أتاح الأسلوب السردي الفرصة للقارئ لمواصلة الاطلاع، وإن كان من الممكن جعله أكثر سلاسة بالتخلص من التكرار الذي لم يلعب وظيفة فنية جمالية أسلوبيا أو تعميقا دلاليا، وإنما هو إعادة تتطلب إقصاء، لا يتحملها النص الذي حاول صاحبه عرض جملة من القضايا المترابطة، لكن كثرتها مرهقة في تتبعها، لذلك لا مكان للتعبئة المجانية..
إن تعدد المواضيع وطرحها المتزامن ميزة النص إذ يؤكد على الاختيار السردي اللاهث الذي يسعى إلى ثبات غير ممكن، فينشأ التخبط أسلوبيا ليخدم فكرة المغالبة العسيرة، والخلاص منها يستدعي تجاوز كل هذه المشاكل المتلاطمة، لذلك يمكن تلمس المشقة، والغاية ليست نجاة، وإنما إثبات للنفس أنها كابدت حتى في أقصى درجات استسلامها.

يتولد استفهامان ينبثقان من ذات الإشكال: الراوي العليم الذي يصر على حضوره دون مراعاة لخصوصية الشخصيات من جهة، ودون مواربة أن هذا النص صنيعته من جهة أخرى..والصانع على عكس الخالق أي من يسعى إلى إبداع نص والاكتفاء بنفخ روح فيه مع تركه مفتوحا على الاحتمالات، الصانع يرغب في تطبيق مقاييس..ولم يتوقف إلا حين أدار كل المفاتيح في أكر المواضيع التي سجنها في نص- صندوق..
لو لم يجب على كل الأسئلة تاركا للقارئ لذة تقليب الاحتمالات!..

لو لم يجمع بطريقة متعمدة كل الخيوط لجعلها كبة واحدة..في صدف يتعجب منها الواقع نفسه!

 أما الإشكال الأهم فينبثق من الاختيار السردي المتمثل في تعدد الأصوات الساردة، لكن، الملاحظ أنها لا تتميز عن بعضها البعض، والمطلوب هو تلمس الاختلاف الذي متى غاب يغدو النص قالبا أسلوبيا واحدا وخطابا موحدا، كما أن جعل كفة الأب السارد تميل على حساب ابنته لم يحقق مأربا يمكن أن يخدم الفكرة العامة، بل ساهم في ثقل الحبكة..إذ يمكن تفهم رغبة الأب في البوح، لكن ذلك لا يخول له أن يتمادى وهو يعيد ويكرر نفس الفكرة..يتدعم ذلك باختيار مقولته عنوانا للرواية..
هناك أصوات مسقطة مثل شهادة الأخ التي لا يمكن تحديد في أي خانة هي إذ لا ترتبط بالتحقيق..هناك تفاصيل مستغربة مثل جعل المشرحة مثل "وكالة دون بواب"..

يكشف النص عن قدرة الكاتب على الحكي بأسلوب قادر على الشد وما طرحه من قضايا مهم، ولعل أهميتها تتجلى أن المشكل ليس العثور على إجابة من الجاني..لأن طرح سؤال شبيه سيكشف أن الكل جناة بطريقة ما وبدرجات متفاوتة..وهم في نفس الوقت ضحايا.. المشكل كيفية التعامل مع هذه "الحقيقة المزدوجة" تأقلما أم تجاوزا أم...

أعلى المؤلف سطوة الراوي العليم وإن تكفلت شخصيات بالسرد إلا أنه لا يخفى أنه يحركها على هواه ويملي عليها ما يجب أن تقوله ويتحكم في أدق تفاصيلها خدمة لمسعاه السردي، مما خلف رتابة في بعض المواطن واختلت موازين الإقناع والإمتاع في أخرى.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم