«ابنة ليليت».. حين تكون القوة قناعاً والألم جذراً
يرسم الروائي السعوديّ أحمد السماري في روايته "ابنة ليليت" سيرة امرأة مدهشة في صلابتها، منهكة في داخلها، استطاعت أن تعيش على الحافة بين ضوء الإنجاز وظلمة الاضطراب النفسي، بين الحلم الأمريكي وميراث الظلم في وطنها الأم. جواهر، بطلة الرواية، مرآة لجيل من النساء اللاتي شققن طرقهن بأظافر الإرادة في مجتمعات مغلقة، قبل أن تنال منهن الوحدة والخذلان، دراما مستدركة، تنتهي بها إلى انتحارٍ بطيء، محكوم بتشخيص اضطراب ثنائي القطب.
جواهر امرأة ناجحة، طبيبة تحمل شهادة عليا، مهابة في حضورها، متحفظة في صداقاتها، لكن الرواية تسلط الضوء على الثنائية العميقة في تكوينها: بين القوة الاجتماعية والهشاشة النفسية. هذا التوتر هو محور البناء النفسي لشخصيتها.
ولدت جواهر من أب سعودي مسن وأم هندية شابة في علاقة زواج غير متكافئة، فكانت الهوية الهجينة أول اختبار نفسي: ابنة "المنطقة الشرقية" في جسد "الأجنبية"، ابنة العائلة الثرية والمقصية عنها في آن. هذا التكوين جعلها منذ الطفولة مهيّأة للتمرد والانعتاق.
الإخوة غير الأشقاء، وتحديداً الأخ الأكبر، أعادوا إنتاج الظلم بمنطق الهيمنة الذكورية، متجاهلين حقوق جواهر وأمها الكاملة في الميراث، مما أدى بهما إلى مغادرة الوطن بالقليل مما سُمح لهن به من مال. هذا الوعي المبكر بأن الحقوق لا تُمنح بالحب أو الدم، بل تُنتزع، شكّل نواة التمرد في جواهر، ودفعها للسفر في عزّ شبابها نحو أمريكا.
"الموت يقتل المستقبل وينهيه، أما الخيانة وعدم الثقة فيقتلان الماضي والمستقبل وكل ذكرى حسنة."
الموت، في نظر جواهر، ليس كارثة مطلقة، بل نهاية للزمن الممتد نحو المستقبل. تقول: "الموت يقتل المستقبل"، في إشارة إلى توقف القدرة على الحلم، السعي، أو التغيير. وهو ما يذكّر برؤية مارتن هايدغر في "الوجود والزمان"، حين كتب: "الإنسان كائن متجه نحو الموت، والموت هو الحد النهائي للكينونة." لكن جواهر لا تمنح الموت السلطة المطلقة؛ الماضي يبقى، والذكرى تعيش، والحب لا يُمحى بالموت وحده.
الخيانة كتمزيق للزمن والمعنى، تقتل اللحظة، وتعيد كتابة الماضي، وتلغي المستقبل. اللحظات الجميلة تصبح محل شك، والعلاقات تعاد تأويلها. كما يقول بول ريكور: "الخيانة تفجر الذاكرة، لأنها تعيد كتابة معناه."
في تصور جان بول سارتر، تنهار العلاقات حين تفقد شرطها الأساسي: الثقة. عندها لا يبقى الآخر "قريباً" مهما كان قربه الجسدي، بل يصبح غريباً لا يُحتمل.
وتختصر جواهر مأساة الكائن العاقل الذي يعيش زمنه كله كنسيج واحد. فإن الخيانة لا تقتله جسدياً، لكنها تفكك نسيجه الوجودي.
"ودعتها، وعند مدخل بوابات الجوازات التحم جسدانا معاً... وشعور مؤلم لاحتمال أن تكون هذه النظرة الأخيرة في وجهها."
اللحظة التي تصفها البطلة، لحظة انتقال نفسي عنيف تُختزل فيها سنوات من الحب، والرعاية، والانتماء. حين تقول "التحم جسدانا معاً"، تصف عناقاً جسدياً كأنه ذوبان مؤقت للذاتين في لحظة مقاومة للفصل الحتمي.
هنا يظهر ما يسميه جون بولبي، مؤسس نظرية التعلق، بالارتباط الآمن المهدد. إذ تكون الطفلة (حتى في نضجها) مرتبطة بالأم كملاذ، لكنها تعي أن هذا الملاذ سيُسحب منها. هذا يُحدث حالة من القلق الانفصالي المؤجل.
تقول جواهر: "غصة متوقفة في منتصف الحنجرة ابتلعتها في حرج بالغ." هنا نجد الرغبة في الانفجار بالبكاء تعارضها "وصايا المجتمع" على الكبار، على الأقوياء، على المغادرين بأن يضبطوا أنفسهم. الغصة، في التحليل النفسي، هي العاطفة المكبوتة التي لا تجد لها مخرجاً مشروعاً.
يشير سيغموند فرويد إلى أن "ما لا يُقال بالكلمات يظهر في الجسد"، والغصة هنا، هي التعبير العضوي عن كبت الحزن.
