أم كلثوم من الميلاد إلى الأسطورة ... التوثيق الأدبي للسيرة الفريدة
لعل التحدي الأساسي الذي واجه حسن عبد الموجود قبيل وأثناء كتابة "أم كلثوم من الميلاد إلى الأسطورة" هو كيف يحوّل تلك المذكرات المعلومات والقصص المنثورة هنا وهناك عن "الست" إلى نصٍ أدبي مختلف، يحتفظ فيه بطبيعة الحكاية من جهة، ويتمكن من إضفاء مساحات أدبية وبلاغية وخيالية خاصة به في الوقت نفسه، كل ذلك دون أن يزعم أنه يقدم جديدًا من جهة، وبشكلٍ يجذب القارئ إليه تمامًا من جهة أخرى!
والمطلع على أي قصة من خمسين قصة في ذلك الكتاب يدرك تمامًا غلى أي مدى نجح حسن عبد الموجود في ذلك، بل بلغ الكتاب شأنًا أبعد بإضافة الصور التوثيقية لعدد من مواقف وحفلات ورحلات أم كلثوم، حولت الكتاب من سيرة أدبية بليغة إلى ألبوم مصوّر أيضًا يحب القارئ والشغوف بعالم الست أن يحتفظ به وأن يطل عليه وعليها من خلاله من حينٍ لآخر.
تحضر بين ثنايا الكتاب بين الحين والآخر فكرة كتابة السيرة الأدبية، وهي الكتابة التي خاض فيها عدد من الروائيون والكتاب أشواطًا بعيدة، واستغلوا سير العلماء والمفكرين حينًا لوضع تصور خاص أو فرض رؤية بعينها من جهة، أو كانت مجرد رحلة أدبية وتجربة لتوثيق سيرة هذا الرجل أو ذاك، ولم يعد خفيًا على القارئ أن السيرة الأدبية لاتلتزم بالضرورة بتفاصيل حياة العالم أو المفكر، وإنما للروائي أن يفترض من تفاصيل العلاقات والمواقف والأحوال ما شاء، شريطة الاحتفاظ بحقائق التاريخ الثابتة، ولكن عبد الموجود في كتابه قرر أن يخوض تجربة أخرى، وذلك بالاعتماد على القصص والحكايات الحقيقية ثم تمثل مواقف أم كلثوم ومن حولها في كل حالة والتعبير عنها بشكل شديد الذكاء وبأسلوبه الأدبي الرصين في الوقت نفسه معًا، انظر له هنا وهو يقول:
(ارتج جسد أم كلثوم بالضحك، ودمعت عيناها، حاولت الكلام وفشلت، تفادت النظر إلى ورقة المحضر في يدها حتى لاتهاجمها نوبة الضحك مجددًا، ثم مسًها شعور بالقلق بعد أن هدأت، وكي لا تسمح له بأن يكبر ويلتهمها طلبت فكري أباظة على التليفون، وقرأت له المكتوب في الورقة وقالت له (بس يا سيدي، يعني لازم أروح المحكمة واسمع القاضي وهو بيحكم علي بالطاعة) .... استمرت أم كلثوم حتى موعد المحاكمة تتأرجح بين الضحك والغم) .. إلى آخر القصة المعروفة عن الرجل الذي ادعى أنه تزوج أم كلثوم!
أو انظر إليه مرة أخرى وهو يصور بكلماته سفرها إلى القدس:
(لا تنسى أبدًا تلك الإعلانات الجميلة التي وجدتها معلقة في كل مكان في القدس، على الجدران، وواجهات المسارح، وأبواب الدكاكين والحانات والبلكونات وأعمدة البرق، وحتى على عربات القطار، لا تنسى أيضًا التهليل والصياح والطبل والزمر والعيون المنبهرة والقلوب المفتوحة والوجوه المشرقة التي قابلتها كأنها ملكة القدس ملأتها طاقة دافئة وأشعرتها بأنها ستطيل عمرها ألف عام صحيح أنها ليست المرة الأولى التي تُستقبَل فيها بفرحٍ غامر، لكن هؤلاء الناس فيهم شيء غريب مدهش، شيء كالسحر ربما يستمدونه من أديم الأرض، أو من أشجار الزيتون والصبَّار والصنوبر.. ).
