مَرْكزة الوصف في النص السردي.. قراءة في رواية " نقوش على خشب الصليب " لإسماعيل الرفاعي
وعْد الرسم المجهول
ميشيل فوكو، الفرنسي الشهير، يكاد يفتتح كتابه الشهير" الكلمات والأشياء " بفصله الأول والمراهَن فيه على الرسم، على لوحة الفنان الإسباني دييغو فيلاسكيز" 1599-1660 " الوصيفات Les suivantes، ليحاول قراءة العصور التالية على عصر الفنان، من خلال مكاشفة " حفرية " لمحتوى اللوحة إرساءَ غد ٍ، أي كيف يمكن معاينة الخارج من الداخل، حيث يستقر الفنان وقد كان خارجاً، فنقرأ الآتي في عدة سطوره بداية:
( الرسام Le peintre يتراجع قليلاً عن اللوحة. يلقي نظرة على النموذج، ربما كان المطلوب إضافة لمسة أخيرة، لكن من الممكن أيضاً ألّا يكون الملمح الأول قد وضع بعد. والذراع التي تمسك بالفرشاة متراجعة نحو اليسار، باتجاه اللون، إنها للحظة، ساكنة بين اللوحة والألوان. هذه اليد الماهرة بالنظرة، والنظرة، بالمقابل تنصبُّ على الحركة المتوقفة. بين رأس الفرشاة الدقيق وفولاذية النظرة، سيحرر المشهد كل حجمه ) ومن ثم تالياً( وإذ نستقبل هذه النظرة، فإنها تطردنا، ليحل محلنا ما كان منذ الأزمنة يتواجد هناك قبلنا: النموذج نفسه، ولكن بالعكس من ذلك فإن نظرة الرسام المتجهة خارج اللوحة، نحو الفراغ الذي يواجهه، تتقبل من النماذج بقدر ما يأتيها من مشاهدين spectateurs.)"1".
أن يأتي الحديث عن الرسم، وعبر الرسم تعزيزاً لفكرة لها طابع ملحمي- بارنورامي يصل ما بين عصور خلت تقريباً، وعصر لا زلنا نعيش مخاضاته ومستجداته وزخم نوائبه بامتياز، فليس إلا من باب التعويل على فذاذة الرسم في خاصيته الحسية: البصرية لاحتواء الموضوع وتفضيته. فالرسم وليد أمسه، ومسمّي آتيه .
لعل النظر في الرسم، وكما تعلِمنا العين، الحاسة البصرية المؤثرة في صيرورتنا التكوينية، واقعاً، يرجع بنا إلى البرّي فينا، إلى حراك الكوني فينا، حنيناً إلى توهج الجسد في كليته، جسد يتمثل الكوني برّيه وأهليه، والامتلاء بالوجود بقياد بصري، ورهاناً على استراتيجية المتوخى من المكاشَف عميقاً اعتماداً عليه.
وما الرسم في مفهومه، والمفهوم لا يحاط به تركيباً، إلا توقاً للجسد الفاعل الأرضي والمرتقى بطموحه عالياً، إلا إمضاءاً على قراءة ما لم يقرَأ بنا وفينا بعد وأبعد.
وأن يصار إلى توسع قاعدة العلاقات مع العالم داخلاً وخارجاً رسماً، كما يقول تارخه الفني، فاعتراف صريح بالمرتقَب من الانفتاح الممكن على مجهوله، وما في ذلك من تأكيد فضيلة المرئي رسماً على اللغة عينها، والتي لم تشكل هذه، تاريخاً محدوداً مقارنة بالمرسوم.
لهذا كان هذا التنامي في مصادقة الرسم، في إدخال الرسام شريكاً مرحَّباً به، لا يقبل الترجمة بما تتفتح عنه قريحته بأشكاله وألوانه ودلالاتها دونها، وإثراء للغة عينها، لا بل وتأكيد مكانة المرئي وقابليته لأن يغذّي المسطور بما يُعتبَر إملاء لفراغات، أو تنويراً للمعتم، وإسناداً للكلمة، وإثراء لموقعها.
تلك شهادة حية لكمّ وافر من الأعمال المصنفة روائية، وتلك الدراسات التي تمازجت بغية ولادة نص أدبي محتفى به لونياً، وحيث يأتي الوصف الذي يضيء في محيطنا الداخلي والخارجي عالماً هائلاً من الكائنات والأجسام وكيفية تفاعلها مع بعضها بعضاً.
إن استدعاء عناوين من مثل:
عابر النور: نيفارد دي شاسيبيير
خادمة الرسم: جان دانيال بالتاسات
بورتريه ذاتي : فان آيك
أنا، الموناليزا: إليزابيث بيلورجي
"شيفرة دافنشي" :دان براون
عيون منى: لتوماس شليسر
احرسها: جان بابتيست أندريا
المرأة المجهولة في صورة كاميل: دي بيريتي...
الفتاة ذات القرط اللؤلؤي: تريسي شوفالييه
"طلاء الورنيش: ول سان بريس
نحو الجمال :ديفيد فوينكينوس...
"كتاب الرسم والخط" رواية مترجمة لساراماجو عن هيئة الكتاب... أجنبياً
و:
شرف الدين ماجدولين: الرسام والروائي" الصورة وإنتاج الاثر"
الرواية والرسم من خلال نماذج روائية لإدوار الخراط لـ مصطفى بوقطن
د.عزة شبلي، في كتابها "جمالية التفاعل بين الأدب وفن الرسم.. دراسة في روايات واسيني الأعرج
التمثلات البصريّة لفنّ الرّسم في الرواية العربيّة المعاصرة "قراءة في رواية أرض السافلين لأحمد خالد مصطفى" عوايجية خولة
"حائط المبكى" :عز الدين جلاوجي،
سبايا سنجار :سليم بركات
سوناتا لأشباح القدس :واسيني الأعرج
سفر السرمدية :لعبدالخالق الركابي
ذاكرة الجسد :أحلام مستغانمي .. عربياً
عبارة عن لائحة ارتكازات على مدى فاعلية الرسم وتنامي رصيده الإستلهامي والتنويري في آن ..
لهذا، فأن يتقدم الكاتب والشاعر السوري إسماعيل الرفاعي بروايته " نقوش على خشب الصليب " " 2 " ففي ذلك إشهار لهذا التلقي الذوقي واستجابة لقدرة الرسم على إمكانية استمرار إرادة الكتابة الإبداعية أو الروائية هنا، وتحقيق المرتجى بصورة أفضل، ومن واقع تجربي .
ماالذي حرَّك في ذائقة الرفاعي مثل هذه الفكرة روائياً، وما فيها من تهجين بين الكلمة واللون، وبالعنوان اللافت بالمقابل؟ وكيف يمكن التعاطي مع سرَيان فعل الوصف الذي يكاد يتشرب في مساماته التخيلية مجمل المبني سردياً في الرواية هذه؟
مركزة الوصف، أي مركزة سردياً
يستوقفنا الوصف في حدود المألوف، ومضمار المعلوم خارجاً، ومن خلال أبعاد أو مقاييس و علامات فارقة، خلال الجارية تسميته سرداً هذا الذي يعنى بالحركة، بالمستجد.
بصيغة أخرى ( للتوضيح، يجب أولًا تحديد حدود الوصف. تعريف الوصف يبدو بسيطًا. يتألف السرد من نوعين من التمثيلات: تمثيلات الأفعال والأحداث من جهة، وتمثيلات الأشياء والأماكن والشخصيات من جهة أخرى. وهذا النوع الأخير هو ما نسميه وصفًا.
و: يُقدّم السرد، بتركيزه على الأفعال والأحداث، الفعلَ؛ فهو يُرسّخ الجانب الزمني للسرد. أما الوصف، فيتّسم بطابعٍ خالدٍ نسبيًا. فهو يُركّز على الأشياء أو الكائنات، مُجمّدًا إياها في لحظةٍ زمنيةٍ مُحدّدة. ولإعداد المشهد للفعل أو تقديم الشخصيات، يُقاطع السرد تسلسل الأحداث. وهذا يُؤثّر على وتيرة السرد. يُشكّل الوصف وقفةً، أو سكونًا في تسلسل السرد. وإذا طالت مدته، فإنه يُهدّد التطوّر الدرامي للسرد. عندما يتسع نطاق الوصف، يميل حتمًا إلى أن يصبح سرديًا.) "3 "
ووفقاً لـ( ج. جينيت، يتضمن كل سرد ما يلي:
- جزء يمثل الأفعال والأحداث: وهو السرد،
- جزء آخر يمثل الأشياء والشخصيات: وهو الوصف.
يقدم السرد في المقام الأول التطورات الزمنية ووصف الترتيبات المكانية. ويصبح وصف الشخصية، جسديًا ومعنويًا، صورةً شخصية.
بينما يُؤكد السرد على الأفعال، يُؤكد الوصف على الحالات.) " 4 "
وما يعمق العلاقة ويثوّرها بين الاثنين، حيث إن ( الوصف ليس غصنًا ميتًا منفصلاً عن السرد. بل يدّعي البعض أن الوصف يلعب أحيانًا دور السرد، أي أنه يبني السرد. وإن لم يكن هذا صحيحًا دائمًا، إلا أنه جزء لا يتجزأ منه. كما يُسهم الوصف في نقل إحساس بعالم حسي يندمج مع رؤية المؤلف أو شخصياته. وسواء أكان الوصف تعبيريًا أم جماليًا أم رمزيًا، فإنه يجب أن يُبرز السرد، أو يُعززه، أو حتى يُحييه.).
وضمناً ما يخص مكانة الحواس في الكتابة:
( يجب أن تكون الحواس الخمس جوهر الكتابة
يجب أن تكون الحواس نقطة انطلاق الوصف. فهي تُؤهّله إلى حد كبير، وتعكس حساسية الطبيعة، أو الشخصية، أو المؤلف، متعددة الحواس. من المهم أن نتذكر أن الوصف ليس ترجمةً للواقع، بل هو تفسيرٌ له من خلال مُرشّح حساسية الكاتب. يمكن وصف ما لا يُلاحَظ فيه.) " 5 "
ولا بد أن الكاتب الروائي وبصفته خريج الفنون الجميلة، أي ذلك الكائن الحي والواعي والمدرك تخصصاً وثقافة مصاحبة للرسم فناً وتاريخاً ومجتمعاً، ثقافة وسياسة، ومن جوانب مختلفة، يكون لديه هذا المؤثر النفسي عمودياً وأفقياً، والذي يحيط بالفن: الرسم علماً، وكيف أنه في عالمية " لغته " في صوته المرئي، وطعمه المقدَّر مرئياً، وملمسه المأخوذ حسياً، وحتى رائحته، من خلال الانشغال الروحي به، لا بد أنه يمتلك يقيناً معرفياً بما يكتب، ويرسم خارج حدود المعطى اليومي، تجاوباً مع فاعلية كل من الكلمة واللون. دون ذلك كيف يمكن إيلاء الاهتمام للرواية وبدءاً من عنوانها، وراهناً، ومراعاة جملة ملابسات ومتغيرات بيئئة واجتماعية وسياسية، وموقع الرواية هذه ومسوّغ كتابتها النفسي والاستبصاري والمأمول منها كذلك، وهو المسلم، وهو ما من شأنه توسيع القاعدة الدلالية للعنوان، ومن ثم النظر برؤية مضاعفة لمحتوى الرواية ومحورتها حول العشاء الأخير، اللوحة ذات الصيت لدافنشي قبل خمسمائة سنة، وأي هيئة تكون للمسيح في عشائه الأخير، ومن هم هؤلاء حواريوه العصريون أو نظراء من هم مأخوذون باعتبارات لاهوتية وكنسية طبعاً؟
كيف أجاز الرفاعي لنفسه أن يوقظ دافنشي مع لوحته هذه، وبلده سوريا على صفيح ملتهب ورهيب بكل ما فيه، منذ آذار عام " 2011 " والمخاوف لما تزل قائمة، مجتمعياً، وللوحة المرسوم أن تستنهض قواها الرمزية وتسهم في استنطاق المسكوت، وإظهار معنى الألم والمكابدة، وتحمل المشاق، وسيرورة العلاقة الصادمة: الخيانة، وكبش الفداء البشري وقد تحرر من علامته الفارقة دينية وعولمته قيمياً؟
لا مجال للشك في أن الوصف الذي هو ثراء الرسم في أشكاله وألوانه، وتفاعلاتها مساحات وسطوراً، ظلالاً وأبعاداً، شخوصاً وهيئات متباينة، واضحة وغامضة وملغزة كذلك، يحيل ما في الذاكرة البصرية إلى مخدوم تصوري وتخيلي وعرضه وتحديثه مختلفاً، منطلقاً من تخصص " أكاديمي " وثقافة مرافقة ومخصبة للغة الكتابة، وليكون لمركزة الوصف مقام بوصلة القيادة في دفة السفينة سردياً.
إلى أي مدى، كان هناك حوار قائم، حوار يشغلنا معه في حركية الرواية، لا نفقد فيه وجه السرد، لسانه، ومأثرة حضوره، إزاء تدفق الوصف الشامل لعالم مختلف في مناظره، أو أشيائه مع أسمائها، ولما يخفق هواجس وخواطر وانطباعات وتهيئوات في واعيته كتابة!
تيمة العنوان وصفياً
كما نوهَّت، لا يخفي العنوان علامته الوصفية، فالنقوش جمعاً، والصليب مفرداً حاملاً لما هو جمعي، وما يخص نوعية الصليب: خشباً له تاريخه الأرضي: النباتي، ويصله بتوأمه الحيوي: الإنسان، وما أثير كثيراً حول هذه العلاقة.
الصليب يشدنا إلى ماض كان. لكنه مستحدث بطريقة عنونته، وما النقوش إلا اللغة المرئية، بوصفها رسماً من نوع آخر، في مقدور الخشب جهة طواعيته ، إبرازها، وليكون الربط بين ما كان وما هو قائم مركَّب إشاري إلى استمرارية المحنة، مكابدة الألم في من ينشد خلاصاً!
المرئي في العنوان كلوحة فنية يثير فينا غريزة البقاء والاستماتة من أجل الحياة، بقدر ما يدفع بنا إلى النظر داخلنا عميقاً، وعما آل إليه أمرنا في ظلام المبنى وكابوسية المعنى، ورصيد الوجع الذي لا ينفد ، لنكون كائنات أكثر من كوننا ما نحن عليه في هذا المتدوَّم داخلنا عنفياً.
تيمة العنوان والتي تضمنته ماضياً، تمضي به إلى ما بعد الآتي، أي عبر تحريره من خاصيته الزمنية، حيث يجري الدفع باللوحة، بالرسم خارج الإطار المعزز للحدودي أو الزماني والمكاني فيه، سعياً إلى فضاء الرأسمال الرمزي الذي يؤمم الأبدي تذوقاً وجمالاً.
النقوش عرابة الرسام، رهانه، رهانه على اللوحة وقد حمّلت خاصية اللاتناهي، حيث يكون الحفْر الممكن في خشب مطواع، وإشعار هذا التفاعل بين الصليب الذي يغيّب داخله مصلوبه، ليكون في مقدور أي كان الحلول محله، مادام الطغيان قائماً هنا وهناك. الاستعارة حية !
في متتاليات العناوين
لا يخفي ما في العناوين الداخلية من نبرة الوصف، من حسية تنعطف على مقول القول، على السارد الذي يسلسل القياد لأحداث الرواية حيث يجري مخر عباب الوصف تلو الوصف، لنكون إزاء مشهد " بحري يتعدى أفق الرؤية ويتاخم لاتناهي التخيل وأبعد.
إنها مجاهدة تترجم مشقة الخيارات ومدى صلاحية كل منها، وقابلية التعبير المركَّب بين الثابت وصفاً والمتحرك سرداً :
غبش مجيد-أحجارسجّيل-امرأة المصباح-سرة الكون- فرات آخر-دمشق-أبواب مواربة-الصقر- العشاء الأخير
بدءاً من " غبش مجيد "..لماذا ؟
لنقرأ المستهَل به هنا:
( كانت الألوان تقتفي أثر الضوء وهو يمرر كفه على الكون، ويضم وشيعته السائبة إلى جوفه المعتم. وكانت عينا إبراهيم غائبتين في ذلك المدى الغامض، تراقبان كيف تتبدل هيئة الأشكال وألوانها كلما انحسرت أشعة الشمس قليلاً، وألقت على الأرض غلالة من الظلال، ماسحة بأصابعها الأثيرية، باطن الكائنات وظاهرها. ص7 ).
أرى أن هناك نوعاً من عسر هضم للمسطور بدايةً، ومتطلباً لأن يكون القارىء أكثر مرونة وأهلية لتلقي المودَع إشارياً في المقتبس:
مشاهد متداخلة، ومتتابعة، بشكل حلزوني، تمثل مصفوفة من المقاربات اللونية والتي تحيل الجامد إلى متحرك، أو الصامت إلى صائت في ضوء الجاري مفعولاً به سردياً، وما في هذا التتابع من ثقْل في بنية الأوصاف، وتبينّها مؤثرة في الناظر إليها تأملاً، أو المعايِن لها محتوى دلالياً في مجموعها، وكيفية الانتقال من جملة وصفية إلى أخرى، ووشائج القربى بين كل منها والبقية، عالياً وسافلاً، ظاهراً وباطناً. ليس السارد والذي يقوم بعملية الدفع بكلمات جملاً، والجمل مشاهد تترى بالمعبَّر عنها على صعيد نوعية المسرود، حيث يكون المشار إليه، وهو الذي أعطيَ الاعتبار المتقدم في الرواية أو واجهتها، على وجه التحديد" إبراهيم ": الذي يرى غير ما يراه الآخرون، والذي يتحسس تمازج العلاقات مبنى ومعنى، وهو متخوف مما يراه، خلاف الآخرين، كما هو مستقصى في اقتفاء حركية السرد ضمناً.
لا يكفي أن يجري تسطير جمل مدروسة بعناية للقيام بدور معين، على الورق وهو ليس ورقاً في نشأة المخطَّط له، بقدْر ما يكون هناك احتساب الجاري احتواؤه أو معايشة المرسوم عميقاً، وحيث يظهر إبراهيم مستغرقاً في الجاري نسجه وصفياً.
ليس من تقويم لهذا التنوع من التوضع لقائمة الأوصاف وما لها من مداخل ومخارج جهة السرد، وإنما هو مسعى النظر في المؤثر النفسي وهو في جوهره مأساوي، يعلِم بما لا يُشتهى واقع، أو يريد إخباراً عما هو دائر في مضمار فيه جرح تاريخ وتصدع جغرافيا.
أشير هنا إلى ما قيل في هذا الشأن حيث ( يدّعي الكثيرون عدم إعجابهم بالأوصاف، لكن هذا غير صحيح: فجميع الكتب مليئة بالأوصاف، ولا نلاحظها حتى... طالما أنها مكتوبة بإتقان وتظل شفافة ومتكاملة مع إيقاع القصة. هناك الكثير مما يمكن قوله عن الأوصاف، أكثر بكثير من أن يُلخّص في مقال واحد. لكن الأساسيات، قبل كل شيء، هي الوصف مع احترام السرد الذي تستخدمه.) " 6 " وهذا القول يبقينا في مخاض الدرس الروائي الذي يرهن نزف جسده الممثّل لواقع يستغرق مساحة تاريخية وجغرافية واسعة، لعبة معتمدة فنياً .
أي في كيفية هذا التماشي والتوازن بين استمرارية الوصف بمثل هذه الكثافة ومأثورها القيمي، ودوام فعل السرد في البناء الروائي .
إبراهيم ينفتح على خارجه في بيئته المميّزة بطبيعتها القاسية ومعايشتها لما لا ينتهي من الكوارث والمحن في الطبيعة والواقع، فلا يجد سوى في فرشاته " مجذافه " الذي يمكّنه من الدفع بقاربه إلى الداخل العميق استجابة للتحدي النصي، وداخله الذي يمكنه من أن يشي بما هو ينطوي عليه من مصاب جلل تجاه المنتمي إليه واقعاً ومجتمعاً، كما الوارد عنه في المرسم:
( كانت الخمرة ما تزال تدور في رأسه، ورائحة الفرات عالقة تحت جلده، وكان ما يزال تحت تأثير حالة السحر التي أحدثتها جوقة الألوان وهي تذوب مع انحسار الشمس وتتلاشى..ص9 ) .
كما لو أن الخمرة ذات الفعل المقدرة الحيوية ضامنة له لأن يرى وقد أخذه السكَر، تشهد له على هذا المصاب النوعي:
( وسرعان ما وجد نفسه في أرض أخرى، وعلى مشارف غبش مجيد يسرّب ضوءاً من فجر وشيك. رأى نفسه جاثياً قرب خشب الصليب.. يتكىء على صدره السيد المسيح، وهو يمد يده المثقوبة بمسمار الصلب، محاولاً أن يدس في يد الرسام المرتعشة خرقة الدم المنقوشة بملامح وجهه المعذب...لم يستطع أن يرسم الخرقة أو يتسلمها من يد المسيح المدماة، فقد كانت قواه خائرة، وروحه متشظية..ص11 ).
في يم الأحداث مجتمعة وعنفها
ثمة حساب للجهد الذي تطلَّبَه الاستعداد لكتابة رواية تسخّر قوى الروح في بلد جرى ويجري استنزافه بكل قواه، فليس من غرابة حين يبرز الطبيعي في عتوه، تأكيداً على هذا الكارثي، وتكون الحياة في أخفض درجاتها، لحظة الحديث عن العاصفة ومدينته:
( لم تترك العاصفة رئة للمدينة تتنفس عبرها، وظلت تعيث بها خراباً طيلة النهار..ص16).
