حين أفكر في هذه الرواية  أفكر أولاً  في العالم الذي تنتمي إليه في كتابات سليم بركات، وهو عالم محدود جدًا داخل عوالم بركات اللامتناهية. بركات يكتب المشاعر لا الشخوص، والحياة لا الأمكنة، ولكنه يحاول دومًا أن يضع كل ذلك في عدسة واحدة، هي الشمال السوري، أو قل: «قامشلو»، كما يحب أن يسمّي مدينة القامشلي.

  من الصعب تحديد حركة سليم بركات وحصرها في عالم أحادي، ولكن يمكننا المغامرة والقول إن العالم الذي تنتمي إليه «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل» هو عالم «المُبعَد من الوجود»، وهو عالم «بركاتي» صرف، صال فيه سليم وجال في أول كتاباته، مثل «البازيار»، القصيدة الطويلة، أو في سيرته الأولى، وفي «راحيل»، كما ذكرت، رمز عبقري لذلك الوجود.

   وكمدخل، وقبل كل شيء، يجب التنويه إلى حقيقة لا لبس فيها، هي أن سليم بركات يمازج بين اللغات على مر التاريخ ليخرج لنا لغته. وبالمناسبة، العربية ليست لغة واحدة إذا ما نظرنا على خط الزمن، منذ أول من نطق بها إلى سليم بركات؛ فهي لغات تكاد تفهم بعضها بعضًا حرفًا ومعنى. وهذا ما يريده بركات؛ يريد أن يخلق كائنًا لغويًا جديدًا، وأظنه قد فعل. فلغته هي لغة سليم بركات الخاصة، لغته الساحرة التي هي بصمته، لا الأسلوب كما درج عليه فن الرواية.

فحين نقرأ "  حيرةً في العقول تتحول إلى تأويل، وتخمينات، وافتراضات، لا يمكن جمع زبدتها في مقلاة  إلا مقلاة المذياع بأناشيده الواضحة انتصارًا حتى التبشير بالرماد كفردوس، والتبشير بمحو الأعداء كيقين".

فهذا ليس فتحا لغويا يدمج شعوراً لا متناهي من المأساة فحسب بل هو ترتيل اخر لمزمور لم تقرأه الشفاه ، بل خلايا الجسد.

وهكذا يتحرك قطار السرد في سمفونيةٍ لغوية، عوضًا عن الضجيج الهائج لأيِّ قطار، ولكنْ متهاديًا في قضبانه "الشعور"، متمهلًا، لا يلوي على شيء سوى التساؤل عن المُهمَل والمنسي.

و دون الغرق في الوصف أستطيع أن أختصر قلب «راحيل» في مشهد واحد من «السيرة الناقصة»؛ مشهد الضابط المتعجرف الذي أخافته القبضايات من اجترار زعيم المدينة، «والد سليم». ولكن هذا ليس حرفيًا؛ فسليم لا يكتب إسقاطات نفسية، وإنما أدبًا حيًا، وحياةً من الشعر والسحر والفلسفة.

ففي مشهد «السيرة الناقصة»، لم يرَ سليم في والده القوة، ولا في الشرطي الضعف، لمجرد أنه قبل بالتسوية بعد تهديد العتال «القبضاي»، وإنما يرى الحدود، ويحاول سبر غورها، ومعرفة كينونتها، ومن ثم تتبع سيرورتها لكشف المصير.

وهنا تقفز إلى الذهن فكرة: «هل سليم بركات يكتب في حلقة دائرية تحركها دوامة لغة شعرية؟ »

هذا سؤال بسيط جدًا، والإجابة عنه تكررت كثيرًا، وغالبًا ما تؤدي إجابات المستفتين إلى ما يُعرف الآن بـ«الكتابات النقدية» حول مشروع سليم بركات، وهي، في الغالب، إما تهويمات طفولية في عمر اللغة، أو انتصارات زائفة على قلم لم يشهر سيفًا للمبارزة قط، مذ عرف نصله ولادة الحروف.

عند «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل» تُختبر تلك الحدود إلى أقصى حد، بل يُكشف عن بعض انبعاثاتها وانبعاجاتها، كهزائم أمم لم تجرؤ على رفع سبابتها أمام هضم حقوقها، ارتضاءً للمذلة بديلًا عن ثمن المقاومة، مقابل عدو يؤمن بالسطوة والتعالي الغاشم، ولكنه، في الوقت ذاته، يحتفظ بشعرة العدالة، ويُحق الحق بين أفراده، بل يؤمن بالعدالة الكاملة بين أبناء جلدته، وهذا ما يجعله أكثر إيمانًا وتماسكًا

ولكن، في رأيي، لا يهتم النص في «راحيل» بتلك الحقائق قدر اهتمامه بمعرفة ما يدور في خلد تلك الحدود من تناقضات.

حين يحادثنا طويلًا عن «موشيه ديان»، وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي هزم جيوش «الأمة» قبل أن تخرج مدافعها من المرابض، وعن الجاسوس الذي اخترق مخادع وزراء الدولة السورية دون الحاجة إلى ذكاء، وإنما بالمال وبريق اللذة، و«ديان» هنا ليس ذلك السياسي الشرير في الذاكرة، وإنما ذلك الآخر الذي لا ننتبه إليه؛ الجزء الناقص من المشهد، وهو ضرورة معملية للاختبار، للتشريح، للمعرفة؛ فإن سليم يختبر عطش المجتمع/الإنسان للذة، للحياة، للموت، للخلود، وللمجد، في مسغبة العدالة والمساواة، بأسئلة صامتة، ولكنها جريئة، بلغته الكعكة التي خبزها لنفسه.

أسئلة لم تستطع خطب الأمة العصماء سد ثغورها، ولا استطاع غيابها تحقيق فردوس التجانس والاندماج، وإنما زاد ذلك الفجوة.

من زاوية أخرى، يرفع سليم صوت الشعر في «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل» ليحادث الأشياء الصغيرة التي محتها رياح القومية الزائفة؛ القومية المهزومة  دومًا، لأنها دون دعائم، دون عدل، دون حق، وإنما بالجبر والبندقية.

وفي النفس الشاعري الذي كتب به سليم تفاصيل «كيهات» الصغيرة، إشارة إلى أن العادي رهن إرادة اللغة في الأسطرة. وهكذا تتحول رحلة لشراء دجاجة من صاحبة حانوت إلى ملحمة وجودية يرى فيها القارئ كل الوجود، وقدرة الأكوان، وتجلي الذات.

فنقرأ هنا من هذا النسيج" جلس كيهات على الأرض الحصى، مستندًا بظهره إلى جدار طوق البئر، يرقب الدجاجات في أرياشهن الروعةَ تلاوين، وتعاريقَ نقوشٍ على ظهورهن وأجنحتهن، متتبعًا تماوج اللون انقلاباتٍ على ريش صدورهن كلما تحركن، من تتابعٍ في انعكاس الضياء المنزلق بزيته المضيء على ذلك الريش القصير، المتماوج من حركة أعناقهن إذا رفعنها يراقبن ما حولهن بعد كل نتشة "

هنا سليم لا يكتب رحلة كيهات، ومشاكساته مع أخيه الأصغر، ولا صورة بائع الفستق السوداني في شوارع المدينة المغبرة، وإنما يكتب ملاحم من الشعور تتلاطم في وجود رهن إشارات العبث، لينتج مزيجًا متناقضًا من المشاعر داخل نفس لا تعرف معنى الحياة.

وهكذا يسيّر بركات قافلته لتمخر عباب بحور المضمر في النفس البشرية، لتصطاد عقد الأحادية، وغياب الرؤية، وعقدة التنوع في متلازمة الواقع.

الحسية في كتابات بركات عمومًا، وفي «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل»، هي فرادة أخرى لسليم الروائي وسليم الشاعر؛ لأنه ينقل أشياء العتالين في قصيدته كما لو أننا نحسها؛ فالخطاطيف حادة الرؤوس، يتحسس القارئ ملمسها اللامع وهو يقرأ، كما يتحسس رباط وسط العتال ذي الوبر من فرط الاحتكاك بالأحمال.

نقرأ " في نهاية عرِّ السوق جنوباً مقهى واسعٌ ، مترامٍ ، ينتهي جداره الجنوب على رصيف الشارع الموازي للشارع الرئيس في الجهة الشمال . طاولاته المربعة ، المغطاة بقماش من مربعات زرق وحمر ، تتمدَّد من داخله إلى الممر العريض ، المسقوف خارجه . شايٌ كثير - في أقداحٍ صغارٍ ، مخصَّرة - بصحب ثرثراتٍ التجار ، وعملاء التجار ، مؤانَسَةً أحياناً ، وعقداً للصفقات في أحيان كُثرٍ أُخَر"

سليم، في «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل»، يجعل القارئ يحس بملمس سقوف السوق  الاسمنت ذات المزلاج، وخشب الطاولات الغليظ، وهواء أزقة الحي اليهودي، بل بنشيش الروث في تنور راحيل، صاحبة الحانوت.

لا شيء يفوت على القارئ بين يدي سليم بركات، دقيقتي الجس؛ لغةً محسوسةً، وأحاسيسَ حيةً تنبض بالحياة على طبيعتها، مُرّةً كانت أم حلوة.

أما في «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل»، فإن صوت الناقوس لم يحافظ على الهارمونية في كل الحالات؛ فأحيانًا يسقط في وحل يتوه فيه متتبعه، وهذه المتاهة أدخلت الكثير من النقاد في جزم مجحف، ومكّنت الكثيرين من ذوي الغرض من إيهام قرائهم بتهافت مشروعه.

ما يقلقني في مشروع بركات هو أن البناء اللغوي قد يصل إلى حد لا يمكن التطاول معه، ووقتها لا يستطيع أحد التكهن بما سيحدث، وهذا في حد ذاته مغزى.

وهذا، لعمرك، بعض ما يجعل سليم بركات، سليم بركات.


0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم