فابريكة سركيسيان .. هل يمكن الاحتفاظ بالماضي؟!
قد تبدو هذه الرواية لقارئها لأول وهلة وكأنها رواية تشويق بوليسية، حيث المشهد الأول فيها يحمل جثة وقتيل، ويبدو البطل الراوي وكأنه المحقق الذي سيكشف لنا خيوط الجريمة، ولكن ما إن ينتقل بنا إلى الفصل الثاني حتى نبدأ في استكشاف عالم مغاير، يأخذنا إليه بكل هدوء حتى نتعرف فيه على حسن وحبيبته سعاد، والبواب صفوت بشخصيته المتحكمة ثم جدة سعاد السيدة ثريا وما يحمله عالمها من مفاجآت وأسرار.
نتعرف على حسن فنان له منهجه الخاص يعمل في مكتبة بوسط البلد وهو مهتم بالتراث والتاريخ، يعاني من مشكلات مع زوجته فيما تظهر له سعاد فتاة مهتمة بعالم الكتب والقراءة أيضًا وتشاركه بعض همومه، ثم بانتقال البطل إلى ذلك المجمع السكني الذي يعيش فيه حسن نتعرف على ثريا صاحبة الشقة التي سيعيش فيها، التي تهتم بصناعة الشموع العطرية الخاصة والتي سيكتشف أثناء تنظيف شقتها ذلك الجهاز الشبيه بالبروجيكتور، ثم عدد من الصور القديمة التي تستحضر شخوصًا من الماضي، وشيئًا فشيئًا تتعرف المجموعة على ذلك الزيت الخاص الذي يشغل الجهاز والمصنوع في "فابريكة سركسيان" التي تعود إلى القرن الماضي!
وعلى الرغم مما تبدو عليه تلك الآلة من كونها اختراعًا فانتازيًا، إلا أنها تمثل من جهة أخرى تلك الرغبة الإنسانية الشديدة في إعادة الماضي واسترجاع اللحظات الحلوة من ذلك الزمن، وهو ما تقوم به ثريا بين الحين والآخر، حتى أن لحظات اختفاء حبيبها أدهم تبقى لحظات غامضة لايمكن العودة إليها ولا فهمها!
يبرع الكاتب في تقسيم فصول الرواية ومراحل تعرفنا على تفاصيل الحكاية خلال ذلك بشكل تدريجي، يجعل القارئ متشوقًا للتعرف على ذلك العالم القريب من عالمه ولكنه يحمل بعض التفاصيل الغريبة في الوقت نفسه، لاسيما عند التعرف على تلك الآلة التي تحرك الصور وبإمكانها أن تستعيد الماضي من خلال تحريك الصور، وكأنها شاشة سينما، ولكن الكاتب لم يشأ أن يجعلها كذلك، وإنما هي آلة مختلفة تعمل من خلال زيت خاص من تلك الفابريكة القديمة، وكأنه في كل مشهد يربط ذلك الماضي بالحاضر، ويضعنا أمام مشاهد معتادة ولكن من وجهة نظر خاصة:
(لاحظت أيضًا -في جولات تسكعي- ذلك الطلاء الرمادي وهو يغطي الكثير من حوائط المباني والعمارات القديمة التي حولنا والقريبة منّا، حتى في الشوارع الرئيسية المهمة كشارع طلعت حرب وشارع قصر النيل، بل إن تلك اللوحات الفخمة المطلية بالمينا الزرقاء والبيضاء والتي تحمل أسماء الشوارع بدأت تختفي من أماكنها التي كنت أعرفها جيدًا، وبدأت ألاحظ أيضًا سمات غريبة تظهر على وجوه الناس الذين أصادفهم في تجوالي، فقد صارت أغلب الوجوه خالية من التعبير حتى إذا كانوا يتكلمون، وجوه أخرى صارت محايدة جامدة، حتى ملابس الناس صارت باهتة وقلّت تنويعات الألوان والنقشات فيها، حقًا؟ هل كل هذا من تأثير تلك الجماعة البغيضة؟ أين ذهبت البهجة التي كنت أراها على وجوه الناس في تمشياتي الطويلة هنا وهناك؟)
هكذا يبدو المشهد مألوفًا للقارئ من جهة، فحوائط المباني والعمارات في وسط البلد في هذه الأيام تم طلاءها بالفعل، وثم جماعات مختلفة تغيّر من واجهات المحلات وتقطع الأشجار وتغيّر ملامح المدينة المعروفة، لصالح مظاهر أخرى مختلفة، فيما يسعى الكاتب وبطل الرواية معًا إلى تلمس حالة أخرى من الألفة والبهجة قد يكون السبب فيها تلك الآلة التي باستطاعتها أن تغيّر من حالات الناس:
يرصد البطل حالة البهجة التي ملآت المكان فجأة، والتي يصورها في مسافة بين الحلم والحقيقة، وبين الواقع والخيال:
(انتشر ناس كثيرون في أرجاء الفناء، كبار وصغار، نساء ورجال وبنات وأولاد، ألوان كثيرة وأضواء تملأ المكان ومصادرها متعددة، في الهواء بالونات وأشرطة وعلى الحوائط لوحات ورسوم كبيرة، يرتدي الجميع ملابس ملونة ويتحركون في كل مكان، ينشط آخرون عند المصطبة الحجرية التي تحولت بالفعل إلى مسرح، فوقه وقف آخرون بآلات موسيقية، يرتدي أحدهم قبعة أنيقة فاتحة اللون وعليها شريط أحمر ويعزف على كلارينيت، تنظر إليه الفتاة التي تقف بجواره وتنتظره حتى ينتهي وتلتقط منه اللحن ثم تؤدي جملتها الموسيقية على الناي، بجوارها يقف شاب يصاحبها بالعزف على الفيولين وفي آخر الصف رجل أكبر سنًا ومعه آلة ساكسفون، يعزفون في تآلف من نوتات موسيقية يبدو على وجوههم التركيز الشديد وتنساب الموسيقى منهم مرحة ولطيفة)
بين ما يكشف عنه السارد من مفاجآت داخل الرواية تتعلق بتلك الآلة وثريا وعالمها والشخصيات التي تستحضرهم الآلة، يغيب عن القارئ تلك البداية التي بدأت بها الرواية، ولكن ذلك لم يغب عن الرواي/الكاتب على السواء، إذ يحضر حسن ونتعرف على لغز محاولة قتله واختفاء جثته في نهاية الرواية، ولكن البراعة الحقيقة ـ فيما أرى ـ تظهر حينما يتم استغلال تلك الحادثة لمحاولة التعرف على مكان الفابريكة القديم الذي طواه الزمن والتغيرات التي حدثت في الأماكن، إذ يلجأ السارد إلى حيلة فانتازية أخرى تتمثل في الأصوات التي يسمعها حسن وكأنها تأتي من عالم/زمنٍ آخر، حتى يجدون أنفسهم أخيرًا أمام مكان الفابريكة القديم!
هكذا يرسم محمود عبده، وهكذا يرسي بكل بساطة خيوط عالمه بين تشويق الرواية البوليسية، وأفكار الفانتازيا التي تستمد من الواقع تفاصيلها، لكي يضعنا أمام الكثير من التساؤلات العميقة إزاء ما يحدث حولنا في عالم اليوم، وعلاقتنا بماضينا وحاضرنا، وهل يمكن بالفعل أن نتمسك بكل ما نستطيع من قوى بما نحب من ذلك الماضي، أم أن جماعات غامضة، أو قوى مختلفة، بإمكانها أن تمحو كل ذلك فلا نجد له أثرًا!
محمود عبد روائي وفنان تشكيلي مصري، صدر له رواية «رقص طفيف» عام 2017، وحصلت مجموعته القصصية «فرميليون» جائزة أفضل مجموعة قصصية فى معرض الكتاب 2019 من الهيئة المصرية العامة للكتاب، وصلت روايته «نافذة مستديرة لضوء القمر» إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية فى دورتها التاسعة، كما رسم العديد من الرسوم الداخلية لعدد من المجموعات القصصية والروايات، من أبرزها مجموعة «كم مرة سنبيع القمر» للكاتب أسامة علام. بالإضافة إلى كتابة ورسم عدد من القصص المرسومة للأطفال.
0 تعليقات