وما يدخل بالجاري حدثاً وهول المرئي وفظاعة المآل ضرباً من اللاعقلانية التي تشهد على مدى تداعي العقلانية عينها، تحت وطأة التحدي عملياً ( ولا تدري مدن الفرات ما الذي اقترفته حتى تحيق بها لعنة السماء والأرض، كأنها مدينة في مهب الرياح..ص17) ويشار إلى ( لعنة النفط وسياسات التهميش التي اخضعت لها..ص17 ..).. وكذلك إلى ( هبوب عواصف غبارية رملية: أحجار من سجيل: التي رجمهم الله بها دون أن يعرفوا عن أي الذنوب أحل بهم هذا العقاب ..ص18 ) ..
ما يجري طبيعياً ليس بفعل طبيعة يجر ي وصفها كمشاهد للنظر، وإنما للعبرة، حيث كل وصف يمثّل شراكة فاعلة نافذة الأثر في تدوين تاريخ من نوع آخر، تاريخ يجبُّ ما قبله، ولا يُعلَم في آتيه بالمقابل، كما لو أن متاهة لا حدود لها تتوعد الجميع .
الحديث عن يم الأحداث تقريب لما هو قائم ويصدم الكائنات بشراً وشجراً وكائنات حية أخرى. إنه مخاض التيه، وليس المخر في عباب البحر تعبيراً عن سفر منشود، وما هذا الصليب الذي يعلو فضاء الرواية إلا العلامة الصارخة بمعطاها الرمزي والمدماة في العمق.
ربما بالطريقة هذه يصبح كل ما هو موجود واحداً، والمرصود واحداً، والمأساة المرعبة تتربص بالجميع.
( يرى أنطوان ألبالا، في كتابه "فن الكتابة l’Art d’écrire " (1899)، أن الهدف الأساسي من الوصف هو "إعطاء وهم الحياة". يجب أن يتجاوز الوصف مجرد سرد أو وصف؛ بل يجب أن يرسم صورة حية للمشاهد والشخصيات والأشياء. تتيح هذه اللوحة المتحركة للقراء تصوّر عالم القصة ماديًا، مما يجعله جلياً وملموساً) " 7 " .
ما يتمثله السارد في وصفه الذي يتناسل مشاهدَ مقلقة، حدادية، وسرده الذي يعوَّل عليه عدا المنسوب إليه حركياً، يعزز ما تقدم !
المجتمع المصغر للرسام
في مجتمع الأزمة الحادة، المجتمع المنذور للهلاك، أو الذي ينخر فيه الخراب، لا بد أن حدوده تضيق به، أن الحياة يجري اختزالها، وأن التفكير في الموت يكون الهاجس الأكبر، ضماناً في حده الأدنى للبقاء على قيد الحياة.
لعل الرؤية للحياة من الزاوية الفنية، وعملاً بعين الرسام، تفيدنا في تفعيل أثر مقولة: كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، وهي نفَّرية. وما رؤية السارد المأخوذة بما هو فني، إلا حصيلة هذه المكابدة في مجتمع بالكاد يُسمى مجتمعاً.
لهذا، يمكن النظر إلى الذين ترد أسماؤهم أصحاباً له، نموذجاً مدروساً في " طوفان نوح " وصراعاً مع وجود لا يؤمَن جانبه!
تلك المرأة التي تشغله نفسياً، وجملة الأصحاب: كاسر الكاتب ، ويوسف الشاعر، وأمجد المهتم بالفن:
( علاقة الفنان إبراهيم مع الكاتب كاسر..وهي حميمية..ص23 )
( وكان كاسر مثل قط برّي لا يمكن الإمساك به، أو معرفة الشواغل التي تملؤ رأسه، وكان بدائياً في هيئته.ص 25 )
علاقة بين ماري ويسوع في اللوحة وبينهما( ماري، ويسوع. الأولى ولدت في العلن، بعد أن نجح عناد كاسر وإصراره على تطويعها. والآخر ولد في الخفاء، بعد أن نجح إبراهيم بإزاحة جميع الشخوص الذين كدسهم على سطح القماش، دون هيئة تتماشى مع الصور الغامضة التي كانت تلوب في قاع روحه.ص 27). .
وعن المرأة في حياته " ( هل كان ثمة امرأة في طفولته البعيدة تطوف الحارات صباح مساء، حاملة مصباحاً زيتياً بكلتا يديها تقرع الأبواب كلها دون أن تنبس بحرف واحد، وكأنها التزمت صمتاً أبدياً ؟ امرأة تمر كطيف ملائكي تمسح بصوتها الشاحب القلوب والأرواح ... ثم تمضي دون أن تحدث صوتاً في قدومها أو رحيلها، وكأنها كائن من صمت مطبق. ص 35 . ).
( في كل مرة كان يمسك بالفرشاة، كان يستشعر رعدة خفيفة تسري في عروقه، وكأن أرواحاً حبيسة مسمرة على أطراف أصابعه، تنتظر لحظة فارقة كي تتقطر من أهداب الفرشاة دفعة واحدة .... ص 36
( كأسك أيها المسيح الفراتي، الذي لم يعد ثمة شك بأنك ها هنا..ص 38).
امرأة عارية تتوسط اللوحة تتوسط اللوحة، تغمرها مياه النهر حتى ركبتيها، فيها يغمر ضوء خفيف نصفها العلوي...تلك لوحته الزيتية الأولى ...ص39 )
( تفاعله الإيروسي اللافت مع جارته هدى التي تكبره بثلاث سنوات .ص40.. وفي مشهد إيروسي ساخن ص 42).
تتسع دائرة الأوصاف التي تزيد محتوى النص عمقاً، أو إعلاء من شأن المجاهدة النفسية، وما يتجاوز بهذه المعاناة حدود الفردي فيه، حيث إن هؤلاء الذين يستأثرون باهتمامه، يشكل نماذج حياتية مؤاسية له، وفي الوقت نفسه تشكل تعرية لواقع مأزوم، يصعب التحرك أو الإقامة فيه بطمأنينة نفسية، وبما أن مفهوم " الصليب " ينزف دماء من جهاته الأربع كما هي دلالته الجغرافية .
في تلك المرأة التي برز فيها الوصف الإيروسي واضحاً، لا يعدو أن يكون احتفاء ذاتياً بالحياة، فالإيروس معنىً يضاهي الحياة في استمراريتها، والجسد الجاري وصفه نوع من الانتشاء ونشدان خلاص، وتشهير بواقع لا يُعتدُّ به بالمقابل.
في مقدور النهر، نهر الفرات التاريخي والشاهد\ على حياة مأتميٌّ في محيطه، حيث الحياة تنعدم، وما على الفرشاة المتبصرة إلا أن تحيل الركام وما تحت الركام، أن تحيل هذا الممتد عصفاً، والمترامي الأطراف جفافاً وكوارث ، إلى مأثرة فنية: رسمية.
في حديث السارد عن الألم الثلاثي، ما يفعّل هذه العلاقة ( مثلث الألم: إنه مدهش في تشكيله. الجسد المنتحب الذي يتألم بصمت، والجسد العاشق الذي يمكن أن تقرأ التياعه، وأيضاً جسد المخلّص الذي اختار مصيره. ص 51 . ) .
والذين يحيطون به، ربما كإيجاز مسيحاني، في " العشاء الأخير" ولوذ بأمان مشدد عليه، يكون تنويراً لروحه المنجرحة، ومن خلال المتردد عما يكون في عالمه " المرسم " وما يدور في ذهنه، ومن خلال يده فنياً ورمزياً:
( وفكر" إبراهيم الفنان " بأن أغلب الإشكالات التي كان يصادفها في غمار انشغاله، والحلول البصرية التي تبزغ في مخيلته من تلقاء نفسها، كانت غالباً ما تتبلور بعيداً عما كان قد اختبره من قبل، وأنها تقبع هناك في مكان سرّي لا يمكن أن يبصر بالنظر خارج روحه.ص 60 ). .
هذا المضي قُدماً ليس إلى الأمام، وإنما ما يصل الآتي بالمضي، وينير المسافة الفاصلة بينهما، بغية النظر في المستجدات، حيث نكون إزاء لعبة الخطوط والظلال، لعبة العناصر الداخلة في خريطة اللوحة الجاري الإعداد لها، استشرافاً لآت قبل فوات الأوان.
السارد ومن خلال هؤلاء المعنيين بشئون الفن والثقافة، وفي بيئة تتنوع أدواؤها الطبيعية والاجتماعية والسياسية وضحاياها، يحاول استدعاء مختلف قواه الكامنة في الجبهة الأخيرة في مقاومة الموت الذي يعايَن هنا وهناك، وما في ذلك من أرشفة لهذه الكارثة الجمعية للآتين.
الوصف يفرض حضوره منطق الذي يصلنا بطريقة توضع الأشياء والأجسام، ويسهم في رؤيتها داخلها، وما لكل ذلك من سريان فعل تبصيري بعمل الشخصية الروائية الأكثر مثولاً للنظر. وفي ذلك ما يتطلبه الوصف لبلوغ نصاب يتنشط به السرد::
( أن يقتصر على ما تدركه أو تعرفه الشخصية من وجهة نظرها
أن يكون ذاتيًا، متأثرًا بمشاعر الشخصية ومعتقداتها وقيمها
أن يتبع تطوره منطق الشخصية) " 8 "
وفي صيرورة السرد يمارس الوصف دوره في إكساء العلاقات النصية لحمتها الاعتبارية، وفي توزع مهامها، أي ما يخرج من السارد ولا يعود إلا وهو المحمّل بما هو منوّع، ناطقاً بألسنة عديدة، تسمّي هؤلاء الذين انبنت من خلالهم الرواية .
منعطف إثارة
الفن الذي يستقطب الأحداث وينوّع بين الوصفي تكوينَ حركات، والوصفي الآخر تسمية عناصر بعلاماتها الفارقةن هو نفسه المحفّز لقول المختلف، والذي يضع كل ما حوله نصب عينيه: تاريخاً وجغرافية، ومن الزاوية التي تعنيه مباشرة.
وإذا كان كل ما يردُ في مقام السرد، أو بطريقة الوصف في ذمة النص الروائي بوصفه تخيلياً بالصيغة المذكورة، لا يكون الكاتب في معرض المساءلة عما انشغل به ودفع به ليكون مكوّناً روائياً أو صاحب إسهام في تلوين حقيقة تبقى مجازية ومن نسج التخيل.
سوى أن هناك ما يتطلب مكاشفة لحظة النظر في الوارد سرداً أكثر من كونه تخيلاً، ربما ما يشكل مكاشفة نقدية وإشهاراً لحقيقة.
حيث المنعطف هذا يتعلق ببيكاسو، ولوحته ذات الصيت " غرنيكا " أو " جورنيكا " في النص، كما في الحديث عن بيكاسو:
( استطاع عن سابق نية أن يخضع المشهد الفني لمزاجه الشخصي، ولروحه المتمردة مثل روح بهلوان..ص64 )
وتالياً، وهو المهم، مع أمجد مخاطب صاحبيه إبراهيم ويوسف حول بيكاسو:
( أتعلمان أن الجورنيكا مأخوذة من لوحة دافنشي المفقودة " معركة أنغباري "، لقد قارنت اللوحتين بمحض الصدفة، حين كنت أجري قبل أيام بعض التخطيطات لقصة جديدة، ووجدت أن بيكاسو سرق حرفياً من دافنشي حصانه الشهير، كما سرق ملامح وحركات جميع الأشخاص في اللوحة، بالإضافة إلى التكوين نفسه. حتى انه سرق حركات الأ{جل والسكين التي أفلتت من قبضة المحارب المسجّى أسفل اللوحة. إن بيكاسو لص لعين.. لكنه عرف كيف يحوّز اللوحة كلها، ويعيد رسمها بطريقته الخاصة. ص 65 . ) .
