حين تشرع في قراءة الجزء الأول من رواية «مزامير التّجاني» للروائي الجزائري محمد فتيلينة، يتملّكك انطباعٌ طاغٍ بأنك لا تقلب صفحات روايةٍ تقليدية، بل تجلس في عتمة صالة عرضٍ، أو تقف خلف كتف مخرجٍ يُقطّع مشاهده بحساسيةٍ بصريةٍ حادّة. فالنص، الذي لفت الأنظار بحضوره اللافت في المشهد السردي وبلوغه القوائم القصيرة والطويلة لجوائز عربية مرموقة مثل «كتارا» و«أبو القاسم الشابي»، لا يتعامل مع اللغة بوصفها مجرد أداةٍ للوصف والحكي، بل بوصفها "عدسةً" حية ترصد الزوايا، وتتحكّم في توزيع الضوء وحركة الظلال وإيقاع الصوت.

إن الرهان الجوهري في كتابة فتيلينة يكمن في تلك "المشهدية التلقائية"؛ فالقارئ لا يحتاج إلى عناءٍ تركيبي ليتخيّل الرواية على الشاشة، لأن النص في ذاته كُتب بذهنية "السيناريو الكامن". ليس الكاتب هنا حكاءً تقليدياً يقف خارج المشهد، بل هو "مونتير" يقف في غرفة التوليف، يُمسك بمقصّ القطع السريع، ويجاور بين عوالم متنافرة ليخلق منها صدمةً بصرية ودلالية واحدة.

1. المونتاج المتوازي: قفزة "المونتير" بين السنغال والمتوسط

يفتتح الجزء الأول (مرزوق بن حمّو) مساره بلقطةٍ تأسيسية عامة (Establishing Shot) في قرية «لوزانغي» بالسنغال؛ ليلٌ بهيم، أجسادٌ تضطرب حول جثةٍ مسجاة، نساءٌ يحثون التراب على الرؤوس، وشيخ زاويةٍ قادمٌ على ظهر جمل ليصدر حكمه العرفي. لكن فتيلينة، وبدلاً من أن يسترسل في نسج الحكاية برتابة التتابع الزمني، يفاجئنا بـ"قطعٍ مباشر وحاد" (Hard Cut) ينقلنا دون أدنى تمهيدٍ إنشائي إلى قمرة قيادة حاملة الطائرات الأمريكية «هاري ترومان» في عرض البحر الأبيض المتوسط، حيث جنرالٌ يحدق بمنظاره وسط العتمة والمطر.

هذا التجاور الصادم بين عالمين متباعدين ليس ترفاً شكلياً؛ إنه اشتغالٌ سينمائي بما يُعرف بـ«المونتاج المتوازي». الكاتب يضع "عدالة الشيخ وحجابه" في مواجهة "عدالة الرادار العسكري"، وقارب المهاجرين التائه في مواجهة البارجة العملاقة؛ ليطرح السؤال الإنساني المشترك: من يملك حق النجاة ومن يُترك للغرق؟

2. عدسة المنظار: الرؤية بزاوية الكاميرا الذاتية

يوظّف النص "المنظار العسكري" في يد الجنرال كبديلٍ روائي للّقطة الذاتية (POV - Point of View)؛ فحين يرفع الجنرال منظاره، يضيق كادر الرواية ليصبح القارئ هو نفسه عين الكاميرا: ما يراه المنظار نراه، وما يعجز الضباب عن كشفه يُحجب عنا تماماً.

تتكرر هذه التقنية في توظيف "الكوّة المطلّة على البحر" التي تؤطر المشهد داخل كادر ثابت (Framing). وفي المقابل، نجد عين السارد في مشهد القرية السنغالية تتحرك بحركةٍ تحاكي الرافعة السينمائية (Crane Shot): تبدأ من لقطةٍ عامة تحتوي الحشد المتلاطم والظلام، ثم تهبط تدريجياً نحو الأيدي التي تحثو التراب وتفاصيل الخوف المرتسمة على الوجوه، قبل أن ترصد دخول الشيخ في لقطةٍ متوسطة تمنحه هيبة الحضور.

3. الفلاش باك والمونتاج الذهني: كعكة 1945 وسقوط 2019

يصل الوعي السينمائي ذروته حين تسقط طائرة الملازم «جيمي» في المتوسط. في هذه اللحظة بالذات، لا يلجأ الكاتب إلى الاسترسال الإنشائي لوصف الفزع، بل يُجري "قطعاً ومضياً" (Flash-Cut) يقتحم به ذاكرة الجنرال: لقطة استرجاعية لحفل عيد ميلاده السادس عام 1945، كعكةٌ على شكل سفينة حربية، وخادمةٌ سمراء تُمسك بيد ابنها الصغير «مايك»، ثم صفعةٌ تتردد في الغرفة وتتقاطع في جزءٍ من الثانية مع دويّ سقوط الطائرة سنة 2019.

هذا التوليف يستحضر مبدأ "مونتاج الجذب" الذي أسسه المخرج الروسي سيرغي أيزنشتاين؛ حيث يُخلق المعنى وتتولد الصدمة الشعورية من تصادم صورتين لا رابط زمنياً بينهما (لون بشرة الطفل مايك في الذاكرة، ولون بشرة الشاب الغريق الذي سيُنتشل من البحر لاحقاً).

4. هندسة الصوت والإضاءة

لا يكتفي النص برسم الكادر، بل يصنع شريط صوتٍ وإضاءةٍ متكاملاً؛ فالجريمة في السنغال تبدأ بـ"جسرٍ صوتي" (Sound Bridge)، حيث يسبق صراخ النساء وعويلهنّ ظهور تفاصيل المشهد في الكادر. كما تتأسس مشاهد البارجة على التناوب الصوتي بين صمت البحر المهيب وطنين الرادارات، ثم الانفجار المفاجئ لارتطام الطائرة. أما الإضاءة فهي عنصر تأطير درامي: عتمة الليل تستر الجريمة العرفية والتعتيم العسكري، في حين يفتح ضوء الفجر كادر الرحيل والنجاة.

من الرواية إلى الشاشة: نماذج الديكوباج التطبيقي

لتأكيد فرضية أن الرواية كُتبت كـ"سيناريو كامن" لا يحتاج إلى عناء الاقتباس، يكفي تفكيك فقراتها وترتيبها وفق المعايير الإخراجية لتقطيع المشاهد (الديكوباج):

النموذج الأوّل – المشهد الافتتاحيحشد لوزانغي (يقابل المحور الأول والثاني)

مشهد 1 – خارجي – ساحة قرية لوزانغي، السنغال – ليل

حشد من القرويين يتحلّق حول جثّة مغطّاة. الكاميرا تتسع أوّلاً لتحتوي المشهد كاملاً: ظلام، أضواء مصابيح خافتة، ثم تضيق تدريجياً. نساء يحثون التراب على رؤوسهن وسط صراخ وعويل. 

أحد الحاضرين

تأخّر سيّدي

آخر

أبطأه أحد ضيوف الشمال

كبير القرية يتقدّم من الحشد، قلقاً

كبير القرية

لا يحتمل الحدث تأخيراً، من ذهب في طلبه؟

تصاعدُ الجلبة. الكاميرا تلتقط، من عمق الكادر، ظهور «سيدي لمبارك» على ظهر جمله، وإلى يمينه رجلٌ غريب بعمامة أكبر. الحشد يفسح الطريق.

سيدي لمبارك

السلام عليكم

يردّ الجميع السلام. كبير القرية يقبّل يد الشيخ)

كبير القرية

وجدنا حمّو جاثياً على ركبتيه، وأمامه جسد العجوز دليلة مُسجّى

قطع مباشر (Hard Cut) إلى:

النموذج الثاني – عين المنظارالجنرال فوق المتوسط (يقابل المحور الثاني)

مشهد 2 – داخلي/خارجي – قمرة القيادة، حاملة الطائرات هاري ترومان – ليل، مطر

لقطة متوسطة للجنرال وهو يخلع نظارته لتتدلى عى صدره، يفتح الكوّة البحرية بيسراه، ثم يرفع المنظار العسكري إلى عينيه.

زاوية الرؤية (POV): عبر عدسة المنظار؛ سطح البحر مائج، ضبابٌ كثيف وعتمة مطبقة.

الجنرال

جورج، ما جديد الرَّادارات؟

جورج

(يرفع رأسه عن الشاشات )

لا شيءَ سيّدي! سوى إشاراتٍ قادمةٍ من طائرة إف-16 المحلّقة منذ نصف ساعة.

 

تتساقط الأمطار بغزارة، صمت مشحون، وفجأة تومض شاشة المراقبة الخارجية.

جورج

سيّدي! أرى عبر الكاميرا الخارجية ثلاثة قواربَ أمام خطّ سيرنا... ترفَعُ راياتٍ بيضاءَ

الجنرال

(بحسم بارد)
سنتّجه شمالاً ثمّ نميل إلى الغرب نحو المياه الإقليمية الإسبانية لنتفادى التواصل مع خفر السواحل. الوقت ليس ملكنا!

جورج

إذن.. لن أرسل أيّة إشارةٍ سيدي؟

لقطة قريبة (Close-Up) لوجه الجنرال، يرمق جورج بنظرةٍ عقابية صارمة ثم يومئ ببطء.

الجنرال

يبدو أنّك فهمتني.. أخيراً!

قطع ومضي سريع (Flash-Cut) إلى:

مشهد 3 – داخلي – بيت عائلة الجنرال، 1945 – ليل / ضوء شموع

لقطة قريبة لكعكة ميلادٍ على شكل سفينة حربية مغطاة بكريمة حمراء يعلوها الرقم 6.

الأم

(تبتسم)
كلّ عامٍ وأنت بخيرٍ حبيبي

الأب

العمر كلّه جنرالي الصغير! سفينةٌ أمريكية مثل هذه أوقفت حشود هتلر عند سواحل النورماندي ومنعتهم من الوصول إلى بيتنا

حركة بانورامية تظهر الخادمة السمراء «لويز» تمسك بيد طفلها الصغير «مايك». تُطفأ الشموع فجأة، ويحاول مايك أن يمد يديه نحو الطاولة.

[مؤثر صوتي: دوي صفعة قوية خارج الكادر (SFX: Slap) .]

قطع سريع وعودة إلى الحاضر: صدى الصفعة القديمة يمتزج بصوت جهاز اللاسلكي.

جورج

(عبر اللاسلكي)
يبدو أنّ طائرة جيمي حادت عن مسارها يا سيّدي.. لم تصل إلى المدرج.. أظنّ أنّها سقطت!

خاتمة: النص كشاشةٍ بيضاء

تُظهر النماذج السابقة بوضوح أن تحويل رواية «مزامير التّجاني» إلى سيناريو ليس عملية «إعادة كتابة»، بل هو مجرد «إظهار» لبنيةٍ مشهدية متكاملة وضعها الكاتب داخل نسيج لغته منذ السطر الأول.

يقدم محمد فتيلينة في هذا العمل نموذجاً للرواية العربية المعاصرة التي استوعبت التقنيات البصرية؛ فالنص لا يحكي الحكاية لكي تُسمع بالأذن فحسب، بل يصوغها ككتلٍ من الضوء والظلال والحركة لتُرى بالعين. إنها كتابةٌ تملك كاميرتها الخاصة، وتؤكد أن المسافة بين الأدب الرفيع والسينما ليست في الوسيط التقني، بل في عمق الخيال البصري القادر على إخراج المشهد في وجدان القارئ قبل أن ينتقل إلى شاشات العرض.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم