"عيش السرايا" لحمور زيادة.. سخرية الواقع بين الأيديولوجيا والانهيار
يتناول هذا المقال رواية "حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية" للكاتب السوداني حمور زيادة من منظور نقد النقد، مركزًا على آليات السخرية الأدبية، والانحياز الأيديولوجي، ودور الأدب في تفكيك خطاب السلطة الدينية من الداخل. يحلل المقال شخصية الراوي المنتمي للحزب الإسلامي الحاكم، وكيفية بنائه لمبرراته الفكرية، وتقاطعاته مع شخصيات نسائية ورمزية مثل الحاجة والتومة، وعناصر تاريخية واجتماعية تنعكس في السرد. كما يستعرض المقال البنية الرمزية للمرأة، والانقسامات المجتمعية، ودور الحكاية الساخرة في تعرية السلطة وكشف آلياتها النفسية والثقافية. يعتمد المقال على مرجعيات فكرية وفلسفية من علم النفس السياسي والأنثروبولوجيا والنقد الثقافي.
في روايته "حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية"، يوظف الكاتب حمور زيادة الأسلوب الساخر كأداة تفكيك سردي لخطاب الأيديولوجيا الدينية الحاكمة في السودان، وذلك من خلال شخصية راوٍ يبرر ويؤمن بمرجعياته الفكرية حتى النهاية، متلبسًا برؤية الحزب لا برؤيته الذاتية. في هذا المقال، سنقارب الرواية من منظور "نقد النقد"، محاولين رصد بنيتها الساخرة وتحولاتها الرمزية، ودراسة تمثلاتها للوعي والانحياز الأيديولوجي، من خلال أدوات التحليل الثقافي وعلم النفس السياسي.
أولاً: الراوي كمجهر ساخر للأيديولوجيا الرواي في الرواية ليس محايدًا؛ بل هو منخرط عضوياً في سردية الحزب الإسلامي الحاكم. لا نرى نقدًا مباشرًا للنظام، بل نتابع عقلًا متورطًا في تبرير كل ما يحدث، حتى سقوط النظام نفسه. وهذه تقنية ذكية من الكاتب، حيث يسرد "اللا نقد" بطريقة ساخرة تفضح ذاتها، وتعيد طرح سؤال: كيف تتشكل القناعة الأيديولوجية؟
في هذا السياق، يظهر مفهوم "النبوة السياسية"، حيث يتحول الحزب في وعي الراوي إلى مرجعية مقدسة، وكل من يخالفه إما شيطان أو خائن. وهي ميكانيزمات سلطوية تُحلل في ضوء كتابات ميشيل فوكو حول السلطة كمنتج للخطاب، لا مجرد جهاز قمعي.
ثانيًا: المرأة، والرمز، والخبز المسروق ثنائية الحاجة والتومة - التوأمان المتطابقتان شكلاً والمختلفان في جوهر الشخصية - تمثلان مجازًا ثريًا للانقسام السوداني بين تيارين: الإسلاميين والثوار. من صنعت عيش السرايا؟ سؤال بسيط يُحيل إلى عمق أزمة الهوية والانتماء. حتى الخبز يتحول إلى رمز للشرعية التاريخية. الحاجة، بمدلوله الظاهري يحاكي النموذج الإسلامي المحافظ، بينما التومة تجسد التمرد، والراوي يحكم من الداخل منحازًا للأولى.
نرى هنا استخدامًا لمفهوم "العنف الرمزي" كما طوّره بيير بورديو،حيث يتم تهميش الأصوات الأخرى - كالابن المناضل وابنة التومة - بوسائل لغوية تافهة وساخرة تخفي التسلط خلف ستار الفكاهة.
ثالثًا: التعاويذ وآلان ديلون: انكسار الحلم قصة الجدة التي تنتظر الزواج من آلان ديلون ليست مجرد نكتة، بل هي استعارة عن الأمل الخائب في التغيير، واختلاط الواقع بالوهم. حين يصبح السحر أداةً للرجاء،
فذلك يعني انهيار المنظومة العقلانية. هنا، تستدعي الرواية النقد الأنثروبولوجي كما في أعمال كليفورد غيرتز حول تأويل الثقافة بوصفها أنظمة رمزية.
رابعًا: السخرية وسيلة لاختراق المحظور اللغة في الرواية مشبعة بسخرية لاذعة تقلب موازين الجدية. إنها ليست ترفًا بل استراتيجية. يُمكن مقاربة هذا التوظيف في ضوء أطروحات باختين عن الكرنفالية الأدبية، حيث يسقط الرسمي أمام الهزلي، وتُعطل القيم السائدة عبر قلبها شكليًا لا محتوى فقط.
خامسًا: رسالة الأدب ومهمة الوعي ما تصوغه الرواية في ظاهرها من "وقائع مسلية"، يتكشّف عن خطاب ناضج ينتقد خطاب السلطة من الداخل، دون أن يعاديه لفظيًا، بل يُعرّيه عبر خطاب الذات المؤدلجة. وهنا يكمن الفن الحقيقي: التمرد بدون صراخ، والوعي بدون خطابة. خاتمة: رواية "عيش السرايا" سرد ساخر عن سقوط نظام، وعودته عبر إنقلاب على المدنية وهو عمل أدبي مكثف يسائل، يهزّ، ويفضح. ينجح في إعادة طرح سؤال: من هو الشيطان؟ ومن يملك حق تحديد مصير الناس؟ هي شهادة على كيف يمكن للأدب أن يوقف سيل الدم، لا عن طريق الشعارات، بل عبر مساءلة أعمق: مساءلة الفكر الذي يُشرعن القتل، والضمير الذي يصمت حين تتلطخ يداه باسم الدين.
0 تعليقات