جواهر لم تبكِ علناً. بل "ابتلعت" الألم، لتتحول لحظة الانفصال إلى جرح غير معلن ظل ينزف عبر الزمن، ولم يندمل حتى جاءت لحظة الوفاة بعد عقود، بما يشبه الكفارة من قبل الراوي، إذ لم يقع لقاء ثانٍ في الحقيقة.
حين تقول: "شعور مؤلم لاحتمال أن تكون هذه النظرة الأخيرة في وجهها."، فإننا أمام لحظة موت رمزي. النفس، في لحظات معينة، تدرك أن هذا الوداع قد يكون نهائياً. هذا الحدس، كما تشير أبحاث إليزابيث كوبلر-روس حول الفقد، يُخلّف أثراً دائماً في لاوعي الفرد، حتى لو لم يقع الموت فوراً.
ما يعمّق هذا الوداع نفسياً هو التشظي الهوياتي: جواهر تنتمي لأمها من جهة، ولرحلتها من جهة أخرى. والدتها تعود إلى الهند، الوطن الأم، وهي السعودية الأب تذهب إلى أرض الفرص – أمريكا. هذه القطيعة الجغرافية تتحول إلى تمزق نفسي بين الجذور والطموح، بين العائلة والاستقلال، بين الرحم والمستقبل.
هذا المشهد لا يُقرأ فقط كوداع مأساوي، بل كعلامة فارقة في تكوين الهوية النفسية لجواهر. إنها لحظة انفصال وانشطار. الغصة التي ابتلعتها لم تكن فقط حزناً على الفقد، بل موافقة صامتة على الدخول في عالم الوحدة، والاعتماد الذاتي، والنجاة الصامتة.
لقد ودعت أمها، لكنها ودعت معها أيضاً مرحلة من الأمان، والطفولة، والانتماء غير المشروط. وهذا ما يجعل ألمها لاحقاً، في مواجهة المرض والخذلان، كنتيجة تراكم وداعات مؤجلة لم تُعاش بالكامل.
في أمريكا، حققت جواهر نجاحات مهنية واجتماعية لافتة، لكنها دفعت ثمنها من جسدها وكرامتها ووحدتها. تعرضت للاغتصاب من زميل في العمل، فانتقمت منه بطريقة ذكية دون أن تُدان. تتابعت الصدمات: فضيحة سياسية، خسارة أموالها في البورصة، ونوبات اكتئاب حاد استمرت لأشهر، لم تخففها سوى رعاية إنسانية بسيطة من صاحب محل شطائر يدعى متولي وابنته، اللذين اعتنيا بها وكأنهما عائلتها البديلة.
"لم يكن الحلم الأمريكي حلماً خالصاً، بل مشوار صعود محفوفاً بالوحل والعنف والهشاشة."
تُعرف جواهر في أمريكا باسم جورجيت دافور، بينما عاشت ابنتها ميلا كاستيلو مع جدتها من جهة الأب، في عزلة تامة عن الأم. لم ترها منذ أن كانت في الثانية من العمر. ظنت أنها هُجرت، إلى أن تلقت في عيد ميلادها الـ23 اتصالاً من محامي والدتها يُخبرها بوصية تمنحها منزلاً وثروة. حينها فقط، عرفت من جدتها أن والدتها كانت ترسل رسائل وهدايا سنوية، لكن والدها منع اطلاعها عليها، خشية عودة الأم للمطالبة بالحضانة.
وهكذا، تربّت الابنة على وهم الهجر، بينما كانت الأم تحب من الظل، وتقاتل بصمت.
عادت جواهر إلى وطنها في الستينيات من العمر، منهكة من الداخل، ناجحة في الظاهر. تعيش بصمت، وتعاني من اضطراب ثنائي القطب.
اضطراب ثنائية القطب في الرواية لا يُستخدم كتقنية درامية، بل كبنية داخلية. تقول جواهر: "هناك زلزال، يتبعه بركانٌ داخل عقلي، وتشويش في وصلاتي الداخلية، وصوت حول أذني، وفوق كتفي، يطرح أسئلة كثيرة ومربكة، وأنا أتلعثم في الإجابة، ماذا جرى؟"
هذا العبء النفسي يتراكم حتى تغادر الحياة ببطء، تاركة ابنتها تنتظر لقاءً لا يحدث، وتتلقى خبر الوفاة عبر الهاتف من خالها بأرض الوطن التي ضمت جسد الدكتورة جواهر المنهك. جواهر تموت كما عاشت: بصمت مجلل بالقوة.
الرواية تُدين الظلم، وتُشيد بشجاعة امرأة صلبة لم تنكسر رغم كل ما عصف بها. "لم تكن جواهر تنتظر الموت، كانت تنتظر أن يسألها أحد: كيف حالك فعلاً؟"
رواية "ابنة ليليت"، سردية واقعية، مرتكزة على بناء أدبي متخيل يفضح هشاشة الإنسان وسط أقنعة المجتمع. عبر شخصية جواهر، يرينا السماري كيف تكون الكلمة طوق نجاة، لا وصفاً للمأساة.
0 تعليقات