"اتجاه عكسي" لنسرين بخشونجي.. عالم مشحون بثقافات الآخر
صدرت رواية "اتجاه عكسي" للكاتبة نسرين بخشونجي، عن دار المحرر، القاهرة 2025، وهي من الأعمال السردية التي تكشف عن روح الحياة، وكونياتها المتداخلة وتناقضاتها العابرة لدى الإنسان، ومن ثم فإن رواية اتجاه عكسي تتجه إلى الحديث عن وقائع الحياة من خلال منظورها الخاص، ففتوالد عنها حكايات وتفاصيل خافتة بين الراوي والشخصية التي تخاطبها، تلجأ الكاتبة إلى استخدام حيلة فنية وهي الحديث إلى صديقتها التي رحلت إلى العالم الآخر، فتحاول من خلال فعل التذكر السردي، الحديث إليها من خلال سرد حزين وذكريات خالدة.
قبل الدخول إلى متن الرواية ينبغي الوقوف عند مجموعة من العتبات الروائية، مثل العنوان، الإهداء، والغلاف، حيث يطرح العنوان سؤالا لافتا، لماذا اتجاه عكسي، وكأن الحياة نفسها تسير عكس ما نريد أو نطمح محاولين كسر رقبة الحياة العمل والصمود والصبر والعزيمة والغربة من أجل تحقيق ما نهدف إليه، ثم يأتي الإهداء واضحا يعتمد على المباشرة، فتقول الكاتبة : إلى جميلة الروح مكتملة الإنسانية، إيمان خيري شلبي، تستخدم الكاتبة الحديث عن الماضي، بعد انتهاء الفعل نفسه، وكأنها تخبرنا من خلال الراوي / السارد عن فعل قد انتهى ففي قولها سافرت إلى الإسكندرية، فتعتمد رواية اتجاه عكسي على مجموعة من البنيات السردية، مثل البناء الزمني، السردي، المكاني / البناء الاجتماعي.
تعتمد الكاتبة على استخدام تقنيات متعددة، مثل الزمن الاسترجاعي، من خلال استرجاع أحداث ماضية، والزمن الاستباقي، والتعبير عن أحداث مستقبلية، والزمن التداخلي، فعلى سبيل المثال تقول الذات الساردة :" سافرت إلى الإسكندرية، ثم تردع بالزمن السردي، قبل سفري ذهبت إلى الكوافير، " فتعلن الذات عن تمددها وسرها عكس التيار والاتجاه السائد آنذاك، فعكس الاتجاه أو اتجاه عكسي يمثل علامة مركزية في قراءة الرواية، ثم تستند الكاتبة على تقنيات التناقض الزمني اللحظي بين الحضور والغياب، فتقوم باستدعاء صديقتها من خلال خطا سردي متخيل يكشف عن علاقة الذات بصديقتها التي رحلت عن الدنيا، فتقول :" صباح الخير، يا صديقتي، لدى شعور غريب ربما لأنني قررت أن أكتب لك كل مالم أستطع قوله خلال السنوات الثلاث الماضية، أشعر وكأني أنتظر شيئا أحبه " تلجأ بخشونجي إلى الحديث من خلال فعل التخيل نفسه ومخاطبة شخصية متوهمة تتخيلها فتقوم بتوجيه الحديث إليها، محاولة الكشف عن نفسها فيهي تخاطب ذاتها التي اتخذتها صديقة لها.
الكولاج السردي
تتوكأ نسرين بخشونجي على سرد مختزل مستعار من خلال استقطاب مساحات سردية من السوشيال ميديا الفيس بوك، تويتر أكس، والكولاج الألكتروني هو أن يقوم الكاتب بطرح قضية من القضايا العامة الترند، فتكشف عن أثرها على العقل الجمعي لدى المتلقي، فتقول : " اليوم ضج موقع تويتر بفيديو زفة فتاة تعيش في قرية من الريف المصري، يحملها والدها، وفي يدها منديل أبيض ،ملوث ببضع قطرات من الدماء" يشير المشهد المختزل إلى تلك العادات الريفية التي تكشف عن طقوس القرية دليل على عفة الفتاة وشرفها . كما تكشف عن امتهان صورة الفتاة، رغبة المجتمع لإعلان براءتها.
الشخصية الروائية:
تطرح رواية اتجاه عكسي شخصيات متعددة، تأتي شخصية الراوي / الذات الساردة متنا رئيسا في الكشف عن أحوال الشخصيات الأخرى، ومدى القدرة على مواجهة سلطة المجتمع المصري في الوقت الراهن. فتكشف عن صورة لشخصية متناقضة مترددة، خائفة من مواجهة سلطة المجتمع والأعراف والتقاليد، فتقول: " تتدخل أمي كثيرا في المحتوى الذي أنشره على صفحتي بالفايسوك، تنتقدني أحيانا إذا شاركت مقولة لكاتب أو كاتبة ظنا منها أنهم يحاربون الدين " تبدو سلطة العائلة ومراقبة المجتمع من القضايا التي تطرحها الراوية بشكل واسع من خلال التدخل المباشر في مراقبة المشاركات على السوشيال ميديا لأنها لها تأثير كبير على القراء والأصدقاء الذ يراقبون الصفحة الزرقاء. كما تطرح اتجاه عكسي مشاهد متعددة لصور التناقض الاجتماعي للشخصيات على صفحات الفيس بوك، من خلال تناقض المشاعر والأفكار في وقت واحد وهو مشهد دراماتيكي بامتياز، فتكشف عن تداخل المشاعر الأحاسيس الإنسانية في الشخصية ذاتها، مثل مشهد الموت والحزن في مقابل مشهد الفرح والسعادة وتبادل التهاني مرة والتعازي مرات عدة.
الاكتئاب في السرد:
تكشف رواية اتجاه عكسي عن ظاهرة خطيرة تفشت في مجتمعنا العربي عامة والمصري خاصة وهي ظاهرة الاكتئاب النفسي لدى الشباب من الجنسين الإناث والذكور، حيث تأثرت ذوات الشباب بأهوال وصيحات الواقع الافتراضي أمام مغريات الحياة وعدم القدرة على تحقيق الأهداف والحصول على عمل مناسب للمؤهل الدراسي وتأسيس بيت والزواج، وبناء الطموحات وتحقيق الأحلام.
الزمكانية السردية:
تعتمد الرواية على التداخل الزماني والمكاني، فنلاحظ تبادلا للأدوار بين الزمن بروحه المفرغة من تسارع الأحداث وتناقضها موت الصديقة، الشخصية الرئيس في الرواية والتي تخاطبها الذات الراوي بشكل مباشر، وتداخل المكان الجغرافي الذي تقع فيه الأحداث / وقعت بالفعل كما تخبرنا الرواية عن ما حدث قد حدث وانتهى، فتطرح علاقتها بالمكان / المدينة الإسكندرية وأسوان وجنوبي الصعيد في الأقصر، وقنا وسوهاج، بل تتحدث عن سفر زوجها للعمل في المملكة العربية السعودية، وعلاقته بثقافة المملكة وقدرتها على التقدم العملي في وقت قياسي، فكل مكان تطرحه الرواية هو عملية متخيلة لعالم مشحون بثقافات الآخر، تلك الثقافة التي توطدت عبر الأحداث في ذاكرة الشخصيات، فيقوم المكان بدور الزمن في عملية تصوير الحدث وصناعته ويصبح الزمن هو المكان المتحرك بالحدث والانتقال به من طور إلى طور آخر والعكس .
0 تعليقات