هذا القول لا تعليق عليه في النص، لا رد فعل، ولا متابعة له. يأتي ذكر " حقيقة " كهذه، والانتقال إلى وصف آخر وحلقة سرد أخرى .ثمة ما هو تقريري!.
ربما يكون في الجاري ذكره استفزازاً، يقلق بنية النص الروائي، حيث المذكور ليس مجرد افتراض، وإنما ما يكون يقيناً. أي حيث يصبح بيكاسو" لصاً " أي حيث تصبح غرنيكا لوحة مسروقة من لوحة دافنشي " معركة أنغباري " !
من أي مصدر جرى اقتباس هذا القول، حيث الفارق كبير بين لوحة تمجد انتصاراً لمعركة سنة " 1505 " ولوحة تسجل إدانة كاملة لكل ما هو همجي يخص القرية الإسبانية التي جرى قصفها وتسويتها بالأرض سنة " 1937 ".
وكما تابعتُ في أكثر من مصدر أنه ( لم يبقَ شيء من اللوحة الجدارية التي تُصوّر معركة أنغياري اليوم. حتى قبل اكتمالها، تدهورت ألوانها. يبدو أن ليوناردو أراد تجربة وصفة جصية وُجدت في عمل كتبه بليني الأكبر (23-79 ميلاديًا). يُقال إن الألوان بدأت بالتلاشي بعد أن أشعل نارًا عند أسفل الجدار لتسريع جفافه. بعد أن ثبطه مايكل أنجلو، وسخر منه، وسخر منه (مع أنه لم يُكمل اللوحة الجدارية التي كُلّف برسمها)، تخلى ليوناردو عن عمله.) " 9 "
و( يرى الناقد روبرت هيوز أن "غيرنيكا" تُعدّ "آخر عملٍ عظيم في التاريخ". كما كانت آخر لوحةٍ فنيةٍ بارزةٍ تُخرج موضوعها من الشئون السياسية بهدف تغيير نظرة الناس إلى السلطة. ) " 10 "
ثمة نوع من المرافعة القضائية لصالح دافنشي صاحب لوحة " العشاء الأخير " ضداً على بيكاسو ومحتوى فنه بالذات. وإذا كان في ذلك ما يحفّز على النقاش والتفكير بصورة أعمق، سوى أن طرحاً كهذا يستوقف تاريخاً، ويحصره بين قوسين، انحراف في مسار السرد.
مسار العشاء الأخير والمؤجل
حركية الأحداث المرفقة بأوصافها تعمق ما هو خلافي، ما يكون تعبيراً عن تنام ٍ في وهم المنشود.
( مصائب تتكثف: من انتحار نجوى، حرائق مشابهة على الضفة الأخرى، وقود جديدة لشركات النفط ، تنقيب على قدم وساق. ارتجاجات أخرى تهز أركان المدينة. أنواع جديدة من الخنافس السوداء تكتسح الشوارع والبيوت بقدرة قادر، وتختفي بقدرة قادر. مهن جديدة، ومقاصف جديدة تنتشر في أماكن مختلفة من دير الزور. راقصات ومطربات بأصوات نشاز، يحيون ليال من المجون والوعود الفارغة..ص75).
وما يقرّب الرسام من روحه تعزيز لعلاقة تتوتر وتتقطع مع الخارج:
( لسبب ما قد يحمل الرسام وزر حياته وحياة الكائنات التي يرسمها .ص79).
وما يجعل المكان الذي كان ذات يوم الملهم للرسام، ومحط الألم والفجيعة، مبعثاً لرثاء جارح:
( لعل دمشق ما تزال جاثمة مثل حجر المرساة في قاع روحه السحيق، لا يستطيع أن يقتلعها دون أن يقتلع قلبه، ولا يستطيع أن يبقي عليها، دون أن تطبق عليه أبوابها السبعة .ص 85 ).
وما يصله بسواه في مأساوية هذه العلاقة ، أي : بسام الراعي:
( بسام الراعي وحده يمكن أن يكون غفراناً لكل خطاياها. بسام، الشاعر الذي اعتزل دمشق بكل ما فيها، وفتح بابه وقلبه إبراهيم، يقاسمه اللقمة والقصيدة والهم.ص 86 ).
وما يبقيه في مواجهة نفسه. وما الذي يمكنها تحمّله والاحتفاظ به، والسعي إلى التحرك والنظر إلى البعيد تفاؤلاً:
( هل يبحث الحب عن الأرواح المتصدعة والقلوب المكلومة، حتى يسكن فيها، تماماً مثلما يبحث عن الأجساد التي أسرفت في خطاياها، وأنهكتها كثرة التنقل من جسد لآخر، حتى يأتي متنكراً بإهاب جسد مخلّص؟ ص 109 ).
طي " العشاء الأخير " ما ليس مضموناً في المتوخى منه، إنما هو المجهول، هو العزاء الذي يكون في أرض يباب ومجتمع يباب، ومحاولة استنهاض القوى الكاملة، وقد استنفد الكثير منها بعد هذه السنين الطوال ونوعيتها المرعبة في سوريا، كما هو مقدَّر:
( عندما يعود من رحلته، بعد أن يكون قد قطع سموات وعبر أفلاك لا حصر لها، سيكون قد حاز طريقاً آخر نحو نفسه، تلك التي سيجدها ما تزال تتوهج تحت شجر الصفصاف في حويجة الدم.ص 137. ).
