ملمس الحكايا الخفية
في روايتها "ملمس الضوء" ، تنسج الكاتبة الإماراتية نادية النجار عالماً سردياً يقوم على استكشاف الحواس والذاكرة والتحولات الاجتماعية، عبر بناء روائي يزاوج بين البعد الإنساني والتوثيق الثقافي. وتطرح الرواية سؤالاً مركزياً عن ماهية الإدراك الإنساني، من خلال شخصية نورة، الفتاة الكفيفة التي تعيد تشكيل العالم اعتماداً على اللمس والسمع والشم، لتغدو الحواس الأخرى وسيلة لإنتاج معرفة مغايرة بالوجود.
لا تتعامل الرواية مع العمى بوصفه فقداناً لحاسة البصر، وإنما تنظر إليه باعتباره تجربة تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومحيطه. فالعالم الذي تدخله نورة لا يقوم على الصورة المرئية بقدر ما يقوم على الأثر والإيقاع والرائحة والملمس. ومن خلال هذه الرؤية، تفتح الرواية باباً للتأمل في حدود المعرفة البشرية، وفي قدرة الإنسان على تعويض النقص الظاهر بإمكانات كامنة أكثر عمقاً.
وتنجح نادية النجار في توظيف هذه التجربة الفردية لتقديم صورة أوسع عن المجتمع الخليجي في مرحلة ما قبل النفط، حيث كانت التحولات الاجتماعية والثقافية تتشكل ببطء، وسط منظومة تقليدية تحكمها الأعراف والعلاقات الأسرية. ولا تأتي هذه الخلفية التاريخية على هيئة مادة توثيقية جامدة، وإنما تتداخل مع مصائر الشخصيات لتكشف أثر التحولات الكبرى في تكوين الوعي الفردي والجماعي.
ويبرز حضور المرأة في الرواية بوصفها فاعلاً أساسياً في هذا العالم المتغير، إذ تواجه ضغوط المجتمع وتقاليده، وفي الوقت نفسه تبحث عن مساحة خاصة تحقق فيها ذاتها. ومن خلال هذه المقاربة، تتجاوز الرواية حدود السرد الشخصي لتقدم قراءة اجتماعية لمرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة.
ومن الجوانب اللافتة في العمل توظيف الوسائل التقنية الحديثة داخل البناء السردي. فاعتماد نورة على التطبيقات الذكية التي تساعدها على القراءة والتعرف إلى الأشياء المحيطة بها لا يؤدي وظيفة عملية فحسب، وإنما ينسجم مع الفكرة المركزية للرواية؛ وهي أن المعرفة فعل متجدد، وأن الإنسان قادر على توسيع مداركه كلما وجد الوسائل التي تمكنه من ذلك. وهكذا تتحول التكنولوجيا إلى امتداد للحواس، وإلى جسر يربط بين محدودية الجسد واتساع الإدراك.
وعلى المستوى الفني، تعتمد الرواية لغة هادئة تميل إلى الوصف الحسي، وهو اختيار ينسجم مع طبيعة بطلتها التي تبني عالمها من التفاصيل الصغيرة. كما أن الانتقال بين الأزمنة المختلفة يمنح النص بعداً تأملياً، ويجعل الذاكرة أحد محركات السرد الأساسية، فيتداخل الخاص والعام ضمن نسيج روائي متماسك.
ومن الطبيعي أن تستدعي هذه المعالجة المقارنة مع رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو، وإن كانت نقطة الالتقاء بين العملين تقتصر على ثيمة فقدان البصر. ففي رواية ساراماغو يتحول العمى إلى استعارة لانهيار القيم وهشاشة الحضارة الإنسانية، حيث يصيب المجتمع بأكمله ويفضح طبقاته الأخلاقية. أما في "ملمس الضوء"، فإن التجربة تتجه نحو الداخل، لتبحث في قدرة الفرد على إعادة اكتشاف ذاته والعالم من حوله. وإذا كان العمى عند ساراماغو يقود إلى الفوضى، فإنه عند نادية النجار يصبح طريقاً إلى الوعي وإعادة تعريف العلاقة بالحياة.
ومن هذه الزاوية، تقدم "ملمس الضوء" قراءة إنسانية تتجاوز موضوع الإعاقة إلى أسئلة الهوية والإدراك والمعنى. فهي رواية عن البصيرة أكثر من كونها رواية عن العمى، وعن قدرة الروح على تجاوز القيود التي يفرضها الواقع. كما تضيف إلى السرد الخليجي بعداً فنياً وفكرياً يستثمر خصوصية المكان والثقافة المحلية، دون أن يفقد انشغاله بالأسئلة الإنسانية الكبرى التي تجعل الأدب قادراً على مخاطبة القارئ في كل زمان ومكان.
0 تعليقات