قراءة في رواية "أشياء تسقط من السماء".. لسيلجا آهافا
بعد قراءة الرواية أدركت أن بعض السرد يذبح ويسلخ ويقص ويوزع ويخبئ ويطبخ ويشوي ويرمي الذات حفنة من عظام..هل ستفلح هذه العظام أن تلعب دور المفاتيح للأحداث التي تستغلق على الفهم والتفسير؟
يشعر المرء أحيانا بالذل أمام جهله..لأن هذا الجهل لن ينفع معه محاولة، بل كل سعي سيفاقمه،
رواية تتكدس فيها الأسئلة دون أن يلحظ القارئ ركاما بل على العكس هناك لطف متوحش في عرض الفكرة، لا تنتبه إلى توحشه إلا حين تكتشف أن الفكرة مدت مخالبها وعوض أن تخنق حيرتك تدمي يقينك وتتركه نازفا وتنأى..ليس المخيف هذا النزف وإنما ما تكفل الخوف برتقه من جراح بشكل عبثي..ما الحد الفاصل بين العبث والقدر والصدفة والحظ، محامل دلالية توزع بشكل عشوائي أو لحكمة ما، فيكون نصيب البعض مهما وضع في وجوده سيفقده لأن الحامل مثقوب ..قد لا يثقل عليه غير أن يداه الممتدتان الحاضنتان تبتران ويبقى الفقد حملا يثقل على الذاكرة التي تحيا بالتفاصيل..
قد يمتلئ هذا الحامل دون جهد مرة فيسعد صاحيه ثم يكتظ من جديد فيتسبب كرم الصدفة هذا في رجة وجودية ورفض للتصديق لأن الوفرة بدورها تستنبت علامات استفهام،
تبدأ الرواية بسرد الطفلة التي توضح كيف فقدت أمها فجأة بسبب حادث لا يخطر على البال، لكنه يحصل إذ سقطت كتلة جليدية من السماء ففصلت الرأس عن الجسد وتحول فعل البستنة الذي كانت قبل دقائق تتفنن فيه، ملطخا بالدماء
اجتهد الأب حتى لا ترى ابنته المشهد الشنيع..لم تبصره، غير أن الذهن ظل يتصور، لذلك بعض محاولات التخليص ليست مفيدة ولا تضع حدا للكارثة وتسمح لها أن تمد جذورها في المخيلة..
اعتادت الأم أن تتخيل نهايات أخرى للقصص أو تتركها دون نهاية وتبدأ في اليوم التالي في أخرى..نعود في هذا السياق إلى سؤال:" ترى هل نحن من تعمد اختيار أقدار بسيناريوهات شبيهة حين سمحنا للقريحة أن تعبر بكل صدقها عن لحظة عابرة..لكنها، لسبب ما تأبدت،
خاتمات قصص الأم ليست سعيدة وتركها القصص مبتورة يحيل إلى وجودها الذي لم يسر وفق المعهود من النهايات بل توقف في لحظة ما..وهذا لعله ما يعمق بؤرة الوجع..ذلك الحدث المفاجئ، رغم كون الذات تسلم بحتمية الموت، غير أنها تطالب بتهيئة ما يسبقه حتى تستعد الروح..لعل ذلك يهون لوعة الفراق..
لأن غيابا دون مقدمات يعتبر جريمة يرتكبها القدر في حق القلب، وهو ما جعل الفتاة تستدعي ذاك المحقق الهولندي الذي تابعت مع أمها وأبيها حلقات كشفه للقضايا، اعتقدت أنه ينجح أيضا في إيجاد الجاني وتصاب بخيبة أمل حين تكتشف أنه وقف بدوره عاجزا لذلك تطرده..أي تقصي جزءا أثث ماضيها
تواصل العمة السرد..فهي تربح مرة الجائزة الكبرى لليانصيب ثم تربح ثانية..فيفاجئها هذا الحظ الجيد إلى حد الصدمة فتنام شهرا تقريبا..لا تستيقظ إلا دقائق لتشرب أو تأكل،
ثم تستفيق وتتواصل عبر الرسائل مع شخص يعتبر نقيضها على مسوى الصدفة وقد تعرفت عليه عبر وثائقي، فقد أصابته الصاعقة خمس مرات..تؤذيه دون أن ترديه..تبادلا حوارات تدور أغلبها حول أشخاص آخرين تميزوا أن القدر كان لهم بالمرصاء سواء بالإحسان أو الإيذاء..
في هذا المستوى، لاحظت أن الذات تستبسل كي لا تكون وحيدة في تجربتها الوجودية، تريد أن تطلع غيرها على ما خلفته هذه التجربة وانعكاساتها من جهة ويستمر البحث على تجارب وجودية وإن اختلفت يبقى هناك عنصر الصدفة المحضة قاسما مشتركا..طبعا..هذا يفتح فكي الاستفهام لزمجرة..ما الداعي لهذا البحث..ينطبق الفكان على إجابات عديدة من بينها الخشية من المجهول سواء كان جيدا أو سيئا والاقتناع أن بعض الأشياء تحصل دون ان يجد الشخص مبررات لذلك يعلو صوته محتجا أو مخبرا أو متسائلا كي لا يصاب بالجنون..كي يستطيع الاستمرار ..
وهذا ما فعله الأب الذي ظل في البداية يتساءل وكاد يدخل طورا من الخبل لماذا لماذا لماذا ويشعر أنه يفقد قدميه..لأنه معنويا ما عاد يجد أرضا دلالية صلبة يمكن للمنطق أن يطأ عليها دون أن يتزعزع الإيمان..دون أن يجثو رافضا ما لا يجدي معه الرفض..
ظل الأب بعدها يبحث عن أحداث قدرية أصابت الخلق في سنوات مختلفة..أحداث غريبة صادمة غير متوقعة..لكنها، حصلت، لأن القدر له منطقه الخاص الذي لا يستوعبه البشر وليس من حقهم الاعتراض لأنه لا يتيح لهم هذه الفرصة أصلا، يقع الأمر لشخص بعينه في مكان ما في أرجاء العالم، يحضن حنانا أو يقتل بكل قسوة، يثري أو يفقر، يرزق أو يمنع..تفاصيل تغير مجرى كاملا وإن بقي المرء حيا، عليه مواصلة الحكاية عن رغبة أو دونها، ليس مخيرا حتى إذا أراد وضع حد لحياته، فهذا الفعل حسب شوبنهاور هو اعتراف بالتشبث أكثر منه بالتخلي، لذلك ارتأى البحث عن الجمالي في المشهد والتركيز عليه بعد أن عبرت فلسفته مرحلة التركيز على القبيح الذي يدفع الروح إلى نفض انتظاراتها لتحيا بأقل ما يمكن من وجع..
تتسلم زوجة الأب دفة السرد لتكتشف ما منحها إياه القدر..إذ بينت الصورة الشعاعية أن جنينها لا قدمين له، تشوه خلقي دفع الأب إلى رفض التصديق وانتظار واقع مختلف ..واقع جعل النساء الحوامل اللاتي شاركتهن حلقاتهن يبتعدن عنها يتحاشين الحديث معها..تاركين إياها تغرق في بحر الصدفة التي غمرت كائنا موجودا في رحمها يسبح عكس تيار المعهود..
تعود الطفلة وقد غدت مراهقة لتجد خاتمة لكل هذه البعثرة، لا تلملمها وإنما تحياها كوابيس إذ تأتي الأم شبحا يقص الحكايات وفي يده مقص..لا تؤذي طفلتها، لكنها تحركه في أحداث معينة ويظل صوته الرتيب عالقا..
وحدها العمة تمكنت من الهروب إذ اختارت السفر ففصلت من قدرها تذكرة من جهة، وقطعت بشكل ما مع الماضي واستغلت المقص كرة أخرى لتترك لابنة أخيها هدية عيد ميلاد تتمثل في زربية مصنوعة من ثياب الفتاة حين كانت أصغر سنا وهو ما جعل الطفلة تجد مكانا زمنيا يمكن أن تتمدد عليه وتشعر بالراحة، فالقصة يجب أن تجتمع بطريقة ما بكل أحداثها حتى الموجعة منها، فهذا التنسيق يمنح للحكاية حضنا قادرا على الضم حتى وإن لم ترق الخاتمة..حتى وإن حاول الذهن الإنكار..فالطفلة التي كبرت ظلت تنتظر عودة الأم..رجعت شبحا ثم تضاءل ثم اختفى
ظلت تترقب رسالة تصلها منها..تقرأ كتبا وتنتبه لعل جملة ما تتوجه إليها بشكل خاص..غير أن لا رسالة ولا جملة ولا كتاب..وحدها بذور خبأتها في تجاويف بيتهم الخشبي..ظلت تتحدى سنينا حتى تنشق يوما عن الجدار وينبثق جذع شجرة تفاح..
قد يتم ربط هذا الرمز بمدلوله المعهود المستمد من قوة التحدي والإرادة التي تشق الصخرة فتتفتح وردة..لكن، ما الغريب أن تتفتت صخرة أو لعلها منذ البداية متشققة..وقد تتفتت دون أن يطل منها شيء، هل يعتبر هذا الانبثاق جهدا فريدا..دليل حياة ..لا ريب، إذن، لماذا لا يتم تثمينه في الواقعيكتفى بمنحه حيزا زمنيا للانبهار والتصفيق والإشادة ثم يغمره التجاهل ويحيا وحيدا لأن هذا ما شاءه له القدر ويغدو العادي هو الأمل المرجو..ما الذي ستفعله شجرة تفاح تطل من جدار خشبي..ستقتلع في الأغلب وإن تركت، فهل يمكنها الإزهار والإثمار..صدفة أخرى لا يمكن الجزم هل هي في صالح المخلوق أم ضده..كيف سيعيد ترتيب حكايته وهل سيختار نهايتها أم سيتدخل المقص مجددا؟..
0 تعليقات