سلمان زين الدين 

يشكل العنوان في الرواية الرابعة عشرة "أنطاكية وملوك الخفاء" للروائية السورية لينا هويان الحسن، الصادرة عن دار التنوير، مفتاحاً مناسباً للمتن، ويرهص بمكان الأحداث وطبيعتها. فأنطاكية مدينة في شمال سوريا جرى سلخها عنها وإلحاقها بتركيا خلال مرحلة الانتداب الفرنسي. و"ملوك الخفاء" تركيب إضافي، ينتمي المضاف فيه إلى الحقل المعجمي للسلطة، وينتمي المضاف إليه إلى الحقل المعجمي للغيب، ما يشي بتداخل السلطتين الزمنية والغيبية، وتحكمهما في مسارات شخوص الرواية ومصائرها في المكان الروائي، في اللحظة التاريخية التي تجري فيها الأحداث، وهو ما نجد ترجمة فعلية له في متن الرواية.

بين الخفاء والتجلي يتحرك متن الرواية. يتمظهر الأول في بعض الأساطير التي تتمحور حول مجموعة من الملوك الآلهة. ويتمظهر الثاني في حكايات الشخوص الروائية المختلفة. وتتخذ الحركة بين الحيزين شكل العلاقة الجدلية، فيؤثر أحدهما في الآخر ويتأثر به. وعلى الرغم من أن حيز الأسطورة هو الأصغر في النص، فإن تأثيره في حيز الحكاية هو الأقوى، ما يطبع الفضاء الروائي بنوع من الواقعية السحرية، ويتناسب مع العالم المرجعي الذي يحيل إليه، حيث يطغى نمط الإنتاج الإقطاعي على ما عداه، وتتحكم الغيبيات بأنماط التفكير.

نقاط التقاطع

في روايتها، ترصد الحسن التحولات الاجتماعية، في الريف السوري الشمالي، خلال التحول من النمط الإقطاعي للإنتاج إلى النمط الدولتي، في النصف الأول من القرن العشرين. وهي تفعل ذلك بالتحديد من خلال رصد أثر التحول على مجموعة من النساء، وتأثيره في أفكارهن وحيواتهن، المتمحورة حول قصر الباشوات من آل منجوك، المبني على تلة تحمل اسم ربة الحب "عشيرة"، بين قريتي: "نيكال التي تحمل اسم جنية تعيش وتتعبد وفق حركة منازل القمر، وشباش التي بنتها جنية تسير حياتها وفق حركة الشمس" (ص12). وهكذا، لا يقتصر تجادل الأسطوري الواقعي على الشخوص والأحداث، بل يشمل المكان الروائي أيضاً. على أن سير النساء المرصودة في الرواية تتقاطع في النوع، عند نقاط معينة. نذكر منها: الغموض الذي يكتنف أصل كل منهن، والتعرض للاستغلال الذكوري في مرحلة عمرية معينة، والنزوع نحو التمرد والاستقلالية، وتحرير المكبوتات الجسدية والنفسية، ومواجهة الرجل، والجمال الآخاذ. وتفترق في درجة كل من هذه النقاط. وإذا كانت النقاط الآنفة تتعالق مع وجود الرجل في حياة كل منهن، فإن هذا الوجود لم يكن إلا لإبراز المرأة، في قوتها وجمالها وحضورها الآسر، ما يجعل من "أنطاكية وملوك الخفاء" رواية المرأة بامتياز.

ملوك الخفاء في أنطاكية هم: الملكة نيخا الجنية التي تتمتع بقدرات خارقة روضت بها نهر العاصي وأجبرته على تغيير مجراه، والملكة عشيرة جنية الجسد وحافظة أسرار الأنوثة المغوية، والملك باخوس سيد الخمرة، وشام ملك الجاذبية. ولهؤلاء تأثير يتمادى في شخوص الرواية، من خلال الحكايات المنسوجة حولهم، والخوارق المنسوبة إليهم. أما ملوك الظهور فيها فهم باشاوات قصر منجوك الإقطاعيون الذين يتوارثون السلطة، ويمارسونها على الأرض ومن عليها، فيتخذون من الرجال خدماً وفلاحين، وينكحون من النساء ما طاب لهم، دون حسيب أو رقيب. وإذا كان تأثير الأوائل من الملوك خفياً لا يمكن إدراكه مباشرة، فإن تأثير الأواخر ظاهر معلن ويمكن إدراكه بالعين المجردة.

تجسد سلوكيات الأخوين التوأمين كيوان وعوني أرشدان السلوك الإقطاعي في الرواية، في أبشع صوره، لا سيما حين يوغل كيوان في انتهاك أعراض نساء الفلاحين في قريتي شباش ونيكال الخاضعتين لسلطته، ويترتب على ذلك انتحار بعضهن برمي أنفسهن في النهر. وبذلك، يصبح جسد المرأة نقطة ضعفها، غير أن بعض النساء يحولن الجسد إلى نقطة قوة، ويشهرنه سلاحاً في وجه فحولة الإقطاعي، ويتمكن من ترويضه. وتأتي تطورات خارجية، تحدثها السلطات المتعاقبة، بسن القوانين وإطلاق شعارات الاشتراكية والتأميم، لتكمل عملية التحول الداخلي التي بدأتها النساء، وتقضي على النظام الإقطاعي، فيتحول قصر منجوك المبني على تلة عشيرة إلى مكان مهجور، في نهاية الرواية، في إشارة روائية إلى أن ما يبنى على الخفاء آيل إلى الاختفاء. على أن المفارق في الرواية هو أن مواجهة التسلط الإقطاعي الذكوري تقتصر على المرأة دون الرجل.

المتمردات الثلاث

تتعدد آليات المواجهة في "أنطاكية وملوك الخفاء"، وتنخرط فيها ثلاث نساء، على الأقل، تقوم كل منهن بدور فيها، حتى إذا ما تضافرت جهودهن مع التطورات المحيطة بهن، تحقق المواجهة أهدافها؛ أولاهن فهرية، ابنة العائلة الإقطاعية، التي تتميز بالجاذبية والفتنة وتتقن لعبة الأنوثة، وتقوم بممارسة التمنع عن ابن عمها كيوان على الرغم من حبها له، وتصفع ابن عمها الآخر عوني لدى تحرشه بها، وتتصرف بجسدها انتقاماً من كيوان وشقيقتها بدرية اللذين تزوجا عن طريق الخطأ، وترتبط بعلاقة وثيقة مع دادا الحرة المتمردة، ولا تتورع عن الانخراط في علاقة حميمية مع سيزار الفايز والاتفاق معه على الهرب على الرغم من اختلافهما في الطبقة والدين، ما يجعل أختها بدرية وابن عمها عوني يتربصان بها الدوائر تصفيةً لحسابات قديمة، فيقوم الأخير بضربها وإلقائها في النهر، ومغادرة البلدة.

وتبلغ المواجهة ذروتها مع ثانيتهن عدوية زيغول الملقبة بـ"دادا"، خارقة الجمال، المغنية والراقصة المعتدة بنفسها، المنطوية على خبرة كبيرة وثقافة واسعة، فتقبل عرض عوني للزواج، عشية لقائه بها، في حفل غنائي راقص، في منزل القنصل الإسباني الجبلي المطل على ميناء أنطاكية. وتأتي معه إلى قصر منجوك، فتحدث فيه انقلاباً جذرياً في حياة أهله. وتتمظهر مواجهتها في: قول ما تفكر فيه، والتصرف كما تريد، ورفض الفصل بين الجنسين، وتعليق صور نجوم السينما في غرفتها، وممارسة الغناء، ووضع تمثال فينوس العارية في حديقة القصر، وتشجيع فهرية وفجر على الاستقلالية، وامتطاء الخيل، وقيادة السيارة، وصولاً إلى الانخراط في علاقة حميمية مع كيوان، على ما بينهما من غرام وانتقام، بعد طلاقها من زوجها.

الثالثة فجر اسطفان، الفتاة الجميلة، المتحدرة من أبوين غير سويين، تقع بين براثن كيوان بالصدفة، فيضمها إلى لائحة ضحاياه، غير أن جمالها وذكاءها وحسن تصريفها للأمور تجعله يتزوجها بعد أن يغير اسمها ودينها، فتجنب جنينها مصير إخوته الكثيرين من نساء أخريات تولت طبيبة بولندية إجهاضهن. ويأتي تعرفها إلى دادا، خلال عودتها القصيرة إلى القصر، ليشحنها بمزيد من القوة والثقة بالنفس، تستخدمهما في ترويض كيوان، وتنجح في ذلك. على أن اللافت، في هذا السياق، هو تعدد المنابت الدينية أو العرقية أو الطبقية للنساء الثلاث؛ ففهرية ابنة عائلة إقطاعية أنطاكية، ودادا ابنة أم يهودية حلبية، وفجر ابنة أم تركمانية. وهذا التعدد لم يحُل دون انخراطهم في المعركة نفسها، تلك التي انجلت عن قيام المرأة بتثبيت حقها في الحياة الحرة الكريمة في وجه الذكورية الإقطاعية، من جهة، وتحلل السلطة الإقطاعية، فيبيع عوني حصته من الإرث إلى كيوان بالعملة الذهبية ويقوم بتبديدها على موائد القمار، ويفقد كيوان قصره، ويبيع مالكاناته، ويغادر سوريا إلى بيروت ليمارس أعمالاً أخرى، من جهة ثانية.

"أنطاكية وملوك الخفاء" إضافة نوعية إلى مسيرة لينا هويان الحسن الروائية. تعكس ثقافة واسعة، وحرفية عالية، وأنماطاً كتابية متنوعة، ومستويات لغوية متعددة.

عن إندبندنت عربية 

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم