قراءة في رواية "أيام فان غوغ الأخيرة" لأليسون ريتشمان
تذكرت هذه المقولة لأنسي الحاج أثناء مطالعتي لرواية " أيام فان جوغ الأخيرة": فكرة لعدم كتابة سيرة ذاتية: إذا أخفيت عيوبك فعبثا تكتب وإذا كشفتها ستبدو مغاليا في الوقاحة وكأنك تمثل أو كأنك تبيح شيئا لتخفي أشياء، دع غيرك يكتبها عنك، عيوبك تحت قلمه ستبدو كأنها عيوبه وأما فضائله فالذي لن يصدقها هنا، لن يصدقها هناك".
وجدت أن من تكفلت بحياكة سيرة الرسام في ظرف زمني محدد حسب ما يؤكده العنوان نأت تماما عن هذه المهمة عن قصد، لتمنح شخصيات أخرى فرصة لإثبات الحضور باعتبار أن فان غوغ لا حاجة له لمزيد تأصيل الكيان فإبداعه تكفل بذلك وحفر له حيزا ليلقي بذور خلوده في أديم التاريخ..
لا يعني ذلك أن هذه الرواية تجاهلته أو وهبته مكانة ثانوية وإنما جردته من غلالة التقديس على المستوى الإنساني لتثبت انحيازه الأناني لفنه إلى درجة أن مشاعره غدت مبرمجة بشكل مسبق ليقسم العالم إلى مواضيع جديرة أن يوثقها بطريقته في لوحة وأخرى يسقطها من انتباهه،
في هذا السياق: أطرح أسئلة تتعلق بالسيرة أولا ك" قالب" أدبي يستعصي على الضوابط المحددة له ليتخذ مسارات مختلفة إلى درجة الابتعاد عن الهدف الأساسي وهو توضيح لمحات حياة شخص معين، ليستغل السارد هذا المجال لنفسه..
هل من الصعب الاقتصار عند كتابة السيرة على ما يتعلق بشخص بعينه دون استدعاء الآخرين الذين أثثوا وجوده مكانا وزمانا وأحداثا؟..هل يستمد صاحب السيرة أهميته الوجودية من هؤلاء الذين سيبقون في الظل ليستمتع وحده بالضوء..ولا يعاملهم بالمثل إذ لا يمد لهم اهتمامه ليجذبهم نحوه كما سبق وفردوا لهم أيديهم ليستنهضوا قريحته ورصفوا وقتهم جسرا ليعبر عليه؟
هل أحب فانسون مارغيت..بنت الطبيب الذي تكفل بعلاجه وربما كانت أعشابه سببا في تدهور حالته وتفاقم توتر أعصابه وحفزته على الانتحار؟
..مارغريت الساردة والبطلة في هذه السيرة، لم تبادلها الاهتمام سوى الابنة غير الشرعية لأبيها الذي أبقاها سرا يخشى أن يفضح..لا يمكن أن نسمي ما حبتها به من مشاعر ودا وإنما هو عطف ناتج عن تفهم، والأخ المفتقر إلى شخصية والباحث عن نسخة يحتمي بها من مواجهة فراغه وعدم اعترافه بعدم تمتعه بالموهبة لسبب بسيط أنه لا يعرف المبدأ الجوهري الذي يتغلغل في روح الفنان وهو أنه يبدع إرضاء لقريحته ونداءاتها اللحوح وليست غايته قبل الانطلاق أن يبهر الآخرين بمنجزه، فالتميز نتيجة طبيعية لدى المبدع الحق وليست سرابا يلهث ليصله فيشتد ظمؤه لا غير،
هي سيرة مارغريت التي لم تذبلها قسوة واقع وبقيت روحها تعبق بالمحبة، روح مبدعة في العزف على مفاتيح البيانو وعلى مشاعر الروح، لذلك ظلت متجذرة في هذه السطور تصارع بعناد ريح الأب السموم التي اقتلعت حقها عن سابق إصرار أن تكون لها حياتها الخاصة وسجنتها لخدمته، لكن هذا الأسر لم يذبلها بل تشبثت بقلب فنان، حسبت أنه نجاتها فلم يكن سوى إضافة لقيد آخر في مجموعة أغلالها، لأنه رغم ادعائه حبها إلا أن سلوكه يشي أنه لم ير فيها سوى موضوعا للوحات لا غير، لأنه أيضا عجز عن حب نفسه ويرى أنه عالة على غيره وما تحلى بشجاعة لتغيير وضعه من أجله أو من أجل من توسلت له أن يخلصهما..ليختار مرة أخرى نجاة فردية بطلقة في الصدر تاركا جرحا غائرا في قلب من أحبته ينزف بالذكرى ويستبد الوجع قدرا.
أستعيد مقولة مصطفى محمود التي مفادها أن الحب ترياق وإن لم يشف أحدا إلى الآن فلأننا لم نعرف كيف نحب..
في هذا السياق، تتبلور ملاحظة مهمة تقلقل معتقدا ثابتا وتدعو إلى " ضرورة تعلم الشك في المشكوك فيه تعلما"، إذ يكاد البعض يجزم بأن جميع الفنانين يتمتعون برهافة الحس التي تجعل أرواحهم عامرة بالمحبة أخذا وعطاء مسألة لا جدال فيه والحال أن هذه الرهافة قد يقصرها الفنان على فنه لا غير فتتسع رؤاه ويهب ذاته قربانا لعمله ويتخلى عن نفسه إنسانيا أي تضيق بصيرته، فهو قد يتمكن من رؤية ما لا يبصره غيره في مجال فنه لكنه خارج هذا السياق لا يستطيع أن يبتكر الحب ولا يبدع في مجال العلاقات الإنسانية..
هنا، يطرح مجددا تساؤل حول قيمة الفن وأهميته لتمتين الصلات الوجودية لتحسين الجودة الحياتية والارتقاء بالنفس في مرحلة أولى لتطوير إحساسها بشعور الإنسان وجعل الأثر فعلا نابضا محفزا على إيلاء العناية بمختلف المخلوقات عن طريق اللون الذي يجدد الحماس ويجابه العادة ،والشكل الذي يستنهض الحركة وغيرها من التقنيات الفنية التي لا يجب قصر دورها في لوحة وينتهي الأمر فاللوحة في حد ذاتها مسلك يقود للاستمرار في البحث،
هنا، يتوضح الموقف المزدوج الذي يمكنه ان نستشفه من منهج فان غوج الذي تشبث بالرمزية وما توفره من مساحات قابلة للتأثيث عند تأمل اللوحة من جهة ومن جهة أخرى، قام سلوكه على الفن من أجل الفن إذ يلتحم مع لحظة الخلق ليتوقف به الأمر عند هذا الحد ولا يكمل مهمته كخالق وهي وظيفة متواصلة تلي الرسم، يخلف نفحة من روحه في المنجز ولا يعترف بقيمة أي شيء حوله ما لم يأسره بألوانه وخطوطه..أي لا يعترف بوجود الغير كذات متفردة فهو الذي يمنح التفرد أو يحجم عن هذا العطاء..
أعود إلى اقتراح أنسي الحاج أن يتولى آخر كتابة سيرة ذاتية تجنبا للتبجح أو مداراة للعيوب، لأجد أن حتى هذا السعي غير مضمون النتيجة، لأن المناقب كالمساوئ نسبية، ولا يمكن الجزم بما أن هناك طرفا واحدا يتحدث حسب وجهة نظره وهو ما يمنحه كل الحظوظ للتعبير كما يشاء..خاصة إذا امتلك كمارغريت الساردة في هذه الرواية السيرة ملكة فنية عالية إذ أنها تجيد الرسم بالكلمات فحولت حديثها عن أيام فان غوخ الأخيرة إلى معرض من اللوحات التي تضج فيها الحياة ويمكن للقارئ أن ينصت إلى وجيب الحزن في ألوان الأحداث الصارخة حينا والباهتة حينا آخر ويستطيع أن يشم عبق الأزهار والمخبوزات والأطباق التي تفننت في إعدادها ورؤية بقع الضوء في لوحة وجودية قاتمة..لولا الإيمان أن ساعة من المحبة قد تنير ..قد تشبع..قد تقتل الوهم لتعيش الذاكرة وهي تبدع وجعا حقيقيا.
0 تعليقات