يعرف حسن كيف يلتقط القصص والحكايات، ويدور حولها ويقدّم فيها ويؤخر لينسج منها حكاية شديدة الجاذبية، تعكس روح أم كلثوم وعالمها من جهة، وتقدم للقارئ مشهدًا أدبيًا فريدًا من جهة أخرى، والذي قرأ وعرف عددًا من تلك المواقف والأخبار لاشك سيتوقف مرة أخرى مع طريقة العرض والتقديم الذكية التي يصوغ بها حسن عبد الموجود تلك الحكايات، وهو بين هذا وذاك لا ينسى أنه يقدم شخصياتٍ من لحمٍ ودم، يعرف كيف يصوّر أحاسيسهم ومشاعرهم بطريقة مثلى، ويتنقل بين القصبجي ورياض السنباطي وأحمد شوقي وإبراهيم ناجي، وغيرهم ممن جايلتهم أم كلثوم وبادلتهم الأحاديث والمناقشات حول القصائد والكتابة والغناء، بل ويضفي في كل مرة من روح الست وما عرف عنها من "قفشات" مصرية أصيلة، تنزع عنها هالة القداسة لتبصمها ببصمة بنت البلد المصرية البسيطة التي ضحكت لها الأقدار وجعلتها بحق "كوكب الشرق"
لا يقتصر تمثل حسن عبد الموجود للشخصيات على أم كلثوم، بل هو يراعي بدقة أن ينقل عالم الست بكل تفاصيله وشخصياته وأبطاله، لذا نراه يقدم صورة شديدة الجمال والحساسية والشاعرية للقصبجي مثلاً في قصة (آه يا كوكب) وكيف كادت غيرته على أم كلثوم أن تجعله قاتلاً ! ويتوقف عند ناجي في (لعنة الأطلال) ليتقمّص شخصية الشاعر الحبيب وكيف كتب تلك القصيدة الخالدة من خلال تجربة عاطفية شديدة التأثير عليه مما جعلها واحدة من أخلد وأجمل الأغنيات، وفي قصة (الله يخرب بيتكم جميعًا) يرسم مشهدًا سينمائيًا لتلك الحالة الفريدة التي جمعت بين أم كلثوم وتحية كاريوكا وما كان بينهما من ود وصداقة، هكذا مع كل قصة وكل حكاية يتجلى لنا جانب من جوانب الست، وننتقل مع الكتاب وكاتبه إلى ذلك الزمن الجميل بشخصياته وعالمه وناسه، وعلى الخلفية أغنيات أم كلثوم وأثرها الذي لايزول .
يعرف حسن بمهارة كيف ينقل قارئه معه عبر كل قصة، وكيف يؤثر عليه بكل حكاية وموقف، وكيف يملك عليه مشاعره، فيضحك هنا ويتأثر هناك ويتعجب من موقف ويفاجئ بآخر، ولا ينسى أن يضع بصمة الحزن الشفيفة في النهاية، وبطريقة تخفف من وطأة الحزن وقسوة الرحيل، بعد أن عشنا معها كل تلك القصص والحكايات، ليختم الكتاب ختامًا يليق بتلك الرحلة الثرية فيكتب وكأنه يرثي تلك اللحظات الأخيرة في حياة أم كلثوم :
( سارت ببطء حتى وصلت إلى الخشبة. ارتفعت الموسيقى المبهجة، وصدحت بأغنية «القلب يعشق كل جميل»، وحين وصلت إلى مقطع «كنت أبتعد عنه، وكان يناديني ويقول مصيرك يوم، تخضع لي وتجيني»، اقشعرَّ بدنها، وأحسَّت بأن صوتها يغادر القاعة ويخترق السحب والسماوات، وأنها في حضرة النور لا في حضرة الناس، لكن التصفيق القوي أعادها إلى الأرض. انفجرت الآلام في جسدها. آه يا وجع القلب. لماذا في تلك اللحظة؟! طاقتها تنفد. قلبها يدق بعنف. جسدها يرتعش. صوتها يخبو. ما باله يخرج هزيلًا، كأنه يخرج من ترانزستور فرغت بطاريته؟! ثم انحبس صوتها تمامًا وهي تحاول أن تغنِّي «يا ريت حبايبنا ينولوا، ينولوا ما نُلنا يا رب»، أوشكت على السقوط، وبدأت تصدر عنها إشارات باليد وبالرأس، وارتفعت همهماتٌ هنا وهناك، ونزلت الستارة، وهرول أعضاء التخت إليها وأجلسوها، وسمعوا نشيجها العالي، وهي تضع رأسها بين يديها. أدركوا أنها تبكي بحُرقة، فسقطت دموع الرجال، وبهذا فقد تبعوها في كل شيء، في الفرح والغناء والحزن والبكاء. ولدهشتهم رفعت وجهها الغارق في الدموع نحو السقف، وقالت مناجية الله: «شكرًا لأنك تركتني أغنِّي لك يا رب!».))
ورغم أن الكاتب لم ينهي الكتاب عند هذا المشهد المؤثر، وأراد أن يخفف من وطأة الألم باستحضار شخصيتين أخيرتين تتحدثان عن الست بشكل موجز، وهما المصور الكبير فاروق إبراهيم، ومطرب الشعب سيد مكاوي، إلا أني شعرت أن الكتاب توقف عند ذلك المشهد طويلاً، ولم أتجاوزه إلا بعد فترة.
شكرًا لحسن عبد الموجود على هذه الرحلة الأدبية الشيقة الوفية للسيدة أم كلثوم وعصرها وعالمها، وشكرًا لديوان على هذا الكتاب والإخراج الفني المحكم، وعلى هذه الصور التي وثقت الرحلة أيضًا وأضافت أبعادًا أخرى ممتعة للقراءة حيث جعلت القارئ يقرأ وكأنه يرى أم كلثوم و يرصد حركاتها والتفاتاتها وكأنه يسمع كل كلمة ويرى كل ابتسامة وضحكة، في الخلفية أغنياتها على الدوام.
0 تعليقات