نزار آغري

على العكس من كاتبات أخريات، وكتاب آخرين، ممن يرفعن، ويرفعون، لواء مثل هذه القضايا فإن أرونداتي تتفوق بشيء واحد، وحاسم: الشجاعة. المواضيع التي تتناولها الروائية التركية أليف شافاك، مثلاً، تكاد تكون مطابقة بالتمام لمواضيع روي. والحال أن المجتمعين الهندي والتركي يزخران بمشاكل تكاد تكون نسخة عن بعضها بعضاً. هناك كشمير وهنا كردستان. هناك امتزاج الديني والقومي في حزب "بهاراتيا جاناتا"، وهنا الشيء نفسه في "العدالة والتنمية". وفي الطرفين ينهض التعصب القومي والكراهية والتسلح والفقر.

تواجه روي المسائل وجهاً لوجه، بيدين عاريتين وعينين تقدحان عزماً وتحدياً، في قلب المعركة، في الهند، أي أنها ترقص حيث تكون الوردة، كما قال ماركس ذات يوم. أما شافاك فإنها تداعب الأشياء مداعبة سيدة صالون لكلبها المدلل. تفضفض الحكايات بقفازات مخملية في لندن، حيث تقيم.

وإذ تسمي روي الأشياء بمسمياتها، ولا تتردد في القول للحكام الهنود، في ما يتعلق بمعاملة أهل كشمير: أنتم عنصريون مقيتون، فإن شافاك تعمد إلى السباحة في بحيرة الكليشيهات العامة بسرد مدرسي باهت من دون أن تنسى نثر توابل إكزوتيكية عن قواعد العشق الصوفي وهيام الرومي بالتبريزي، بما يتلاءم مع ذائقة القارئ الأوروبي.

تعاين روي الواقع، تعريه، تكشط عنه الجلد لتبرز العروق النافرة دافقة، حارة، تخنق الأنفاس، فيما تنزع شافاك إلى رش الجوز واللوز ليبدو الطبق شهياً يخفي ما تحته. تروي روي عن القرى المدمرة في كشمير وعمليات القتل والتعذيب والتهجير فيما تفضل شافاك التحدث عن الظلم الذي تتعرض له المرأة الكردية على يد زوجها، اي أنها تستخدم الصورة الكئيبة للمرأة لتزيح جانباً الصورة المرعبة للسكان الأكراد برمتهم.

تقول روي إن ما يجري في كشمير هو صراع غير متكافئ بين قومية ظالمة وقومية مظلومة وأن ما تمارسه الهند، أي بلدها، هو احتلال ينبغي أن يزول. إحدى بطلات رواية "وزارة السعادة القصوى" تعشق مقاتلاً كشميرياً وتعتقل وتتعرض للتعذيب من أجله. لا شي من هذا القبيل في نصوص شافاك. ليس ثمة ما يشير إلى أن الأكراد يتعرضون للظلم والقمع والتمييز.

في مقال في الكتاب، هذه الفقرة:"ما فعلته الهند في كشمير على مدى الثلاثين عامًا الماضية أمر لا يُغتفر. قُتل ما يقدر بنحو سبعين ألف شخص، من المدنيين والمسلحين وقوات الأمن، في الصراع. الآلاف "اختفوا"، وعشرات الآلاف مروا بغرف التعذيب المنتشرة مثل شبكة من أبو غريب".هذه الصورة تنطبق حرفياً، حتى من ناحية أرقام القتلى، على ما يجري في تركيا بحق الأكراد. لكن شافاك لم تورد شيئاً عن هذا في أي نص من نصوصها.

في روايتيها "إله الأشياء الصغيرة"(1997) و"وزارة السعادة القصوى" (2017) ، عمدت أرونداتي روي إلى نخز القارئ لحثه على الانتباه إلى العلل الكثيرة في قاع المجتمع الهندي الشاسع. وهي فعلت ذلك بلغة محكمة وسرد كثيف، غنائي ومؤلم في الآن نفسه. لقد غامرت بدفع الحدود إلى أقصى مدى ممكن، وخاطرت بموقعها ككاتبة روائية في الرهان على ثقة قرائها للنظر إلى الأشياء من منظور مختلف، ومتطرف في واقع الحال، للوصول إلى النهاية المشتهاة من القراءة: المتعة الممزوجة بالغضب التي تقود إلى خلق قطيعة مع ما هو معتاد.

