كبرى، أي أننا أمام سؤال حساس بين ما يُعتبر جديرًا بالإنقاذ وما يُترك ليموت بصمت.

تمنحنا إذن إندلنج تجربة قراءة لا تسعى إلى العزاء السهل، كأن الكاتبة حاولت أن تقودنا إلى قراءة الوعي. وعي بأن الحرب لا تدمّر الأجساد والأمكنة فقط، بل هي شيء قبيح ومفجع، تُعيد ترتيب القيم، وتكشف هشاشة أنظمة العدالة، وتفضح الانتقائية التمييزية غير العادلة في التعاطف والإنقاذ. ومن هنا، تصبح محاولة إنقاذ حياة صغيرة فعلًا رمزيًا كبيرًا، وموقفًا أخلاقيًا في عالم فقد بوصلته.

ما يميز هذا العمل أنه يترك القارئ داخل منطقة توتر وتأمل. قد لا نخرج من الرواية مطمئنين، ربما حاولت الكاتبة أن تزرع في أنفسنا حساسية تجاه ما يختفي من حولنا، كي نكون أكثر انتباهًا للأصوات التي لا تُسمع.

إندلنج في جوهرها رواية عن النظر عن قرب، وعن إدراك أن البقاء، في زمن الحرب، ليس انتصارًا لكنه مسؤولية ثقيلة وقبول بحياة منقوصة وموت قبيح متربص ومخادع.




0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم