أمي: رقية الشمرية
أعجبني ما كتبه الدكتور فهد العرابي الحارثي عن أمه بعنوان (فاطمة الكنانية) فاقتبستُ منه هذا العنوان (رقية الشمرية) فأمي شمرية. وقد جاءت مقالته ضمن الكتاب الحافل بِسِيَر الأُمَّهات؛ وهو كتابٌ يقع في (519) صفحة؛ وقد شارك فيه (57) من الكُتَّاب والكاتبات؛ بدعوةٍ من صاحبةِ الفكرة وراعيتها؛ الشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد وقدَّم للكتاب الباحث الكاتب المثقف المعروف الأستاذ عبد العزيز الخضر. مؤلف كتاب (السعودية: سيرة دولة ومجتمع) لكن الكنانية كما وصَفَها ابنُها كانت: ((نبتةٌ بريَّةٌ غضَّة، مزهرةٌ بالدلال والغندرة، مورقةٌ بالحنان والبخترة، محتشدة بقلائد الفضة، ومعاصم الذهب)) فالكنانية وُلِدتْ وعاشت في جبال السروات وهي بيئة خضراء تنبض بالحياة؛ أما أمي (رقية الشمرية) فوُلدتْ وعاشت في صحراء نجد القاحلة؛ فلم تعرف الإزهار، ولا الدلال، ولا الغندرة، ولم تعرف قلائد الفضة، ولا معاصم الذهب؛ كان أقصى ما كانت تتمنَّاه (الملاوي) البلاستيكية التي كانت تُجلَب من الهند، وتتجمَّل بها النساء في ذلك الزمان البائس؛ ورغم أن الفقر المدقع هو طابع الحياة آنذاك في نجد؛ فقد كان الجدب، والفقر، والكد؛ يهيمن على الحياة؛ لكن أمي خرجتْ من بيتِ أبيها؛ كان بيتًا زاخرًا بطيبة الأب عبدالله الضيف الله، وحنان الأم نورة العقل، ولطف الأشِقاء الرائعين؛ وجاءت إلى بيتِ أبي؛ وكان البيت يضم عددًا من الزوجات، فأبي كان مزواجًا ولم يصبر عليه في النهاية سوى أمي التي جاءت إليه متأخرة، وبقيت معه حتى وفاته؛ دخَلَتْ أمي بيت الزوجية وهي ما تزال غضَّةً بل كانت طفلة في الرابعة عشرة من عمرها؛ بفارق كبير في العمر بينها وبين أبي؛ فباشَرَها تزاحمُ الزوجات، وكثافةُ المسؤوليات، وصَلَفُ الزوج، وقسوة الحياة، والانجاب المبكر، والولادات المتقاربة؛ فقد باشَرَتها المسؤوليات وبادَرَها الشقاءُ؛ فعاشتْ حياةً عسيرةً قاسيةً، بل شديدة القسوة؛ لكنها بقيتْ مسؤولة صبورة مكافحة قوية صامدة؛ فلم تكن امرأة مستكينة؛ فعواصف صَلَف الزوج؛ كانت تواجهها بالرد المماثل؛ فلم تكن تتوانى عن الرد ومواجهة الصلف بما يناسبه.
كانت أمي هي البنت الوحيدة لأبويها؛ وكان أشقاؤها؛ هم إبراهيم، وعبدالرحمن، وعبدالعزيز، ومحمد. أما أكبر أشقائها (صالح) فقد توفي مبكرًا فلم نلحق عليه. وقد كانت علاقة أمي بأشقائها حميمة وعميقة ولطيفة، وامتد لطفهم إلينا نحن أولاد شقيقتهم؛ فقد كانت بيوت أخوالنا؛ بيوتًا لنا؛ كان أخوالي كرامًا وطيبين وأسخياء وعطوفين، وكنا نتعامل مع أولاد الخال إبراهيم؛ من البنين والبنات؛ وكأنهم أشقاؤنا، ولم يكن يمر يومٌ واحد من دون أن نذهب لبيت الخال إبراهيم، لقد كان يفيض كرمًا وسخاءً ولطفًا وأريحية، وكانت زوجته مزنة الهياف (أم صالح)؛ ذاتُ سخاءٍ عظيم، وطيبة نادرة، إنها تجسِّد أرقى ما نتمنى أن يتصف به البشر في تعاملهم وفي علاقاتهم؛ لم أعرف إنسانًا يماثلها في السماحة واللطف والطيبة والشفقة والكرم والاحتواء؛ لا يقترب منها في اللطف والكرم والسماحة سوى زوجة الخال محمد مزنة اليوسف فكلٌّ منهما كانت لنا نحن أولاد (رقية) بمثابة الأم؛ إنهما يجسدان أرفع نماذج الصفاء والكرم والطيبة وعظيم الأخلاق. لذلك كان فَضْلُ أمي عظيمًا علينا نحن أولادها؛ فعن طريقها صار أخوالنا هؤلاء الرجال الفائقون في المكانة الاجتماعية، والكرم، والسخاء، ورفيع الأخلاق، وكرم التعامل.
ولأن أبي قد توفي وأمي ما تزال شابة، ولأني أعرف أنها في حياتها مع أبي قد كابدت كثيرًا ولم تنعم بحياة زوجية تليق بها؛ ورغم أن كل المحيطين كانوا يُحَرِّضون على عدم زواجها؛ ورغم صِغَر سني آنذاك؛ إلا أنني خالفتُ هذا الاجماع؛ وفاتحتُها بأن عليها أن تتزوج، ومع إلحاحي تزوجتْ وأنجبتْ نورة ومنيرة. بنتان رائعتان هما من زينة الحياة وقد طابت بهما نَفْسا.
كانت أمي في منتهى الجدية، والصرامة، والحزم، والإلحاح على الإنجاز؛ كانت (قَرْمة) في التعبير السائد؛ إذا كانت بصدد أي عمل؛ فما رأيت مثلها في كثافة وعمق الإحساس بالواجب، والاندفاع في العمل، والإلحاح في إنجاز ماهي بصدد إنجازه. كانت تعمل باندفاعٍ وحرارة مع أبي في الحقل؛ فإذا ذهب أبي ليرتاح ذهبت هي للطبخ، والعناية بالبقرة وحيوانات البيت، وخض الَّلبن، وإنجاز متطلبات الأسرة فهي في عمل دائم وكدح يَفُلُّ أقوى العزائم. إن هذه الجدية المتقدة الحادة، بالإضافة إلى الفقر وسوء التغذية، وتكرار الانجاب؛ كل هذه العوامل قد أنهكت صحتها في وقت مبكر من عمرها؛ فسقطت أسنانها قبل أن تبلغ الثلاثين من عمرها، وكان يؤلمني سقوط أسنانها؛ فبعد أن تَوَظَّفتُ بادرتُ بتركيب أسنان لها؛ لكن أسوأ ما أصابها؛ مغْصٌ كلوي ومَغْصٌ مراري، وقد كنت أشعر بفزع شديد حين تأتيها نوبة المغص المرعبة؛ غير أن المفزع أنه لم يتم تشخيص العلة؛ فقد ترددتُ بها على كثير من الأطباء؛ لكن لا أحد منهم شخَّص العلة؛ وكنت وقتها أتابع مجلة (طبيبك) التي كان يصدرها في سوريا الدكتور صبري القباني؛ وكان مذكورًا في المجلة أن من يريد تشخيصًا لمرضه فعليه أن يرسل خمس ليرات سورية مع شرح مفصَّل للحالة؛ وكان الصَّرافون يجلسون على الرصيف بالرياض؛ فذهبت إليهم؛ وحصلتُ على الليرات السورية؛ وكتبتُ رسالة شرحتُ فيها حالة أمي؛ فجاء الرد خطيًّا؛ بأن أمي تعاني من مغص مراري أو مغص كلوي أو من كليهما. وكان الحل هو؛ استئصال المرارة بعملية جراحية؛ لكن شقيقي الأكبر صالح رَفَض بشكل قاطع؛ فكرة إجراء عملية، بل إنه صار يبكي حين ألححتُ على ضرورة إجراء العملية؛ لإنقاذ أمي من ذلك الألم الفظيع المتكرر؛ لكنه أقنع أمي برفض العملية؛ فبقيتْ تعاني فاكتفيتُ بتوفير ما يمكن توفيره لتحسين صحتها عمومًا؛ بالفيتامينات والمعادن.
الأمومةُ معنًى ضخمٌ، وعميقٌ، وممتدٌ، ومتجددٌ، ولكن الأمومة ذات مراتب تتفاوت بتفاوت الأمهات؛ إنها تتجسد في نماذج تتنوع بعدد الأُمَّهات اللاتي مررن على هذه الأرض؛ فمنهن من تفيض دومًا بالحنان، والعطف، والرحمة، والاحتواء؛ تكون منسوجةً من الإيثار المطلق، والتضحية الدائمة، والحنان الدافق، والمودة الغامرة؛ ومنهن من تكون متسلطة؛ تريد فرض رؤيتها على البنين والبنات وتتحكَّم بالأسرة كلها طبقًا لرؤيتها؛ حتى لو كانت رؤية عمياء؛ لذلك فإن اللغة لا تستطيع أن تُعَبِّر عن معنى الأمومة تعبيرًا يُجسِّد مضمونه العميق الفخم بكل دلالاته الواسعة العميقة، وبمختلف نماذجه المتنوعة المضيئة والمظلمة، أو ما هو خليط من الظلمة والضياء؛ وكم كان رائعًا أن تبادر الشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد إلى استكتاب عدد من الأدباء والكتاب والكاتبات؛ كان ثمرته كتاب (سِيرة الأمهات) وقد شدني بغلافه المميز فاقتنيته فور صدوره؛ وشعرت بامتنانٍ عميق لصاحبة فكرة الكتاب. ورغم أن الكتاب في بداية فكرته؛ هو ثمرةُ رؤيةٍ رومانسية؛ إلا أن نتيجته تتجاوز ذلك بمدى بعيد؛ فالكتاب يؤسِّس لمجالٍ واسعٍ وعميقٍ ومتشعب من الدراسات؛ في المجال الأدبي، والاجتماعي، والتاريخي، وعلم النفس، وفي فروع معرفية متنوعة.
ما أنْ لمحتُ كتاب (سيرة الأمهات) في مكتبة جرير حتى ابتهجتُ به؛ وما أن تصفَّحته حتى أدركتُ أنني أمام عملٍ فريد؛ يعالج مجالاً استثنائيًّا؛ ورحت أقرأ التقديم الذي كتبتْه الشاعرة فوزية: ((إن فكرة العمل على كتابٍ يدوِّن سيرة الأمهات؛ كانت تراودني منذ نعومة أظافري)) وتقول: ((عشت هاجس سيرة الأمهات؛ فكرةً رومانسيةً؛ تكون نوعًا من العرفان الصغير؛ بجميل الأم الكبير؛ في الحمل والولادة والتربية وفي العطاء السخي والحنان الجارف؛ الأم التي تسهر لننام وتطبخ لنأكل وتشقى لنرتاح)) تُمرض حين نمرض، وتتألم كلما اعترانا عارضٌ من عوارض الحياة، ولا تدخر وسعًا في جعلنا أفضل. إن انشغال الشاعرة بالكتاب قد نمَّّى في ذهنها آفاق مفهوم الأمومة؛ فتجاوز هدفُ الكتاب فكرتها الأولى وتجاوز الكتاب حتى تصورات بعض المشاركين في كتابة فصوله. كانت الشاعرة فوزية تنظر إلى مفهوم الأمومة نظرة رومانسية تقديسية ولكن بعد تفاعلها العميق مع الموضوع، وبعد قراءتها لإسهامات بعض المشاركين؛ تفتَّح ذهنها على مراتب الأمومة؛ فليس كل الأمهات مثاليات. ولكن هذا التحفُّظ حول تنوُّع مراتب الأمهات؛ لا ينفي أن علاقة الأم بأولادها هي علاقةٌ ذاتُ خصوصيةٍ بالغة التأكُّد؛ فهي تستحق أن يتوقف أمامها كل والد، وأن يتأملها، ويُثَمِّنها كلُّ مولود؛ إن كل مولود قد تغذَّى من جسد أمه خلال شهور الحمل، ثم يستمر يتغذى من ثديها، ثم يبقى قلبها يخفق له في كل اللحظات؛ ومن هنا يكون حق الأم فوق كل الحقوق، وواجب الأولاد هو الأشد حضورًا والأقوى إلحاحًا.
كأي عملٍ إنساني له طابع العموم، والتشعب، والتنوع، والتفاوت؛ مرَّت فكرةُ (سيرة الأمهات) لدى صاحبة الفكرة؛ بعددٍ من المراحل: (المرحلة الرومانسية) التي تَغفل عن حقائق الواقع وتنظر إلى الأمهات ككائنات مثالية. ثم (المرحلة التقديسية) وهي امتدادٌ للمرحلة الرومانسية. ثم (المرحلة التمردية) حيث انتبهتْ الشاعرةُ بأن الأمهات لسن كلهن على نفس المستوى من المثالية، بل قد تكون الأم مهمِلةً، وقد تكون مقصِّرةً، وقد تكون شرسةً، وقد تكون متسلطةً، وتتحكم بمن حولها؛ فتقول: ((صرتُ أميل إلى فكرة أنه يصعب التفكير في سيرة الأمهات دون الإشارة لتلك السياسة القمعية التي ترتكبها أُمَّهاتٌ براحة ضمير، في حق أي من مظاهر الشغب في حق السائد أو التمرد على القائم)) فلا ((يمكن تجنُّب الحديث عن تلك السلطة العاتية)) لكن هذا لا ينفي أن الأصل أن: ((الأم تعطينا من ضعفها قوةً، ومن تقشُّفها رفاهًا، ومن ضيقها سعةً؛ الأم هي التجسيد والرمز معًا للكمال الإنساني؛ الذي من طبيعته النقص؛ خارج هذا المفهوم الرحمي والتقديسي للأمومة)) وتقول: ((الأمومة تجربة مقدَّسة)) وتحت عنوان (سيرة الأمهات بعين التساؤل)؛ تنتهي فيه إلى القول: ((التعامل مع الأمومة كمنتَجٍ أرضي؛ ومع الأمهات كمخلوقاتٍ من لحمٍ ودمٍ وأعصابٍ؛ لهنَّ ما عليهنَّ؛ من أحاسيس، ومشاعر، وفكر، ومزاج، وتقلبات، وميول، وهوى، وعقل، وعاطفة، وأفراح، ومعاناة)) لكن إذا كان قد يحصل التقصير أو ضيق الأُفُق أو التسلُّط من بعض الأمهات؛ فإن الأم وليس سواها هي وحدها التي تقدم من الرعاية ما يستحيل أن يقوم به سوى الأُم؛ ومن أروع نماج الأمهات (نعيمة) أم هيلة المحيسن؛ هيلة التي كتبت تقول: ((وُلِدتُ كطائر بلا جناح؛ ولكن أمي حاكت لي بالتشجيع والتعليم والتعزيز؛ حاكت لي أجنحة؛ وُلِدْتُ طفلةً بلا يدين ولكن أمي لم تعبأ بنظرات الناس ولم تعاملني بشفقة؛ ولكن اعتزت بي أمام الناس وعاملتْني بتقدير واحترام بينها وبيني وفي بيتنا وبين إخواني ودربتني على تطوير قدرات بديلة لليدين؛ من طفولتي الأولى إلى أن بلغتُ اليوم عمر الثانية والعشرين؛ وأمي يدها هي يدي ونبضها هو نبضي؛ تتبع خطواتي لكي لا أسقط. وكم من مرة أوشكتُ أن أيأس أو خفتُ أن أهوي أو مادت بي الأرض أو تعثَّرتُ بصخرة؛ ففتحتُ عيني وإذا بي في حضنها؛ فبين ذراعيها؛ أجد ذراعيَّ المفقودين، وعلى أصابع يديها أعدُّ شموع الأمل في يدي الغائبتين)) وتقول: ((إن الأمومة إلهامٌ وأمانة ومهمة يومية؛ قد تعجز الجيوش والجامعات والمعجزات والساحرات عن القيام بها؛ فتقوم بها تلك الإنسانة الرقيقة القوية التي اسمها الأُمُّ)) ولكن الرائعة هيلة المحيسن تدرك أنه ليس كل الأمهات يشبهن أمها؛ وهنا يظهر الاختلاف الشاسع؛ إنه فارقٌ هائل تقول هيلة: ((هناك أمومة تنفيذية لأدوار ووظائف معتادة ومتعارف عليها، وهناك أمومة؛ مستقلة، مبادرة، متجددة، ومجددة؛ تواجه الحاجة بالاختراع، وتقاوم الكبوات بالابتكار)) وتقول: ((المرأة التي اسمها نعيمة أو أم هيلة؛ تمثل تلك الأمومة الصعبة الطموحة التي تغزل بظلف الذئب، وتُحَوِّل المحال إلى واقع معاش)) وتقول: ((أنا هيلة المحيسن ابنةٌ لسيدةٍ حالمةٍ قويةِ المراس، شديدةِ الفطنة؛ كتبتُ بقلبي وليس بقدمي؛ صبَرَتْ أمي وعلَّمتني الصبر؛ ونالتْ؛ وجعلتني أتذوق معها طعم المنال)) لا أحد يُحَوِّل إعاقةً جذريةً؛ كهذه الحالة؛ إلى مثل هذا النجاح الباهر سوى أُمٍّ استثنائية؛ فالمقال الذي كتَبَتْه هيلةُ هو مقالٌ بليغٌ، وحافلٌ بمضمونٍ رفيعٍ بمستوى رائع؛ إن هذا النجاح المذهل لا يصح أن يبقى ضمن نطاقه الضيق وإنما يجب أن يشاد به؛ إن (نعيمة) وبنتها (هيلة) كلٌّ منهما تستحق أرفع الأوسمة؛ وأشد النياشين لمعانًا؛ إن هذه الحالة يجب أن يعرفها القريب والبعيد القاصي والداني؛ فهذه النجاحات المضيئة؛ لا تتكرر، وينبغي أن تشاع وأن تعرَف على أوسع نطاق ممكن.
الكتاب لم يبق مجرد فكرة في ذهن الشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد، ولم يبق الموضوع محصورًا بينها وبين المشاركين عن طريق التراسل، وإنما تَحوَّل إلى مشروعٍ جماعي؛ فشارك الأستاذ عبدالعزيز الخضر في مراجعة وتقييم المشاركات كما أسهم في المراجعة الدكتور سعد البازعي؛ فاتخذ العمل شكلاً جماعيا؛ وقد كتب الخضر مقدمةً ضافيةً للكتاب وفيها يقول: ((تُمَثِّل الأُمُّ في وعي الإنسان؛ كلَّ المثُل والقيم والمعاني الجميلة في هذا العالم)) وينبه إلى العوامل التي: ((جعلت تدوين جزء من حياة الأمهات عملاً ثقافيًّا كبيرًا؛ فالكتابة عن الأمهات هو حديثٌ عن ذاكرتنا الشعبية والاجتماعية؛ فبمرور الوقت قد ننسى من أين بدأنا في مجتمعٍ تَعَرَّض لتحولات متسارعة)) ويقول: ((فالجيل الذي كان وعيه قبل طفرة النفط، وعايش كل تحولات المجتمع بعد ذلك؛ هو الجيل الذي تلقى الصدمة الحضارية والتغيير وواجه كل تفاصيل وتحديات العصر التربوية والثقافية)) ويقول: ((هذا العمل يسدُّ نقصًا اجتماعيًّا لم يؤرَّخ له بما يكفي؛ فبعض القضايا وإشكاليات الحاضر وجذورها؛ ربما نجد تفسيره فيما بين سطور هذه الروايات)) ويقول: ((عندما نوثق حياة الأمهات؛ فإننا نعيد وضع الكثير من التفاصيل التاريخية في مكانها الذي يليق بها؛ لتحليل الكثير من الظواهر الاجتماعية، والتحولات، ومقارنة الماضي بالحاضر؛ شهادات حية توثق لنا جوانب عن تحولات الوطن، وحياة مجتمع من زوايا لم تأخذ حقها من التدوين والنشر)) ويقول: ((إن فكرة هذا العمل بهذا الشكل المكثَّف الذي يجمع بين الحفر الاجتماعي والإبداع الأدبي؛ هو عملٌ غير مسبوق)) إن الكتاب يتكوَّن من المشاركات، واستهلال تحليلي للدكتورة فوزية، ومقدمة مفصَّلة تحليلية للأستاذ عبدالعزيز الخضر.
إن كتاب (سيرة الأمهات) يجب أن يقرأه الجميع وخصوصًا من الأجيال التي لم تتعرَّف على حياة الفقر، والمساغب، والمكابدات؛ التي عاشها أهلنا في هذه البيئة الصحراوية المعادية للحياة؛ قبل التحول الجذري الذي طرأ على حياة هذا الوطن؛ لذلك فإن هذا الكتاب يستحق أقصى درجات الحفاوة؛ فالقارئ سيجد فيه ما لا يجده في غيره؛ فهو مليءٌ بالمعاني، زاخرٌ بالدلالات، متنوعُ التجارب، متعدد الرؤى. إن الكتاب ليس فقط زاخرًا بنماذج الأمومة، والتجليات الحميمية في الحياة الإنسانية؛ وإنما هو تاريخٌ للمملكة؛ إنه يقدم صورةً صادقةً لا تجدها في مصدر آخر إنه يوضح كيف كنا وكيف صرنا؛ إنه يقدم الماضي متجسدًا في تجارب فردية زاخرة بنبض الحياة؛ وليس مجرد تاريخ بارد؛ اقرأوا مثلاً مقالة المبدع سعد الدوسري وكيف عاشت أسرته في الزمن القريب؛ أو اقرأوا مقالة الشاعر عبدالله الصيخان إن العالم الآن يتحدث عن خط الفقر أما أهل نجد قبل استخراج البترول من باطن الأرض؛ فلم يكن الناس فقط يعيشون تحت خط الفقر وإنما كانوا يعيشون في مستوى لا يعرف العالم له أي خط لأنه تحت الأعماق؛ فاقرأوا مقالة الشاعر علي الدميني على سبيل المثال لتستعيدوا شيئًا عن صورة الحياة في هذه البيئة الجدباء القاحلة.
يُقَدِّم الكتاب نماذج رائعة عن كفاح الأمهات، وتضحياتهن العجيبة، ويتضمن أروع تجليات الأمومة في الرعاية، والتضحية، والإيثار، وإغداق الحب، والتخلي عن كل شيء من أجل الأولاد؛ ومن أروع وأصدق النماذج؛ (نعيمة) التي مر ذكرها. وكذلك فاطمة بنت جمعة فقد كتبتْ عنها بنتها الدكتورة نوف العليان: ((على الرغم من أن العشرة بين والدتي ووالدي لم تطل أكثر من عامين؛ فقد كان مولدي؛ ثمرةً لهذا الزواج القلق القصير؛ قبل أن تطلب أمي الطلاق لنعيش بسلام بعيدًا عن صراعات عدم التوافق)) وتضيف: ((كانت أمي في العشرين من عمرها وفي ريعان صباها وجمالها عندما رفضتْ الزواج مرةً أخرى لتتفرغ لتربيتي وأغدقتْ عليَّ من الحب ما يكفي لعشر بنات ولكن فجأةً جاء المرض وسرق من أمي سعادتها التي للتو بدأتْ تَعرف مذاقها؛ وهي تراني أكبُر أمام عينيها على ما تحب وتشتهي من الأدب والعلم)) وتضيف: ((فعَمَد ذلك الألم اللئيم على كسرها وهي تمر بأوجاع مبرحة لعامين ونصف؛ فتعذَّبت وكانت لا تستطيع الأكل فتضع الممرضات أنبوب الغذاء بأنفها بشق الأنفس كما أن أوردتها تقفَّلت؛ فلم تعد تستجيب إلى المحاليل الطبية)) ثم تصاب بفشل كلوي ثم فشل الكبد فماتت وهي في السابعة والأربعين من عمرها وتختم البنت المكلومة بالقول: ((كان حزني على فراق أمي عميقًا موجعًا؛ لا وصف لحرقته وناره؛ إلا أنني استعنتُ بما تعلمته من أسطورة صبرها وبالعهد الذي قطعْتُه على نفسي لها بأن لا أفرط في أمنيتها)) وتنتهي نوف إلى القول: ((فخورة بكوني نوف بنت فاطمة بن جمعة)) إن هذه الفاطمة العظيمة تستحق أن تقال فيها القصائد وأن تُنشد لها الأناشيد وأن تقدَّم للناس بوصفها النموذج الأمثل في الكفاح والنجاح والصبر الإيثار والتضحية.
ومثلما كتب أحد المشاركين في الكتاب في مقالته عن أمه (صالحة العقيلي) من فَرَسان في جيزان وهو الشاعر عبدالمحسن يوسف: ((ثمة من يتباهى بحشد عدد من المناضلين الكبار في العالم في نصوصه، وينسى أن بيننا مناضلين كبارًا غير مرئيين في هذه الحياة يعيشون في الهامش، وأنهم يستحقون أن نكتب عنهم؛ ليلمعوا في الواجهة؛ ننقذ سيرتهم الفاتنة من ريبة الصمت ومكائد الحياة)) لكن عبدالمحسن لم يكن فقط معجبًا بأمه وإنما بأبيه أيضا فهو يقول: ((أمي وأبي حالتان عَصِيَّتان على الوصف؛ لقد كانا مناضلَين عظيمين؛ قاوما بؤس هذه الحياة وسطوتها؛ بأيد خالية، وبقلوب مليئة بالأمل، وبسلوكٍ مليءٍ بالشرف الكامل الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان في نضاله اليومي؛ من دون أن يسقطا في الوحل؛ في وجه الفقر المدقع)) ويضيف: ((أمي وأبي رفعا راية نصرٍ عاليةٍ، ولم يستسلما للهزيمة؛ لم يتيحا الفرصة لليأس كي يسحقهما بأقدامه الغليظة؛ كانا مثل موجتين كادحتين، واستطاعا أن ينقذا سنابلهما من الغرق)) ويضيف: ((لم أر أمي وأبي نائمين قط؛ كانا آخر من ينام وأول من يستيقظ؛ كانا مهمومين بنا وبمشاغلنا وأحلامنا؛ لكن أمي كانت تدفع أحزانها بعيدًا عن طريق الغناء؛ تُغَنِّي بشجنٍ فادح؛ وهي تكنس فناء البيت؛ تُغَني وهي تُضْرم النار في التنور. أما أبي فقد كان يؤثر الصمت؛ وكأنه يتعالى على أن يبوح بهَمِّه لأحد)) هكذا تكون الكتابة عن الأبوين؛ وهكذا يجب أن يكون الموقف من الأم والأب، وهكذا يجب أن تكون رؤيتنا عن الأم والأب؛ فقد عاشا كفاحًا لا يهدأ، وظلا في جهاد لا ينقطع.
أما الشاعر الصحفي الكاتب عبدالله الصيخان فيكتب عن أمه ((زهرة الجنوب والشمال؛ فمن أبها أطلَّ وجهُها الأبهى)) فأبوه من عنيزة وقد ذهب إلى الجنوب جنديًّا في الجيش السعودي ومن أبها تزوج زهرة التي أنجبت شاعرًا وصحفيا ومثقفا مبدعًا يقول الصيخان: ((الطفولة دائمًا مرتبطة بالأمومة؛ فحين تكبر قليلا وتستعيد من أمك أهازيج وأغاني مهدك؛ تسمعها ثانية وثالثة؛ فتشعر أن هذا الإيقاع موجودٌ هنا؛ وتشير إلى قلبك؛ فالإيقاع يبدأ من قلب الأم وإليه يعود)) ويضيف: ((الأمومة والطفولة مَنْجَمان مشعان بالشعر والرحمة معًا. أما حين تموت أُمُّ الشاعر، وتَعصر فاجعةُ فقد الغالية حشاه؛ لأنه لم يكن ليتخيل في أقصى تخوم خياله الشعري؛ أن قلب أمه سيطاوعها لترد على داعي الرحيل؛ فإن الشاعر مضطر لئلا تتوقف الأرض عن الدوران؛ أن يجد في القصيدة امتدادًا متجددًا للأمومة؛ وهكذا فَعَل شعري بعد زهرة؛ هو قصائد زهرة)) أما المبدع الكاتب الإعلامي محمد علوان فيكتب عن أمه: هيلة بنت أحمد الشهراني فيقول: ((أمي حكاية الملاح؛ حكاية لم يحضرها سواي وأخَواتي وإخواني؛ هيلة كانت حكاية القرويات الملاح اللاتي يتزوجن من أبناء المدن؛ تحمل قلبًا يتسع للجميع، لا تغضب، إنها قليلة الكلام، كثيرة العاطفة، والدمعة منها قريبة؛ كانت سحابة تُغدق على البيت؛ كانت تملك من الصبر ما لا يحتمله مخلوق؛ لا تطفئ الحريق بمزيد من النار بل بمحبة الآخر والتغاضي عن الأخطاء)) بعد أن يمعن محمد علوان في سرد المواقف والحكايات التي تؤكد مزايا أمه؛ يتذكَّر أن هذه صفات كل الأمهات؛ فيختم تفاصيل الثناء بالقول: ((إنها تشبه كل الأمهات في الدنيا)) وهذه من أصدق العبارات التي يقوم عليها من الشواهد بقدر ما مرَّ على أديم الأرض من أمهاتٍ رائعات. إنني حين أقتبس هذه النصوص عن الأمهات الرائعات؛ أستحضر صورة أمي (رقية الشمرية) مع كل نص.
بعض المقالات يمثل نصًّا أدبيًّا يفيض إشراقًا، وجمالًا، وروعةً، وتأثيرًا؛ ومن هذا البعض مقالة الكاتبة منى اليوسف عن أمها (عفيفة) التي تزوجت قبل أن تُكمل الرابعة عشرة من عمرها، وأنجبت ثلاث بنات قبل أن تبلغ العشرين ولأن نسلها من البنات فقد عاقبها زوجها بالطلاق؛ فبقيت بعد العشرين وحتى جاوزت السبعين؛ من دون زوج، ظلت مسؤولة عن إعالة ثلاث بنات: ((يخيَّل لي أن أمي أفاقت يومًا لتجد نفسها زوجة، وأفاقت يومًا آخر لتجد أنها أصبحت أُمًّا، ثم أفاقت يومًا آخر لتجد نفسها في تمام زهوها مطلَّقة؛ وفي عنقها ثلاث فتيات. يا ويل أمي من مجتمع تقليدي يُشفق على أم البنات؛ يستصغرها، ويستضعف أمومتها وأنوثتها، يا ويل أمي من قَدَر أمي)) وتقول: ((عاشت أمي العديد من الهزائم)) وتقول: ((هناك فرقٌ بين حبي لأمي، ورغبتي ومحاولاتي المستميتة أن لا أكون نموذجًا مكررًا من ضعفها وانكسارها؛ وبذلك خسرتُ؛ فلم أتعلَّم منها سرعة البديهة، وحسها المرح، وروح الفكاهة؛ خسرتُ فلم أفهم انكسارها مبكرًا)) إن الكاتبة لا ترضى من أمها الإغراق في الطيبة، والاستعداد المطلق للتسامح؛ فأحيانا يكون الظلم فظيعًا لا يستحق أن يسامَح تقول: ((أتذكر انكسار أمي وشموخها؛ عادت أمي شامخةً في انكسارها، متَوَّجةً بقلبها المهزوم؛ ولكن عفيفة كربَّات الجمال والأمومة؛ أحب عفيفة ولا أريد أن أكون هي؛ أتبع تعليماتها وقوانينها بالحرف، أرافقها كما تريد لكنني أعرف أنني لن أكون هي)) وتقول: ((هذه المرأة القادمة من زمن الأحلام؛ لتعيش في زمن الانكسارات بشموخ طفلة)) وتقول: ((هي أمي عفيفة؛ بوصلتي وشراعي، هزيمتي وانكساري، وجهٌ يشبهني؛ امرأة تختزن بين أناملها امتداد تاريخ أمومتي؛ أمي الطفلة التي تحتويني تحت رداء عباءتها؛ لأعود طفلةً في محراب أمومتها)) إنها مقالةٌ زاخرة بالألم والشكوى؛ مقالة تَصرخ احتجاجًا؛ الاحتجاج ضد الأب، والاحتجاج ضد المجتمع، والاحتجاج ضد التقاليد المتكلسة، والاحتجاج ضد استسلام أمها واستعدادها للمسامحة مع من دمَّر حياتها.
أما المبدع سعد الدوسري فمشاركته نصٌّ إبداعي مكتظٌّ بالدلالات؛ نصٌّ أسَرَني؛ اسْتَلَّتْه الدكتورة فوزية من عملٍ إبداعيٍّ طويل؛ وأنا أحاول أن أستلَّ منه شيئًا يعيد لنا صورة الماضي القريب ويرينا كيف كنا وكيف صرنا؛ فهو نصٌّ جميل ومثير وزاخر بالإيحاءات العميقة الموجعة؛ ففي ثلاث صفحات فقط كثَّف سعد الدوسري صورةً مكثَّفةً ناطقةً عن الحياة في هذه البيئة الصحراوية القاحلة قبل استخراج الخيرات من باطن الأرض، لكننا من هذا النص القصير الكثيف عرفنا كيف عاش أبوه عبدالله بن محمد في كَدٍّ وشقاء، وكيف عاشت أمه موضي بنت منصور، في كدح وضيق، وكيف عاشت جدته الكفيفة فاطمة التي سلب منها الجدري عينيها، وكيف عاشت وكافحت وتعلمت أخته حصة: ((سأصبح مُعَلِّمة؛ (وهكذا كانت فحققت أمنيتها) من الرس إلى الرياض، إلى معهد المعلمات بالمربَّع، إلى دفاتر التحضير والتصحيح في مدرستها الابتدائية الأولى في حي ثليم؛ كانت أقوى من الوقت؛ تصحو فجرًا، ولا تكل، ولا تمل من العمل مع والدتها في بيتٍ طينيٍّ صغيرٍ خانق؛ بالكاد تتنفَّس فيه عشرةُ أجساد، وعشرات الكراريس، ثم تسهر حصة ما بقي من الليل؛ تخيط ما تمزَّق من العمل؛ ضاغطةً بكفيها على كليتيها؛ متخيِّلةً أنه ألَمُ ظهرها؛ كان الألم في رأسها؛ ورْمٌ دماغيٌّ كان يلتهم مراكز حيويتها؛ ويجعلها تتلاشى شيئًا فشيئًا؛ فلم يبق من شللها الكامل سوى ابتسامتها الساحرة؛ زال هذا السحر لتَعْبُر خارج الحياة)) تزوجتْ موضي عبدالله وأنجبت وتغَرَّبت وهي ما تزال طفلة، انتقلت مع زوجها من القصيم إلى الطائف: ((كان عليهما العيش في غرفةٍ من الصفيح على سطح عمارة؛ عاشا مزيدًا من الشقاء والفقر)) في غرفة الصفيح وُلد أخوه صالح وأخته حصة. مات صالح في الستين من عمره بسرطان الرئة، وماتت حصة بسرطان في الدماغ وهي في الستين من عمرها. يقول المبدع سعد: ((أمي هي بطلة معظم أعمالي؛ كل حرف كتبته عنها؛ قرأته لها)) الجدري اختطف من أمه في طفولتها إحدى عينيها؛ بقيت تعيش: ((بالعين التي نجت من الجدري)) أما أبوه فإن: ((الصحراء رافقت طفولةَ رَعْيه للأغنام)) أخته بدرية تزوجت وأخذها زوجها معه إلى خميس مشيط فحدثت في بيتهم مناحة على هذا السفر البعيد !!!. مات أبوه في السابعة والخمسين من عمره. هكذا هو ونسله قَصَفَهم الموتُ قبل الستين.
أما الشاعر الأديب علي الدميني فيكتب عن أمه (صالحة بنت حنش) وعن الفقر الذي عاشه الناس في الباحة؛ فكيف لو عاش الفقر الأشد فتكًا في نجد قبل أن يتم استخراج الخير من باطن الأرض ؟؟!! يقول علي الدميني: ((الفقر والجوع والخوف والذئب؛ وأُمَّان تُدافعان عن صغارهما بشراسة؛ رغم العناء والآلام؛ يا للمعنى العميق للأمومة، ومحبة الحياة؛ لقد كانت حياتنا صعبةً حتى حدود الشراسة؛ نعيش على الكفاف قُرْب خط الفقر؛ حيث لا يأتي موسم الحصاد إلا وقد قضينا خلال عام على كل أكياس الحنطة التي حصدناها في الموسم الماضي؛ فتقوم الأُمَّهات بتجفيف سنابل القمح الناضجة في الشمس أو على النار، ثم يَعْمدن إلى طحنها في الرحى الحجرية مساءً ثم يقمن بالعجن وإنضاج الخبز على نيران الحطب التي كُنَّ قد جلبن أعوادها الكبيرة من أطراف الجبال البعيدة في المشرق؛ مثلما كُنَّ ينزعن الماء من الآبار في الوديان البعيدة؛ ويملأن القِرَب المصنوعة من جلود الماعز، ثم يحملنها على ظهورهن؛ صاعدات الجبال العالية حتى بيوتهن؛ مرتين أو ثلاثًا يوميًّا؛ لإرواء العائلة وتلبية حاجاتهم اليومية؛ إن هذه هي الوتيرة المتكررة للحياة القاسية؛ عاشتْه الجداتُ منذ مئات السنين من قبل؛ مثلما مرَّت من جحيمه أمي وكل نساء منطقتنا؛ كانت أمي تغسل ثيابنا القليلة باستخدام أوراق العثرب. وأتذكَّر أنها ذات عيد لم تجد ما تشتري به قماشًا لي لثوب العيد؛ فغسَلَتْ حوكتها التي كانت تتلفَّع بها على صدرها؛ وفصَّلَتْها لي ثوبًا خاطته بالإبرة بنفسها؛ ومع كل ذلك لم نكن نشعر بشظف العيش ولا بالشقاء الذي نعيشه؛ لأن كل سكان القرى في تلك المرحلة كانوا يعيشون مثلنا تمامًا؛ فحيث يكون العدل مساويًا في الوجع والفقر؛ فلا عتب، ولا غضب، ولا أحزان)) هكذا كانت قسوة الحياة في الباحة؛ في جبال السروات المكتظة بالخضرة والنماء حيث لا ينقطع عنها المطر فكيف لو عاش في صحراء نجد القاحلة المعادية للحياة فماذا سيقول ؟؟!!
أما الدكتور خالد الرديعان فيكتب عن أمه (سلمى) التي تزوجت وهي طفلة في الخامسة عشرة؛ ثم طُلِّقَتْ حين بلغت الثامنة عشرة؛ لقد عانت هذه الأم ظلمًا فادحًا؛ بتزويجها وهي طفلة، ثم عانت ظلمًا بسبب التقاليد؛ حيث طُلِّقَت ليس لأي شيء إلا لتأخرها في الانجاب ثلاث سنوات؛ وهي المدة اللازمة لكي تُنهي مرحلة الطفولة؛ لتصل إلى مرحلة البلوغ وهكذا تفعل التقاليد العمياء الجائرة. لكن قد يُعَوِّض (سلمى) أنها أنجبت خالد الذي كتب يقول: ((فكل أم تستحق الثناء والإطراء؛ إذْ يكفي أنها أُمٌّ؛ سأمرُّ على بعض المراحل المفصلية في حياة أمي، والمواقف المؤلمة التي واجهتها، ثم ظروف الزواج والطلاق وفراق الأبناء، والنشأة في مجتمع ذكوري يشيع فيه نكران حقوق المرأة)) ويقول: ((أمي عاشت حياةً مضطربة وغير مستقرة؛ فهي لم تذهب إلى المدرسة إطلاقا، وتزوجت ثلاث مرات من أزواج مختلفي الطباع)) إن حالةَ الأم سلمى نموذجٌ من معاناة ومكابدة الكثير من الأمهات؛ إن ما يضمه كتاب (سيرة الأمهات) لا يمثل سوى عدد محدود من الأمهات ومع قلة العدد فإننا نطلع على نماذج متنوعة من سوء الحظ وتواتُر النكد؛ فكيف لو امتد الاستقصاء إلى كل الأمهات ؟! إن في سِيَر الأمهات الكثير من قصص الظلم والإساءة والغبن والمكابدة، والمعاناة، وسوء الحظ، بمقدار ما فيها من النصاعة والوفاء والإخلاص والإيثار كما أن هذه القصص تحكي الكثير عن عادات المجتمع وتقاليده وتصوراته عن الحياة؛ وبالنسبة لسلمى فإن سوء الحظ بدأ مع الزوج الأول؛ فقد تأخرت في الانجاب فاشتط أهل الزوج بأن يطلقها ويبحث عن زوجة تنجب له أولادًا؛ وبذلك صارت مطلَّقة، أي أن حظها قد تعثَّر لأسبابٍ خارج مسؤوليتها. ثم تزوجها أبو خالد الذي كان أيضا عنده مشكلة إنجابية؛ فهو متزوجٌ قبلها وسعيدٌ بزواجه لكن زوجته تُواصِل إنجاب بنات وهو يريد بنين؛ فزواجه بسلمى كان لهدفٍ آخر وهو الحصول منها على أبناء؛ فخلال سنتين أنجبت خالدًا وصارت حبلى بابن آخر؛ وبذلك أدت الغرض؛ فتم الاستغناء عنها؛ فهي مجرد وسيلة إنجاب !!!
أمل الفاران؛ كاتبة وقاصة وروائية؛ لكن أمها (سارة) لم تكن راضية عن نشاطها الإبداعي؛ فهي تريدها امرأةً نمطيةً، وترى أن كتاباتها الإبداعية؛ تمثل تمردًا لا يليق بالإناث؛ لأنه يُطلق الألسنة التي تتربص لتشويه السمعة. إن أمل لا توافق على الثناء المطلق على الأمومة فتقول: ((يصعب جدا اختصار الأم في كلمات)) فالأمهات مختلفات كاختلاف البشر في كل شيء؛ فالأمومة لا تعني الكمال ولا تعني الاخلاص الدائم وإنما قد تعني إهمال الواجب وربما الاستخفاف بمسؤولية الأمومة، وربما تعني التحكُّم والتسلط ومحاولة وأد الابداع تقول أمل: ((التفكير في أمي كامرأة لها رغباتها ومخاوفها وعيوبها؛ هو إحساسٌ لن أحبه، وسأحتاج لوقت طويل حتى أجد الجرأة للحديث عنه)) وتقول: ((في الوطن العربي المرأة المبدعة؛ هَلَعُ أمها وعذابها؛ تتمرد الابنة على النواميس، وتقتحم عالَمًا لم يُصَمَّم لها، وهو جُرمٌ؛ إن ابنتها الكاتبة ستُخِلُّ بواجباتها الاجتماعية لا محالة؛ وسيئدها الرجال بلا شك؛ وخشية ذلك ستحاول عسفها قبل أن يفعلوا)) وتضيف: ((أتذكر هذه اللحظات مع أمي اللحظات التي ينتقدها المحيطون لأن ابنتها تكتب؛ فتعود بعجزها وخجلها لتحاول صرفي عن الكتابة)) وتقول: ((قبل أيام قرأت قصيدة؛ وتذكرت شعور الغربة عن لمسة أمي ودعواتها؛ شاعرة شابة تعرف تمامًا الدور المرسوم لها وترفضه؛ تخشى أمي أن تنشر النساء نمائم صغيرة؛ أن يعرف الرجال أن لي صوتًا ورغبات، واعتراضات شاسعة على كل ما يجري؛ تخشى أن يصيبني وحم الكتابة فأنشغل عن الطبخ والغسيل وإعداد كيكة البرتقال أو الكبسة؛ خشيتْ أمي أن تفتني الكتابة؛ فحاولت أن تختم فمي؛ وأكملتُ دربي موشومةً بانكسار من طُرِدتْ من جنة رضاها)) إن الأم وهي تناضل لإيقاف ابنتها عن مواصلة العمل الإبداعي؛ ليست فقط ضحية التفكير الحدي أو التربية المتصلبة، وإنما هذا يؤكد سطوة المجتمع، والخوف من النبذ، والرعب من الاقصاء، وتحاشي التهميش؛ فالإنسان لا يستطيع الانفكاك من الأسْر الاجتماعي.
أما الكاتب خالد الباتلي فيكتب عن أمه سارة فيقول: ((كل أفعال الأمومة الخارقة تتمثل في بساطة بنت حريملا (سارة) أمي أيا جدول الطهر، ونبض النقاء، ونهر الوجود المدين له بعذْب الحياة؛ قد لا أجيد وصف كُروم أمي ومكارمها)) أما عروبة المنيف فتكتب عن أمها: ((رابعة ابنة أحد العقيلات في عَمَّان؛ هي امرأة فوق العادة؛ لم تكسرها الرياح التي عصفت بها، بل ساهمت في تثبيت جذورها بالأرض الأم)) الأم التي توصي بنتها: ((لا تعتمدي على زوجك في عيشك؛ فأنت قادرة على أن تصبحي أفضل من ألف رجل؛ فنحن أحيانًا نُحَمِّل الظروف مسؤولية فشلنا، ولكن نحن من يصنع تلك الظروف. اصنعي واقعك ولا تَدَعي مشاعر الإحباط أو الفشل تكسرك؛ فالقوة تأتي من الأحداث التي نمر بها ونُصَنِّفها بأنها حزينة؛ بينما هي قد تكون مفتاحًا للأمل والفرح والحرية؛ فالنجاح لا يتحقق بسهولة)) ويكتب الدكتور سعد البازعي عن أمه نورة السديري؛ وعن الفراغ الهائل الذي تركه موتها في الأسرة. وتكتب القاصة شريفة الشملان عن أمها منيرة التويجري: ((أمي جادة جدا عند الأزمات)) وتقول: ((أمي قوية ضعيفة؛ أحيانا أشعر أنها بقوة جبل وأحيانًا أشعر أنه ينبوعٌ من حبٍّ وعطف؛ يكاد يملأ الدنيا؛ أخشى قوتها كثيرًا، وأكاد أذوب خوفًا من نظرة عينيها)) أما نورة الصالح فتكتب عن أمها قمراء الدواسر: ((أمي مشت على رمضاء الكرب، جربت الكبوات والنهوض، ولم تخل طفولتها من مأساة؛ أمي قمراء راسخة مثل الصخر، لينة مثل السهل)) وتكتب أسماء بنت عبدالله الخميس عن أمها (لطيفة بنت فهد) زوجة الأديب الشاعر عبدالله بن خميس تقول عنها: ((هي السيدة جمالًا وحسنًا وطيبةً ولطافةً وأنسًا؛ لديرتها مدينة الرياض؛ حين كانت الرياض كالكف المفتوح؛ يعرف مواطنوها بعضهم بعضا؛ وكأنهم أهل؛ هي سيدة حيها؛ حي الظهيرة شمال المسجد الكبير)) لقد اخترتُ هذا النص لأنه شاهدٌ على النمو الهائل الذي شهدته مدينة الرياض أثناء عمر شخص واحد؛ لطيفة تتحدث عن مدينة الرياض بأن الناس كانوا آنذاك كأهل القرى يعرف بعضهم بعضا.
وتكتب وجيهة الحويدر عن أمها (سلمى آل طه): ((حكاية فتاة تضيء الهفوف وكل الأحساء)) وتحكي عن التغيُّر الإيجابي العظيم الذي أحدثه مجيء أرامكو: ((ففي الأربعينات كان الإقبال على الالتحاق بأرامكو في تزايد من جميع الفئات العمرية، حتى الأطفال)) وتضيف: ((أخي محمد كان ذكيا وتعلم بسرعة في مراكز تدريب أرامكو وأجاد اللغة الإنجليزية، وبُعِث ليكمل تعليمه في الجامعة الأمريكية في بيروت؛ تلك التجربة غيَّرتْه وغيَّرتنا كلنا إلى الأحسن)) إن التغير الإيجابي الذي أحدثته أرامكو سواء عن طريق التدريب أو الابتعاث أو اكتساب المهارات المهنية عن طريق الممارسة؛ إن هذا يتطلب دراسة تفصيلية متعمقة. وتكتب الدكتورة فاتنة أمين شاكر عن (فلسفة أمها في الحياة) ومما تذكره عن أمها: أن الكتاب كان رفيقها دائما: ((لا أذكر أني رأيتها دون كتاب)) وتقول: ((في القاهرة كان الانفصال بين أمي وأبي؛ ذاكرتي تسجِّل حُزنًا عميقًا وأسئلة كبيرة)) أما الدكتورة فوزية البكر فتكتب عن والدتها الجوهرة الناصر، وتقول: ((قابلتْ والدتي الزواج الثاني برفضها المطلق لوالدي؛ وقررتْ بصمت أن تستقل عن الحاجة إليه)) وتضيف: ((أكملت الجوهرة دراستها للمرحلة الابتدائية في مدارس محو الأمية)) هكذا النساء يكافحن للاستقلال، وللتعلم، ولبناء أولاد ناجحين. أما فوزية الجارالله فتكتب عن أمها: ((حين أتحدث عن أمي؛ أشعر بأني أتحدث عن جزء هام مني، عن ذاتي، حول ملامح من أعماقي)) وتضيف: ((تتميز أمي بكمٍّ هائلٍ من الإنسانية. إضافةً إلى الهدوء والرقة واللطافة والحياء)) أما المبدعة الدكتورة ليلى الجهني؛ فلم تكن مشاركتها في كتاب (سيرة الأمهات) عن أمها وإنما هو نصٌّ إبداعي؛ يجسِّد التفاوت الشديد بين الأمهات؛ حيث تقول: ((رأيت أُمَّه، وكنت أعرف في الحلم أنها ميتة ...ظننت بعدما استيقظت أن لها عَبَقُ أُمٍّ: عبقًا سرِّيًّا، يفوح في كل شيء تَعْبُره، ومن كل شيء تلمسه حتى أبنائها)) وتضيف: ((لم يقل لي في الحلم: هذه أمي. لكني عرفت أنها أمه؛ أصبحتُ مفتونة بالمرأة الصهباء)) وتضيف: ((قال مَرَّات: أحنُّ إلى أمي، وعرفت بعد الحلم لِمَ يفتقدها؛ شعرت كم هي قوية، ولمستُ كيف يبث وجودها الطمأنينة في الكون من حولنا)) رغم أن ما كتبته ليلى الجهني هو نصٌّ إبداعي وليس مقالا عن أمها لكني حاولت أن آخذ منه قَبسات تجعله يبدو منسجمًا مع كتابٍ هو (سيرة الأمهات) وتكتب المبدعة هدى الدغفق عن أمها منيرة العبدالكريم: ((تبهرني قدرةُ أمي على التفهُّم، وحساسيتها الناعمة، وذكاؤها الفطري؛ فكيف تدرك مدى حاجات أبنائها المعنوية إليها؛ فتدعمهم وتساندهم بروحها ومالها؛ فلا يتجهون بشكواهم إلى سواها)) أما الدكتورة لينا سليمان السليم؛ فتكتب عن أمها الدكتورة نورة الشملان: ((تلك هي أمي في شغفها العلمي، وفي شغفها الأسري، وفي شغفها الحياتي)) وتقول: ((تعلمت من أمي حب العلم، والتسامح، والترفع، وحب الحياة، والاستمتاع بالأشياء البسيطة، والوفاء للأصدقاء، وعزة النفس، والكرامة؛ لم تنصحني أمي بشيء؛ واكتفت أن تكون قدوة؛ فتعلمت منها كل شيء))
أما الدكتور فهد العرابي الحارثي فيكتب عن أمه (فاطمة الكنانية) يكتب بتميز باذخ، وإشراقٍ غامر، وإبداعٍ بلغ الذروة. وسأقتطف منها فقرات تؤكد ذلك: ((فاطمة الكنانية؛ قصيرة لكنها الفاتنة دائمًا، المحتشدة بالدلال والغندرة أبدًا، هي الشجرة العملاقة الوارفة المنهمرة بالحكمة وبالثبات؛ شيخة المكان تستقبل الضيوف وتؤدي كل واجبِ أهلها وبيتِها تجاه الآخرين الوافدين إليها وإليهم؛ كانت تقوم بكل المهمات منفردةً؛ تلك هي أمي فجئني بمثلها)) ويضيف: ((هل قابلتم قط أحدًا لا يؤمن بأن أمه أعظم وأرق وأسخى إنسانة فوق الكوكب ؟!)) ويقول كلامًا جريئًا وقد يكون صادمًا للبعض لكنه يجسد الحقيقة: ((من الممكن أن نقدم تنازلات حول موقع الوالد؛ فقد لا يكون هو الأكرم أو الأشجع أو الأنجح بين أقرانه من الرجال. أما الأم فدائمًا عند ابنها أو ابنتها؛ هي الأعظم، والأرق، والأكثر حنانًا، وعطفًا، ورفقًا، وصدقًا؛ من كل من يمشي فوق البسيطة. أعطوني شخصًا واحدًا لا يقول بذلك؛ فإذا وُجِد فسيكون مولودًا من صخر، أو هضبة، أو من منجمٍ للفحم؛ وحتمًا ليس من أمٍّ)) ولا يكتفي الحارثي بذلك بل يقول: ((يقول لي أحدُ أصدقائي: أنا أُقَيِّم علاقتي بأمي وأبي مع كل الاحترام؛ على أن الوالد اشتهى الوالدة ذات ليلة وفَعَلَها ثم ترك باقي المهمة للوالدة؛ لكي أحضُر إلى هذه الدنيا. ولم تتوقف مهمتها هنا بل كان عليها أن تبقى لصيقة بي مدة أطول؛ أي إلى أن أُفسِح لي في مجالس الرجال مكانًا)) ويضيف: ((أبي مع كامل التقدير والفخر؛ أكمل واجبه في دقائق أما أمي؛ فقد حملت العبء الثقيل شهورًا وسنوات إلى أن أصبحتُ في وضعي الذي أنا فيه اليوم)) مقالة فهد العرابي الحارثي؛ وجدتُها تعبر ببلاغة آسرة عما أود أن أقوله عن أمي.
ويكتب الشاعر عبدالله السفر عن أمه نورة بنت أحمد الحطَّاب: ((وقعت كارثةٌ هزَّتْ والدتي هزًّا، وبقيتْ آثارُها النفسية معها طوال حياتها؛ أصيب الوالد في حادث تصادم في طريق عودته من العمل بين بقيق والأحساء؛ الإصابة خطيرة في الجمجمة؛ الدكتور كان يريد أن يضعه في ثلاجة الموتى)) هذا الحادث المروع الذي نجا منه الأب خلق في الأم: ((الجزع .. الهلع .. الخوف .. القلق .. التشاؤم؛ هذه هي الصورة التي باتت عليها أمي؛ تعيش التوجس على زوجها وأبنائها وأقربائها جميعا؛ يرتفع منسوب القلق بانتظار الأسوأ؛ فيجعلها ملتصقةً بالباب؛ تنتظر على جمرها الذي لا يُطفأ أبدا. بوفاة أبناء الابن جاسم، والبنت منيرة أيضا. واحدةٌ من أخواتي قَضَتْ حرقًا وهي تلعب مع صديقاتها، واحدة أخرى عانت مرضًا شديدًا لم يمهلها؛ جميعهم في سن صغيرة جدا؛ يتراكم الأسى الموجع، ويتكثَّف الجزع كأعتى عاصفة)) ويضيف: ((شبَّ حريقٌ في أحد معامل البترول في بقيق حيث يعمل أخي؛ سحَّبتني معها من الأحساء إلى بقيق لتحضن ابنها، وتطمئن على سلامته؛ اطمئنان اللحظة؛ الذي سرعان ما يخمد لتستبدله بهَبَّةِ فزعٍ جديدة)) ويضيف: ((أصيب أخي حمد في حادث تصادم خطير في طريق عودته من العمل في الظهران إلى الأحساء؛ فانشق فؤادها شقًّا على ابنها الأكبر؛ عاشت أمي في جزع دائم)) هذا القلق الدائم على الأولاد والالتصاق بباب البيت انتظارًا لمن تأخَّر دقائق عن موعده؛ هذا يُذَكِّرني بأمي (رقية الشمرية) فقد كانت شديدة القلق على أولادها؛ وهو قلقٌ دائم أصابها بالكثير من الألم والمشقة؛ خلال حياتها كلها. لكنها كانت صبورة غاية الصبر حين تحصل فاجعةُ الموت؛ فقد رأيتها تتصبَّر وتتجلَّد حين ماتت بين يديها صغيرتها لؤلؤة الجميلة، فسمَّت عليها البنت التي جاءت بعدها ولكن الموت أخذها أيضا وهي ما تزال طفلةً جميلة، ورأيتها تكتم ألمها حين مات أخي عبدالكريم بين يديها، ورأيتها تتصبَّر وتتجلَّد وتتماسك حين ماتت أختي الكبرى حصة أثناء الولادة؛ وهي فاجعة مروِّعة لنا جميعًا لأنها بلا مقدمات، ثم رأيتها تتحمل وتصمد لمصابها بوفاة ابنها الأكبر صالح؛ فقد كانت شديدة القلق على الأحياء الأصحاء حين يتأخرون دقائق عن موعد عودتهم لكنها تصبح كائنًا آخر تمامًا حين يكون الغياب قاطعًا وأبديًا وفاجعًا.
أما الشاعر محمد الدميني فيتذكَّر المعاناة اليومية لأمه لجلب الماء؛ ففي طفولته المبكرة جدا: ((تحملني أمي من الأرض لأستقر فوق ظهر الحمار؛ بعد أن راكمتْ القِرَب الفارغة تحتي؛ لنبدأ رحلة الهبوط عبر منحدرات الجبال إلى قيعان الأودية؛ حيث الآبار المنزوية؛ ما أن نتقدم باتجاه فوهة البئر حتى نجد نساء القرية يتسابقن على الدلاء وملء قربهن بالماء؛ ووسط كل ذلك تندلع القصص والحكايات والأسئلة عن أحوال القرية: مَن جاء من الأسفار؟ ومن غادر، ؟ فضلا عن مناكفات أمهات الأزواج على الزوجات والعكس؛ أعانق تلك القصص طفلًا وأشعر أنني أكنز خطوة في عالم الأمهات الساحرات؛ ويفتح عيناي على خبايا القرية وحِيَلها، وسأتلقى حنان الأمهات وقُبلهن لطفل في الخامسة من عمره؛ كل هذا لن يُخفي عذاب الصعود مرة أخرى عبر المسالك الصخرية الوعرة؛ تتشارك في هذا العذاب الحمير المحملة بقِرَب الماء والأمهات اللاتي يحملن قِرَبًا إضافية على ظهورهن)) إن الأم هي: ((الشجرة الوارفة المنحوتة من تضحيةٍ وعطاءٍ مطلقَين)) الأم قادرة: ((على التنازل عن مباهج الحياة لصالح)) الجنين الذي تحمله شهورًا في بطنها ثم حين يأتي يباشر الصراخ ليحرم الأم من النوم المنتظم. يتحدث عن الكدح المرهق للقرويين طول النهار: ((القسوة مكون طبيعي في سلوك أهل القرية؛ شُحٌّ كامل لأبجديات الحياة؛ ما يجعل الناس في صراع يومي لتأمين أسباب حياتهم، وهناك التوجس الدائم من تقلبات الطبيعة؛ فقد ينزل المطر وقد يحل محله القحط، وقد ينزل عنيفًا وغزيرًا يهدد موسم الزراعة كله)) النهار من شروق الشمس حتى غروبها كدحٌ وعملٌ متواصل: ((وما أن يحل الليل؛ حتى يجلل التعب والسبات كل شيء)) ويتحدث كيف أن أمه قد عانت: ((ساعات الصراع القاسي مع أبي)) هكذا تعيش الأمهات الحنونات المكافحات في صراعات مريرة مع الآباء في صلفهم وعدم إنسانية تعاملهم.
وتكتب نور الهاشمي؛ عن قسوة أبيها؛ حيث طلَّق منها، بعد ولادة نور مباشرة؛ وانتزعها من حضن أمها وهي ما تزال في النفاس: ((قام أبي بجبروت؛ بانتزاعي من صدر أمي، وأنا بنت شهر واحد)) وتقول عن أبيها: ((أما أخطاؤه في حقي وحق أمي التي أنجبتني، واختطفني منها، وهي بعد نفاس، وحرمني من حليبها، وأنا بعدُ لحمة حمراء)) لكنها تعترف بأن أباها قد اعتنى بها تغذيةً وتنظيفًا: ((كان يقوم بتحميمي، وقص أظافري، وتمشيط شعري، ويحني كفَّي، وكان يفعل ذلك بحب وسخاء)) أما رقية الهويريني؛ فتكتب عن أمها؛ هيا اللحيدان فتقول: ((إن رحيل أمي يتجدد سنويًّا ولو قلت يوميًّا؛ لما بالغتُ؛ ففجيعةُ رحيلها جمرةٌ تتلظى في قلبي، وجرحٌ لم يندمل، ونزفٌ لا يتوقف)) أما محمد الحرز؛ فكتب يقول: ((كل الكلمات التي تربت في بيتي وسمعت حكاياتي وحفظتها عن ظهر قلب؛ تَعرف أن أنفاسها في الحياة هي أنفاس أمي)) ويقول: ((معصومة اسم أمي؛ كانت هادئة الطباع، لا يُسمع لها صوتٌ وإذا تحدثتْ فإن حديثها؛ يكون خافتًا؛ حتى وهي تأمرنا بجلب حاجيات البيت من السوق؛ هذا الهدوء انعكس على تربيتي، وتشرَّبتْه شخصيتي، وذهب في العمق من تفكيري وروحي)) أما صيته الحميدان فتذكر كفاح أمها من أجل التعلُّم والاستنارة والتفتح لكن قبل ذلك تقول كلامًا ذا دلالة: ((في غفوةٍ من ليلٍ بهيم؛ أخبروا طفلةَ السادسة عشرة؛ أنْ تتأهَّب للزواج؛ بعد أن قرر الإخوة وعمهم ذلك بعد وفاة والدها، وقد وافقوا على عريسها الذي يفوق عمرها ضعفًا)) لكنها لم تكن من النوع الذي يستسلم للواقع فلابد أن تبني ذاتها بعزيمة وإصرار: ((أنجبت مولودها الأول والثاني وحتى الرابع؛ ولم تتوان يومًا عن المدرسة؛ كانت تحفظ جدول الضرب وتُحَفِّظني إياه معها، تَدْرس القسمة المطولة وتشرحها لي بعد أن تتقن حلها؛ بها قرأتُ الصبر والسهر والسفر لرحلة كفاح لا متناهية؛ أنام .. يمضي الوقت وهي لا تهدأ.. لا تنام)) هكذا تَصنع الأمهاتُ الأجيالَ الصبورةَ المكافحةَ الناجحةَ. ويكتب عبدالعزيز الحيص عن أمه (نورة الطيار) ويقول: ((أحاديث أمي دومًا تفاجئني بلفتات تأتي طبيعية وجذابة ومعبرة؛ أمي أفضل حكَّاء)) ويقول: ((أمي على ملامحها ترتسم سيرة ونضال كل وجوه الأمهات؛ منذ الصغر كلما رأيت أمي تتحرك؛ أحسست أن الأرض كلها تزمُّ نفسها عند قدميها؛ العالم عندي ليس سوى بحيرة ساكنة؛ لا يُمَوِّج سطحها إلا قارب أمي)) ويضيف: ((نحن أجيالٌ مصنوعة من صبر الأمهات النبيلات؛ خصوصًا في فترات شظف العيش، وتَعاظُم الحاجة. قرأت لمؤرخ أمريكي يقول: حين يكون الوقت وقت أزمة وحرب ومجاعة؛ يكون الزمان زمان امرأة؛ فهي تتقدم الصفوف لتنقذ البشرية، وحين الوفرة والرخاء والدعة يكون الوقت وقت رجل، وقت أثَرَةِ الأقوياء))
أما الشاعر أحمد الملا فيكتب من الأحساء شعرًا عن أمه (عائشة العرفج): ((خِلْسَةً حزَّت جلودنا مثل خنجرٍ سَنَّتْه الصخرةُ وقدحتْ أسماءنا الليالي؛ خِلسةً والنوم غافلٌ وفي صحونا آلمنا الجرج الذي لازلنا نفتش في ثيابنا عن دَمِه؛ ولم نر أين حطَّت الطعنةُ)) ويقول: ((سيذكرها زعفرانٌ كتبتْه في بياض الآنية؛ ستذكرها نارٌ علقت في ردائها يوم التهمتْ الحُمَّى أخَواتٍ أربع تباعًا؛ يذكرها فقيرٌ اعتاد شَرْبَةَ لبنِ الظهيرة، وغريبٌ شمَّ في رغيفها حنينَ الأهل؛ سيذكرها مارَّةٌ عَبَروا؛ لا أظنني قادر على كتابة سردٍ عن عائشة؛ لست مهيأ لهذا بعد؛ هذا أمرٌ لا أقوى عليه الآن)) ويختم قوله الشعري: ((هذا نصٌّ شعريٌّ اغْتَرَفْتُه عن عائشة من نوافير العين، ودم القلب، وعيون الأحساء)) وتكتب أروى الغلاييني عن أمها (رجاء) التي منعها أبوها من مواصلة الدراسة بعد أن حصلت على الابتدائية؛ فتزوجت وأنجبت ثم بعد أن كبُرت وصارت أُمًّا لعدد من الأولاد؛ أتيح لها أن تحصل على شهادة المرحلة المتوسطة منازل في سنة واحدة، ثم حصلت على الثانوية ثم حصلت على الشهادة الجامعية ثم الماجستير ثم الدكتوراه. ولستُ من مؤيدي الإصرار على نيل الشهادات التعليمية؛ فالعمق المعرفي ليس مشروطًا بالشهادات بل بالشغف المعرفي العميق المتجدد.
أما إبراهيم موسى الحميد فيقول: ((كانت أمي قوية، كريمة، متسامحة، لم تكن تشكو من قسوة الأيام، وضعف الحال؛ لا تكسرها الأيام. لكنها شاخت فجأةً بعد أن فقدتْ شقيقي الصغير في حريق المنزل ومنذ ذلك الزمن لم تتعاف لمدة تزيد عن أربعين عامًا)) هكذا هن الأمهات؛ تنبض قلوبهن بنبض أولادهن؛ فيُمرضن بمرضهم. أما الدكتور عبدالواحد الحميد فيقول عن أمه (مْطِيعة): ((ما يلفت انتباهي دائمًا في علاقة أمي بنا يتجاوز الحنان الفطري الطبيعي؛ فقد كان حنانها الوارف العميق؛ لا يسمح لعاطفتها أن تطغى على موجبات الحزم عندما يتطلب الأمر ذلك ولعل أبرز ما يتجلى فيه هذا الانضباط والقدرة على ترشيد الحنان الفطري للأم؛ هو الحرص الشديد، وربما المبالَغ فيه؛ لوالدتي على التحصيل الدراسي لبناتها وأولادها ومتابعتهم وتحفيزهم للتعلم)) ويقول: ((كانت تسهر معنا تحت ضوء الإتريك ولا تنام حتى ننتهي من أداء واجباتنا المدرسية)) هذه الأُم العظيمة التي كانت تتابع تعليم أبنائها وبناتها بكل هذا الالحاح والشغف كانت أُمِّيَّة؛ لكنها بعد أن نجح أولادها من البنين والبنات؛ دخلت مدرسة محو الأمية؛ فتمكنت أن تكون قارئة؛ إنها نموذجٌ رائع تستحق أن تقدَّم بوصفها قدوة في حسن التربية وحب المعرفة.
وتكتب نجوى هاشم عن أمها (زمزم .. ولدتني أمي زمزم وهي لم تكمل الثالثة عشرة من عمرها)) وتقول: ((زمزم البسيطة المسالمة أكثر من اللزوم، لم تُغضِب أحدًا في حياتها، ولم تَرُد على إساءة، كلما كبرتُ التصقتُ بها أكثر؛ تجمعنا لحظات طافحة بالفرح والجمال والحميمية والحب؛ أمي زمزم هي فقط من تجعل العالم أقل وحشة)) ويكتب عبدالوهاب العريض عن جدته (زينب) وعن أمه (مدينة) ويقول: ((كانت مدينة لي وطنًا، كانت قوةً في الظل، ولا تعشق النور، تعرف الكثير وتصمت، وحينما تقترب منها؛ تشعر دائما بأنك بحاجةٍ لمزيد من الوقت تتأمل في عينيها؛ وترى تعب السنين)) فوزية ناصر النعيم فتكتب عن أمها: ((البدوية التي لم تعرف من أحداث الحياة المكلفة؛ إلا التسامح والصفح والصبر؛ صيتة بنت حمود العتيبي؛ الاسم الذي يعزف على أوتار قلبي مقطوعة الحنين؛ عشقتُ تراب أقدامها.. وتغلغلتْ أنفاسُها في ذرات الأكسجين داخل رئتي ورأيتها أعظم امرأة في التاريخ)) وتكتب طفول العقبي عن أمها (فوزية) المولعة بالكتاب وبالفكر وبالفن إلى درجة الاستغراق: ((ما رأيت أمي قط إلا وفي يدها كتاب، أو دفتر وقلم؛ ففي السيارة هناك كتاب وكشَّاف صغير لإنارة القراءة، في غرفة انتظار الطبيب هناك كتاب، في المطارات هناك ألف كتاب وكتاب، وفي كل الأوقات هناك أسئلة بنهايات مفتوحة؛ توجهها لي ولأخي عن القصص وعن الكتب)) فوزية عاشقة الكتب بلغ بها عشقها للكتب أنها في سنوات الحجر قبل الانفتاح الذي أطلقه الملك سلمان كانت حين تعود من السفر تضع الكتب الممنوعة تحت ملابسها وتتظاهر بأنها حامل؛ إلى هذا الحد كان شغفها بالمعرفة، وعشقها للكتب، وولعها بالاطلاع. تقول طفول: ((لأمي قدرة خارقة على أن تحول أيًّا من مواقف الحياة العادية إلى احتفال وبهجة)) وقد ورثت هذا الشغف بالمعرفة من أمها (نور) عاشقة العلم تقول طفول: ((قصة نور جدتي مع الكتابة والقلم؛ قصة فتحت عيوني على أمي وهي تسقي روحي برواياتها)) أما الدكتور حمزة المزيني فيكتب عن أمه (راحمة بنت فرج الحجيلي) ويقول: ((كانت أمي عزومًا لا يردها شيء)) ويقول: ((أبي توفي وأنا صغير جدا. وكانت أمي بعد أن توفي أبي ونحن صغار؛ تكاد تكون العائل الأول لنا؛ إذْ كان محصول المزرعة؛ لا يغطي حاجاتنا كلها. وقد عوَّضنا الله بها فرعتنا رعايةً لا يوفيها حقها إلا ذكرها بالجميل)) أما الدكتور عبدالله المعيقل فيكتب عن أمه: ((مِنْوَة هو اسم والدتي وهو اسمٌ شائع في قرى ينبع النخل؛ ومنوة هي الأمنية والأماني وهي المُنية والمُنى. منوة معجونة من مر الصبر وحلاوة التمر؛ كانت امرأة بسيطة وطيبة وعطوفة)) أما السفير عبدالله يحيى المعلمي فيكتب عن أمه: ((مْعَدْية .. اسم والدتي هو وحده يحكي نصف الحكاية ... مْعَدْية اسمٌ قروي لفتاة جميلة من جبال عسير. مْعَدْية اسمٌ يدل على مَن تَعَدَّت بجمالها كل أقرانها وقد كان لها من اسمها نصيب ... كانت أمي تبحث عن الضيف لتكرمه، وعن الغريب لتؤويه، وعن المسافر لتستقبله)) وتكتب الشاعرة نوير العتيبي عن أمها (نورة) فتقول: ((يروي المرء عن ذاته حين يروي عن أمه؛ الجذر الذي يعود إليه؛ حكاية المرأة البدوية التي هي أمي؛ شاسعة البون عما أحياه)) وتروي عن أمها نصًّا ذا دلالة يشير إلى كيف كنا وكيف صرنا تقول الأم: ((جئنا من البادية إلى الرياض وسكنا أولا في حي المربع في بيوت أشبه بالخيام ثم انتقلنا إلى حي منفوحة مبانٍ من اللبن والطين؛ بيوت لها أسوار قصيرة وأبواب وبلا أسقف كي لا تحجب النظر)) ويكتب فيصل المشاري عن أمه: ((سارة بنت عبدالعزيز المونس)) أما عبدالعزيز العيد فيكتب عن أمه: ((نورة بنت محمد العيد ... رعت الغنم مبكرًا، وركبت الحمير، والجمال، وجلبت المياه من أقرب الأماكن، وعانت من شضف العيش وقلة المال)) ويقول: ((نورة البلاهى: قامةٌ فارعة، وشَعرٌ طويل، يُطلِق عليها أهالي قرية (البَرَّة) نورة البلاها نسبةً إلى أبيها الذي لُقِّب ب(البليهي) وهي إحدى صفات الجمل التي تعني الصبر والتحَمُّل))
ويكتب الشاعر محمد خضر عن أمه: ((فكرة بنت علي الكاشف؛ عاشت أمي (فكرة) في قريتها في بلجرشي في طفولتها وصباها الأول في رعي الأغنام ومساعدة جدي في المزرعة؛ تحفظ الكثير من الشعر المحلي الذي يروي فصولا من الحياة الاجتماعية والثقافية؛ ثقافة الإنسان في كفاحه ونضاله خلف لقمة العيش)) ويقول: ((الكتابة عن الأم هي الكتابة عن وجودي كله؛ يرتبط ذلك بكل شيء؛ بالطفولة، بالشعر، بالخوف والأمان، بالماضي والمستقبل)) وتكتب الدكتورة لطيفة العبداللطيف عن أمها: ((نورة البكر أثبتت نورة قدراتها واستحقت أن يطلَق عليها لقب (قَرْمة) ... كانت تشارك الفقراء مؤونة بيتها في سماحة وجود؛ نذرت حياتها لمساعدة من تعرف ومن لا تعرف؛ بكل ما تحمله كلمة (نذر) من معنى؛ تعلمتُ منها الأخلاق الفاضلة؛ فقد كانت منبع مكارم الأخلاق والحنان والرغبة في مساعدة الآخرين)) أما الدكتورة ثريا عبيد فتكتب عن أمها: ((عائشة ...كانت سلسة الطبع وحكيمة في تعاملها مع زوجٍ له طباع حادَّة في بعض الأمور. كانت حنونة علينا جميعا وعلى أولاد الأصدقاء والمعارف)) وتكتب الدكتورة زينب الخضيري عن أمها: ((أمي كانت قوية بضعفها، شديدة برقتها، رحيمة بغضبها، صبورة بانفعالها)) وتضيف: ((الحديث عن الأمهات أشبه بالمعراج إلى السماء؛ إلى الأعالي هناك حيث النور والسلام والطمأنينة)) ويكتب جمال العتيبي عن ولعه بأمه (نورة) وحرقته على فقدها: ((الحياة التي عشتها مع أمي لم تتجاوز الاثني عشر عاما؛ علمتْ أمي بإصابتها بمرض السرطان وكان عمرها ثلاثين سنة)) عاشت ثلاثة أعوام تترد على المشافي وأيضا: ((ذهبتُ معها كثيرًا لشيخ يقرأ وآخر يداوي بالعسل، وآخر يداوي بالطب الشعبي)) وهكذا فَقَد جمال أمه؛ وهو ما يزال طفلا لكنه لم ولن ينساها؛ فقد كان عميق الحب لها، شديد التعلق بها. ويكتب عبدالمجيد الصيعري عن أمه: ((أمي ليست إنسانة عادية، ويصعب أن يجود بمثلها خيال؛ أمي سيدة متفردة؛ تجتاز المحن برشاقة غزال؛ عندها قدرة عجيبة على استعادة ابتسامتها في أحلك الظروف)) وتكتب سارة الرشيدان عن أمها (نورة الونيس) فتقول: ((رحلت قبل ثلاثة أعوام؛ قررتُ أن لا أتذكر سنوات مرضها الذي هاجم ذاكرتها؛ فأنساها حتى ملامح أعز أبنائها؛ وضاقت دائرة الحياة على ذاكرة بلا تفاصيل)) وتقول: ((عاصرت أمي ستة ملوك؛ لكن الذكرى التي لا أنساها لها؛ فجيعتها عندما قُتِل الملك فيصل؛ كانت تحمل إبريق الماء لتضعه على موقد النار؛ عاد والدي من العمل وأطلق الخبر الصاعق: قُتِل الملك فيصل؛ صرخت أمي وألقت إبريق الماء بفجيعةٍ على الأرض؛ لم أنس فجيعتها ولوعتها وهي تسأل وأخذت تبكي)) إن قتل الملك فيصل كان مفاجئًا وفاجعًا فالحادث أصاب الناس بذهول شديد وارتباك صاعق.
وختام الكتاب مقال الدكتورة فوزية أبو خالد؛ عن أمها (نور الهاشمية) وقد أخَّرتْه ليكون آخر مقالة في الكتاب على طريقة الكرام الذين لا يأكلون إلا بعد أنْ ينتهي كل الضيوف؛ فهم آخر من يأكل. ولأن أمها؛ أُمٌّ استثنائية في الذكاء، ونفاذ الرؤية، والحكمة، والاستقلال، والاعتداد بالنفس؛ فإن المقالة جاءت ضافية ومفصَّلة وزاخرة بالكثير من المواقف الجميلة الرائعة؛ التي تستحق التوقف الطويل، والتأمل العميق؛ في ما تضمنته من دلالات وما ترمز إليه من إيحاءات؛ تقول فوزية عن أمها: ((كانت نور في الحزن ولحظات الفقد والانكسار؛ سيدة موقف من حرقة الأسئلة؛ ليقين تدابير اللطيف الخبير الجبار؛ فهي من الأحرار الذين ينثنون على الجرح ولا ينحنون؛ عاشت نور في حاضرة الحجاز، وعاشت في بادية الطائف، وعاشت في تقشف نجد، وحملتْ المياه على رأسها من القليب؛ عاشت في باريسية لبنان، وقادت السيارة، وعاشت في الغنى والفقر، كما كتبت بخط يدها؛ إنها سيدةُ أعمالٍ، وتعمل بيدها. إن نور الهاشمية امرأةٌ استثنائيةٌ وابنتها فوزية لا تَقِلُّ عن أمها في الصفات الاستثنائية؛ لذلك جاءت مقالتها عن أمها مطولة، وكثيفة، ومتشعبة، وذات دلالات عميقة؛ فهي غير قابلة للاختزال.
فجيعة ولحظة تأمُّل:
حين فُجِعْتُ بموت أمي كتبتُ في رثائها الأبيات التالية؛ فقد أثارت الفاجعة إحساسًا عميقًا بأن الوجود زاخرٌ بما يستحق مداومة التفكير الجاد والتأمل العميق والمراجعة الفاحصة فالحياة جدٌّ لا هزل والمسؤولية مُلحَّةٌ وعظيمة والنتائج مبهجة أو فادحة وتأتي الفواجع لتوقظ العقل وتستنفر العاطفة وتحفز إلى التأمل ففي اليوم الذي فُجعتُ فيه بموت أمي غرقت في التفكير حول حياة الإنسان الزاخرة بالإبداع والعطاء وحول نـهايته الفاجعة !!! إنـها مفارقة مذهلة أوحتْ لي بـهذه الأبيات :
تفاجئنا الأيام تُعـطي فتأخـذ تَـهُبُّ نسيماً ثم تـنهال تعصف
عرفتُ من الأيام حلواً ومُرَّها وذُقتُ مرارات تَهَزُّ وتُدْنِف
وما كنتُ يوماً للشدائد خاضعًا ولكن قلبي في اضطرابٍ ويَرجُف
فُجعتُ بأمي إذْ فَجَعْني رحيلُها فليس مـن الأنباء مـا هو أعنف
أتؤخـذ أمي هكذا أخْذ عنوةٍ ولا ملجأٍ يُرجى من الموت يُسعف
ذرفتُ على أمي دموعاً غزيرةً وما كنتُ قبل اليوم للدمع أذرف
عهدتُ دموعي لا تُجيب لموقفٍ ولكنها سالـتْ غزاراً وتَذرف
ألا إن أمي تـستحقُّ دموعـنا لقد أغدقتْ مـالا يُعَدُّ ويوصـف
تلقَّيْتُ منها الحبَّ صدقاً وغامراً وفاقـتْ بـهذا ما يقال ويؤلَـف
رأيتُك قبل الدفن نجماً مضيئةً كأنك في نـومٍ عمـيقٍ يهفهـف
رأيت وميض الطُّهْر ودَّع باسماً يُكـرر ما نـلناه منـها ويَعطـف
تُوَدِّعنا بالبُشر إذ كان وجهها يشعُّ من الطُّهْر الـذي كان يُومِض
يكاد حنانُ الأمِّ يَنطق وحـده فكنت أُصيخ السمع صدقاً وأُرهف
فيا ألمي من ساعةٍ غاب وجهها عليها سلام الله ما ظـلَّ مصحـف
ألا يا حباك الله يا خيـر مُرضعٍ لقـبرك أضواءٌ تشـعُّ وتكـشف
عجبت بأني أُسلم الأُمَّ للـثرى وهل مثلـها للتُّرْب طـعْماً يُخَلَّف
أندفن أمي في التُّراب حـقيقةً لقد كـاد عقـلي للغرابة يخسـف
إلا إن هذا غايةً في نكـوصه وأغرب ما في الكون حقًّا وأسخف
عجزت أَمُدُّ الطرف نحو مصيرها فصرت أشيح الطرف عنها وأصرف
ألا إن مرأى الدفن يزري بكائن أراه حـريًّا بالـذي هو أنصـف
ألا إنـها دنيا تخبئ غـدرها وتتركـنا نلهو بما هـو مُدْنـف
تباركتَ يا رحمن عَوِّض مصابنا بإكرامـها يا من تجـود وتَلطف
ستلقين يا أمي جناناً عـظيمةً فـهذا أوانُ الأجـر والله أرأف
نـهايةُ إنسانٍ بكل عطـائه يُهال عليه التُّرْبُ والحزنُ يقصف
أما إنـها دنيا أراها عـجيبةً تُنَمِّقُ أريـاشاً وتـأتي وتَنتـف
مصيرُ بني الإنسان رمسٌ بحفرةٍ وقد كان في الدنيا عظيماً يزخرف
ذكـاءٌ وعلمٌ ثم حلمٌ وحكمةٌ وفي لحظةٍ يُنهى وفي القبر يُـقْذف
يُعِدُّ لآمـالٍ عـظامٍ كـأنه إلى أبد الآبـاد يبـقى ويقـطف
وهذا لعمـر الله عنوانُ مجـده فما تَزهو الدنيا بمن كـان يوجِـف
فليس دعاةُ الهدم مثلَ بُناتـها وليس الذي يبني كمن راح يقصف
أفيقوا بني قومي وهُبُّوا لقـادمٍ تواثبتْ الأقـوامُ بالعـلم تـهتف
تدور بـنا الأيام خلفًا وناكصًا ونحن بأثقـال التخلُّف نـزحـف
أفيقوا أفيقوا للحضارة والـبناء وإلا فإنـا للمـهالك نُخـطَـف
0 تعليقات