إذن فإن جزءاً كبيراً من جاذبية روي ككاتبة، سواء كان من الخيال أم غير ذلك، يتأتى من شجاعتها التي لا تتزعزع عندما يتعلق الأمر بذكر الحقائق التي يخاف الكثيرون من التطرق إليها. وكتاب آزادي، والحال هذا، ليس عملاً من أعمال البحث والتقصي وحسب، بل هو إثبات لقوة الكلمة وجاذبية الحكاية لمساعدتنا على فهم العالم الذي نعيش فيه وكذلك العالم الذي يمكن أن نخلقه إذا كنا مستعدين لتخيل عالم آخر. وعلى استعداد للقتال من أجل ذلك.

تكتب روي المقال بعيني روائية. والمقالات التي كُتبت هنا تشبه فصولاً صغيرة في حكاية مؤلمة. آزادي، الكتاب، مثال على كيفية قول الحقيقة في وجه السلطات الماسكة بزمام الدولة القومية وإدانتها بحقائق وإحصاءات وأمثلة وحكايات مستمدة من الواقع. في هذه النصوص تؤمن روي بتغيير العالم من طريق الكلمة. وهي عمدت، بالفعل، إلى دعوة الفنانين والكتاب والموسيقيين والرسامين وصانعي الأفلام لتحضير أنفسهم، ليكونوا غير محبوبين ويضعوا أنفسهم في بؤرة الخطر من أجل كسب العالم.

ما يؤخذ على الكتاب، وكتبها الأخرى، في واقع الحال، هو نبرتها الجارحة وصرختها الخطابية: "هذه الحكومة جرحت روح الهند بشدة. سوف يستغرق الأمر سنوات حتى نشفى، يجب أن نصوت لإزالة هؤلاء الدجالين الخطرين المتعطشين للدم من مناصبهم". هذه لغة نضالية، بلشفية. لغة منابر لمثقفة لينينية. المشكلة هي أنها تخبئ في أعماقها شخصية راديكالية متطرفة، وهي تستخدم ترسانتها البلاغية وثقافتها العميقة لتمرير خطابها اليساري الجارف فتأخذ في طريقها كل شيء، الطالح والصالح معاً. وككل اليساريين، منذ لينين وحتى الآن، مروراً بستالين وماو وكاسترو، فإنها لا تتردد في استعمال كل الأسلحة، بما في ذلك تلك المحرّمة، إذا بقينا في ميدان الكتابة والخطابة: اللعن والشتم والقذف والتكفير والتحقير. هي تجري عملية تبشيع وتشنيع فظيعة بحق من تعتبرهم أعداء: الإمبريالية، حكومة الهند، الرأسماليين.

لا عجب في هذا، فهي المناضلة اليسارية التي ولدت لأب بنغاليّ يزرع الشاي، وأمّ مسيحيّة سريانيّة من ولاية كيرالا. درست الهندسة المعماريّة وتقلبت في وظائف عديدة قبل أن تتفرغ للكتابة والصحافة والنضال من أجل الحريّة والعدالة الاجتماعيّة. ولهذا، ربما، قررت أن تكرس الكثير من وقتها للتصدي لما تسميه صعود اليمين الشوفيني المتطرّف إلى السّلطة في الهند.

في بدايات الثورة السورية، قبل أن تختطفها العصابات المسلحة، كانت الأماكن تنهض طافحة بالأمل وكان التكاتف رداء يتدثر به الجميع. آنذاك كانت المسيرات تتكلم بكل اللغات السورية: العربية والكردية والسريانية والآشورية والأرمنية. في كل يوم جمعة، كانت تكرس المسيرة لمدينة أو منطقة أو محافظة أو لغة. فإن تعرضت درعا للاعتداء تقوم المسيرات في أماكن أخرى وتهتف: نحن معك يا درعا. وإن صار ذلك في حمص، تتهيأ المسيرة في بقعة أخرى لمؤازرتها. إحدى المسيرات سُميت باسم آزادي، أي الحرية باللغة الكردية. كان ذلك تعاطفاً من المتظاهرين، في كل المدن السورية، العربية، تلاحماً مع الأكراد في الشمال: في القامشلي والحسكة وعامودا وعفرين وكوباني.

تتعاطف روي مع شعب كشمير وتعنون كتابها بشعارهم في الحرية: آزادي، أما كتّاب سوريا، من المدافعين الآن عن "الثورة" التي باتت مصيدة للثوار، فلا يترددون في القول: الأكراد يريدون تقسيم سوريا، سوف نقصم ظهرهم. هكذا قال أحدهم. وسكتت أرونداتي روي، وكذلك أنا، عن الكلام المباح.

عن المدن

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

مواضيع أخرى ربما تعجبكم