وهو يلوذ بما يؤاسيه بينه وبين نفسه، بما يمد في مضاء عزيمة روحه المثقلة بالخيبات:
( في المرسم كانت القناديل العائمة في خفايا الكهف، تجلو حيرة أخرى.. إنها في هذي الساعة من الكشف، تطفو في رأسه مثل إشارات مستعادة.ص139). .
وما يمنح التخيل تعويذة الرجاء الأخير في النظر من عل، وتنوير الجاري وهو في يبابه وخرابه، والرهان على أمل وا، حيث الصقر يرفع من شأنه، مجالاً اقتناصياً للحظة تسهم في ترطيب الحالة:
( الصقر الآن يحوم في عليائه. لا ظل له على البسيطة. ولا أثر له في سموات المدينة. ربما رفيف أجنحة فقط، ذاك الذي يُسمع في أوردة الرسام، حين يهبط عتبات الدرج بخطى ثقيلة، كأنما يهبط أدراج نفسه، وهو يتلمس الطريق إلى غرفة نومه كي يندس في فراشه البارد، غير أنه، وما أن يضع رأسه على الوسادة، حتى يتناهى إلى سمعه صوت صرير حاد يجرح سكينة الليل، راسماً على فمه طيف ابتسامة خفيفة، قبل أن يغمض عينيه على لوحة العشاء الأخير، ويغط في نوم عميق.ص 140) .
ما أشد ثقل الوصف وأمضاه في إيلامه، وأقساه في توقيف السرد، ليكون هناك الزمن الكافي لتبين حقيقة هذا الوصف وهو ليس خطياً، ليس مجرد تلويناً للأشكال، إنما الإصغاء إلى شهادتها، فحين تخرص الكائنات الحية، حين تصاب بالصمم والعمى، ويشلها الرعب كثيراً، تتقدم الأشكال الخاصة بالأجسام، ومن خلال أوصافها، لتمد في عمر اللعبة، لعبة الرسم كفن، ولعبة الفن، كعربة أثر لتاريخ يُراد له أن يستمر، أن ينتظر من يقلبه على وجوهه، وأن يحفّز على رؤية الآتي رغم كثافة الحطام وثقله، وما العشاء الأخير، هنا، وبنسخته المأثورة، إلا حيلة العاجز عن القيام بفعل يبعث الحياة في أوصال المجتمع الذي يعنيه أمره، لتكون حيلة الفن في معايشة الحياة والرهان عليها، فإذا كان في " العشاء الأخير " من يكون الطاعن في سيده المسيح، في المرتجى راهناً، فثمة من يكون جديراً بالنظر إليه بابتسامة حياة.
غرنيكا" جورنيكا " شهيدة ما هو إنساني، إلا إنها في الوقت نفسه شاهدة على استمرارية الإنساني، وزوال متطفليه متلبسين بالعار..
مصادر وإشارات
1- ميشيل فوكو: الكلمات والأشياء،الترجمة عن الفرنسية فريق مركز الإنماء القومي، باريس- بيروت،1989-1990، ص29-30.
منشورات رامينا، لندن، ط1، 2025، في 142 صفحة من القطع الوسط..
يُنظَر في النص الفرنسي، حيث وضعت المقتبس في الترجمة العربية ببضع كلمات من الفرنسية
Michel Foucault: Les mots et les choses, Paris, Gallimard, 1966,P:11-12
2-إسماعيل الرفاعي: نقوش على خشب الصليب، رامينا، لندن، ط1، 2025، في " 142 صفحة من القطع الأوسط. والكاتب من مواليد سوريا" الميادين/ دير الزور" 1967. حصل على بكالوريوس فنون جميلة من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وهو عضو نقابة الفنون الجميلة بسوريا، وعضو جمعية الإمارات للفنون التشكيلية..له أيضاً:
«أدراج الطين»، رواية، دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة، 2006...والإشارات المرجعية التي تخص روايته سترد في المتن!
3- Laurent Jenny : Méthodes et problems” La description “
لوران جيني: المناهج والمشاكل" الوصف “
4- NARRATION ET DESCRIPTION,emile.simonnet.free
السرد والوصف
5- La description en littérature : 8 Conseils clés, risques et opportunités. Accueil
الوصف في الأدب: 8 نصائح رئيسة، ومخاطر، وفرص.
6- Stéphane ARNIER: Adapter sa description à sa narration
ستيفان أرنييه: تكييف وصفك مع سردك
7- Pourquoi la Description est Essentielle dans le Roman et la Nouvelle
لماذا يُعدّ الوصف أساسيًا في الروايات والقصص القصيرة؟
8- Stéphane ARNIER: Adapter sa description à sa narration
ستيفان أرنييه: تكييف وصفك مع سردك
9- Anghiari, Florence et Michel-Ange
أنغياري، فلورنسا، ومايكل أنجلو
10- Hervey : Florence : « Histoire d’un raté monumental : Vinci et Michel-Ange » IV Quatrième épisode : Influence et héritage.
هيرفي: فلورنسا: "قصة فشلٍ ذريع: فينشي ومايكل أنجلو" الحلقة الرابعة: التأثير والإرث
للتوسع، ينظَر في كتاب جون بيرجر: بيكاسو " نجاحه وإخفاقه "، ترجمة:د فايز الصيّمنشورات المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2010، صص 232-241.
المصدر: الأنطولوجيا
0 تعليقات