تتطرّق رواية "خريف تيلة" إلى مرحلة حسّاسة من تاريخ الجزائر المعاصر، وتبدأ أحداثها في قرية معزولة تقع في جبال إيث يعلى بسطيف شرق البلاد، وتتعقّب إرهاصات نهاية حياة الريف وبداية موجة النزوح نحو المدن، خاصة في اتجاه العاصمة، حيث فرص العيش الأفضل.

تنطلق أحداث الرواية مع بداية التسعينيات، عندما انتبه سكان القرية إلى أن سبل العيش قد بدأت تضيق بهم، وأنهم غير قادرين على ضمان حياة سهلة، فبدؤوا بالهجرة الطوعية، يبادر بها كل من تيسّرت له الظروف للمغادرة.

وتنتقل أحداث الرواية مباشرة، بعد استهلال سرديّ خاطف حول هذه المرحلة إلى منتصف التسعينيات، حيث اشتدّ الصراع بين الإسلاميين الذين اختاروا جبل تيلة وتالَعلام ملجأ لهم، بعد رفع السلاح في وجه النظام السياسيّ، وبين السلطة الحاكمة التي شدّدت قبضتها وفرضت خيارا أمنيا صارما، مما جعل سكان قرى هذه الجبال يعيشون بين المطرقة والسندان، ووجدوا أنفسهم مضطرين هذه المرّة، لمغادرة منازلهم، بعد أن أصبحت حياتهم في خطر.

وتلتفت رواية "خريف تيلة" إلى توجّه عامّ سائد بين سكان هذه المنطقة، وهو اتخاذ حواشي عاصمة الجزائر مقصدا، حيث تركّزت موجات هجرة الطبقات الفقيرة إلى أنحائها، فتأسّست تجمّعات سكنية "استعجالية" من حيث تنظيمها وهندسة مساكنها، وأغلبها لا توفّر الراحة، وإن كانت تتيح المجال للظفر بفرص عمل أوفر، أغلبها غير دائم، تستقطبه ورشات البناء والأسواق الشعبية القريبة.

ويشتغل متن الرواية على مفارقات تصنعها السياسة، حيث تتوقف عند نقطة العشائرية، ومركزية السلطات والمدن، كما تحرّك الرواية أوجاع الهامش؛ هامش الريف المعزول، وهامش الطبقات الفقيرة المحرومة والمظلومة، وهامش الثقافة المحلية التي تقصيها ثقافات وافدة، ملأت حياة سكان المدن، خاصة العاصمة، حيث تحوّل كثير من قاطنيها إلى نسخ لأفراد أوروبيين يعيشون في شمال إفريقيا.

تحلّل الرواية الأبعاد الثقافية لمجتمع المدينة وترصد نقاط التأثر بالآخر الغربي، الحاضر في وجدان السكان الطموحين إلى حياة مدينة تشبه حياة الأوروبيين، حيث العناية بفن الغناء وإحياء الحفلات الصاخبة، وحيث التراث ومظاهر الأصالة المقدّسة سلع يتم استغلالها وفق قانون السوق لكسب المال.

تكاد تصرّح الرواية بمقولة شهيرة، تنسب لرئيس حكم الجزائر خلال فترة الثمانينيات، هو الشاذلي بن جديد، مضمونها أن ابن الفلاح ينبغي أن يبقى فلاحا مثل أبيه، وابن المسؤول ينبغي أن يكون مسؤولا مثل أبيه، وتحضر الإشارة إلى هذه الفكرة في ثنايا النص بقوة، حيث يسوق الروائي الأحداث في اتجاه الإبقاء على سكان قرى جبل تيلة الذين هاجروا، على هامش الحياة، رغم انتقالهم إلى ضواحي العاصمة، تماما كما ظلّ حالهم عندما كانوا في قراهم، على هامش حياة المركز القريب منهم، وهو إيث يعلى التي تمثّل الرّفاه، وترمز إلى السلطة والنفوذ.

ويشير الروائي أيضا، ضمن الهامش الوحيد الذي أدرجه في النص، إلى مركزية إيث يعلى، عندما ينبّه إلى زيارة رئيس الجزائر في سبعينيات القرن المنصرم، هواري بومدين لها، لاعتبارات تتعلق برمزية ثورية ونضالية سياسية، إلى جانب إشارته لزيارة العلامة المصلح عبد الحميد بن باديس والداعية الأديب محمد البشير الإبراهيمي.

تمثّل العودة من العاصمة إلى قرية "جنّاون" الواقعة في أعماق جبل تيلة بعد هجرة وإقامة استمرّت سنوات طويلة بها، تمثل رمزية الفشل في الرواية؛ فشل المشروع الشخصيّ لإعادة بناء حياة جديدة من طرف بطل الرواية، وفشل مخطّط المشروع السياسي لإعادة إطلاق حياة مختلفة، رفع شعارها نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ أبريل نيسان 1999، ووقّع حراكٌ شعبيّ كبيرٌ عقد نهايتها في 2019.

وفتحت الرواية ملف الصحافة المستقلّة، حيث يسرد الراوي في سياق الأحداث وقائع تناولت مشكلات الدعم والإشهار وحرية التعبير، كما تناولت موضوع علاقة الصحافة بالسلطة والمال واستغلال الصحافيين الذين يعمل بعضهم في ظروف غير مريحة أو غير مطابقة لمعايير التوظيف، وهي ظروف وأوضاع فتحت المجال لظواهر سلبية على غرار الابتزاز وانتحال شخصيات المسؤولين أو معارفهم، أو إبراز النفوذ والقدرة.

تلخّص رواية "خريف تيلة" تجربة العمل السياسي الوطني، في نقد المركزيات التي ابتلعت الهامش وأضاعت فرصة استثماره وإدراجه ضمن مخطّط التنمية، لذلك أفرغته من وظيفته الحيوية، وبينما جهّزت مراكز العمران، أفرغتها من معاني المدينة، وحين أنفقت أموالا طائلة في تعليم الشعب، أهدرت طاقاته وأهملت إبداعاته، حتى احتضنته مراكز عالمية كبرى في الخارج، جنت ثمار تعلّمه.

تعدّ الرواية تأسيسا لحقبة زمنية هامّة في تاريخ الجزائر المعاصر، وهي بمثابة وثيقة سردية، ترصد الانتقال المفاجئ للمجتمع، من حياة القرية والريف إلى حياة المدينة المفتوحة على المغامرة، وهي مغامرة اجتماعية خطيرة، لها آثارها وانعكاساتها النفسية والاجتماعية والديمغرافية، فضلا عن آثارها الاقتصادية والتمدنية، التي من مؤشراتها غياب معايير الانتقال المدروس من نظام حياة إلى آخر، بسبب عدم الخضوع لبرنامج تخطيط ومراقبة تقني وإنسانويّ.

وصدرت الطبعة الأولى لرواية "خريف تيلة"، للكاتب الصحافي والروائي الجزائري الطاهر مرابعي عام 2021، عن دار ميم للنشر والتوزيع.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم